دخلت العلاقات الإثيوبية الإريترية نفقاً مظلماً، عقب التصريحات الحادة وغير المسبوقة التي أدلى بها وزير الخارجية الإثيوبي، جيديون تيموثيوس، والتي حملت نبرة إنذار أخير لأسمرة.
فبينما كانت المنطقة تترقب خفضاً للتصعيد في القرن الأفريقي، جاءت رسالة جيديون تيموثيوس، لتقلب الطاولة وتضع العلاقات مع الجارة إريتريا على حافة الهاوية.
لم تكن اللهجة التي استخدمها الوزير الإثيوبي مجرد تراشق دبلوماسي معتاد، بل حملت في طياتها ملامح إنذار أخير، بعدما انتقلت أديس أبابا من لغة العتاب السياسي إلى الاتهام الصريح لأسمرة بـ "احتلال أراضٍ إثيوبية" ودعم جماعات التمرد لزعزعة استقرار البلاد.
هذا التحول في الخطاب الرسمي الإثيوبي أثار مخاوف جدية من تحول الهدوء الذي ساد منذ 2018 إلى مواجهة تعيد للأذهان ذكريات النزاع الحدودي الدامي في نهاية التسعينيات.
التصريحات الإثيوبية أثارت التساؤل حول ما إذا كان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يستعد لتصعيد عسكري يعيد خلط أوراق المنطقة من جديد، أم أن الأمر لا يعدو كونه "حافة هاوية" لتحسين شروط التفاوض؟
اظهار أخبار متعلقة
ما الذي قاله وزير خارجية إثيوبيا؟
في خطوة تصعيدية، خرج وزير الخارجية الإثيوبي بتصريحات رسمية اتهم فيها إريتريا صراحة بانتهاك السيادة الإثيوبية واحتلال أراضٍ على امتداد الحدود المشتركة في شمال البلاد عبر "شن أعمال عدائية".
وقال في رسالة وجهها لنظيره الإريتيري عثمان صالح، إن "توغل القوات الإريترية في الأراضي الإثيوبية ليس مجرد استفزاز، بل هو عدوان صريح" مطالبا بانسحاب فوري للقوات الإريترية، ووقف كل أشكال التعاون مع الجماعات المسلحة.
وحذر وزير الخارجية الإثيوبي من أن التطورات الأخيرة تنذر بـ"مزيد من التصعيد"، مشيرا إلى رصد مناورات عسكرية مشتركة بين الجيش الإريتري وجماعات متمردة إثيوبية بالقرب من الحدود الشمالية الغربية.
واعتبر الوزير الإثيوبي أن "إريتريا اختارت طريق التصعيد، وعليها وقف كل أشكال التعاون مع المجموعات المتمردة، لكنه استدرك قائلا "يمكن كسر هذه الحلقة من العنف وعدم الثقة عبر الحوار والالتزام الدبلوماسي".
بما ذا ردت إريتريا؟
ردت إريتريا جاء سريعا، حيث وصفت الاتهامات الإثيوبية بـ"الملفقة والكاذبة" معتبرة أن أديس أبابا تشن حملات عدائية ضدها.
وقالت وزارة الإعلام الإريترية في بيان إن اتهامات وزير الخارجية "مذهلة في لهجتها ومضمونها ودوافعها الأساسية وهدفها بشكل عام".
وتحت عنوان "اتهامات كاذبة لخدمة أغراض خفية" أصدرت وزارة الإعلام الإريترية بيانا اليوم الاثنين قالت فيه "إثيوبيا تشن حملات عدائية ضدنا على مدى نحو عامين".
وأضافت الوزارة: "هذا يمثل عملاً مؤسفاً آخر ضمن سلسلة الحملات العدائية ضد إريتريا والمستمرة منذ أكثر من عامين" مشيرة إلى أن أسمرة، لا ترغب في تفاقم الوضع.
اظهار أخبار متعلقة
خطورة الإنذار الإثيوبي
وفق متابعين، لا يمكن فهم خطورة "الإنذار" الإثيوبي الحالي دون العودة إلى ذكريات حرب الحدود الدامية في تسعينيات القرن الماضي التي اندلعت بسبب خلاف على بلدة "بادمي" الحدودية وتحولت إلى واحدة من أعنف الحروب التقليدية في تاريخ القارة السمراء.
بدأت تلك المواجهة، بمناوشات حدودية وانتهت بحرب خنادق طاحنة، أودت بحياة الآلاف من الجانبين، وخلفت إرثاً من العداء استمر عقدين من الزمن.
فقد خاض البلدان حرباً دامية بين عامي 1998 و2000 قبل أن يوقعا اتفاق سلام في عام 2018 ويتحالفا في الحرب التي خاضتها إثيوبيا على مدى عامين ضد السلطات الإقليمية في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.
ورغم "اتفاق السلام" الموقع بين البلدين في 2018، إلا أن اتهامات أديس أبابا الحالية لأسمرة باحتلال أراضٍ إثيوبية تعيد للأذهان ذات الخطاب الذي سبق الحرب التي اندلعت في التسعينيات، مما يثير مخاوف من أن البلدين يتجهان نحو إنهاء الاتفاق والعودة إلى المربع صفر.
غطاء قانوني وسياسي
ووفق متابعين يعكس هذا التوتر انهياراً كاملاً لما كان يشبه "تحالف الضرورة" الذي جمع بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.
ويرى مراقبون أن هذا التصريح ليس مجرد مناورة دبلوماسية، بل هو غطاء قانوني وسياسي قد تستخدمه أديس أبابا لتبرير تحرك عسكري مستقبلي ضد إريتريا.
فقد تحولت إريتريا من حليف عسكري إلى متهم رئيسي بإيواء ودعم حركات التمرد وهو ما تعتبره إثيوبيا تهديداً لها.
ويؤكد متابعون للشأن الأفريقي أنه لا يمكن قراءة التصعيد الأخير بمعزل عن طموح إثيوبيا الاستراتيجي في الوصول إلى البحر الأحمر، فمنذ إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن المنفذ البحري مسألة حياة أو موت، واتفاقه المثير للجدل مع "أرض
الصومال"، شعرت إريتريا بأن سيادتها على موانئها (خاصة ميناء عصب) قد تكون الهدف القادم.
ما علاقة محور (الصومال - إريتريا - مصر)؟
لا يستبعد مختصون في الشأن الأفريقي أن يكون لجوء إثيوبيا لرفع نبرة العداء تجاه أسمرة هو أيضا محاولة لخلط الأوراق الإقليمية، رداً على التحالف الثلاثي الناشئ بين إريتريا، الصومال، مصر، والذي يهدف لمحاصرة الطموحات الإثيوبية في المنطقة.
وتأسس هذا المحور قبل فترة بعد ما تلاقت مصالح الدول الثلاث نتيجة شعور مشترك بضرورة كبح الطموحات الإثيوبية المتصاعدة في المنطقة.
وتسعى مقديشو من خلال هذا التحالف لحماية سيادتها بعد "مذكرة التفاهم" المثيرة للجدل بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال للحصول على منفذ بحري، والذي اعتبرته الصومال اعتداءً صارخاً على أراضيها.
أما القاهرة فتجد في هذا التحالف وسيلة للضغط على أديس أبابا في ملف سد النهضة، وتأمين نفوذها في منطقة البحر الأحمر ومدخل قناة السويس.
وتسعى أسمرة، من خلال هذا المحور لتشكيل جبهة رادعة ضد أي تدخل إثيوبي بأراضها، من خلال التدريبات العسكرية المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخبارية.
السيناريوهات المتوقعة
وفي ظل التوتر الحالي يعتقد مراقبون أن العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة، أمام ثلاثة سيناريوهات، أولوها ظهور وساطة إقليمية لنزع فتيل الأزمة مقابل تنازلات حدودية أو اقتصادية، وهو سيناريو يرجحه كثيرون نظرا لظروف التوتر الدولي الحالية.
أما السيناريو الثاني فهو دخول البلدين في مواجهات عسكرية محدودة في المناطق المتنازع عليها دون الانزلاق لغزو شامل، مع فتح الباب أمام الوساطات الدولية والإقليمية، وهو ما يعكسه تلويح وزير الخارجية الإثيوبي بالتصعيد وتأكيده في المقابل أن باب الحوار مفتوح.
والسيناريو الثالث هو الانزلاق نحو حرب شاملة ودامية تعيد للذاكرة حرب عام 1998، وهو سيناريو سيؤدي لتهجير الملايين وإشعال منطقة القرن الأفريقي وقد تمتد تداعياته إلى خارج بلدان القرن الأفريقي.