ذكرى مقتل عبد الكريم قاسم… تجربة غيرت تاريخ الحكم في العراق

أعدم  عبد الكريم قاسم عام 1963 رميا بالرصاص- جيتي
أعدم عبد الكريم قاسم عام 1963 رميا بالرصاص- جيتي
شارك الخبر
تحل ذكرى التاسع من شباط/فبراير لمقتل الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم في واقع يبدو فيه العراق أبعد ما يكون عن المشروع الذي طرح عقب ثورة 14 تموز/يوليو 1958، حين رفعت شعارات العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية وبناء دولة مؤسسات تخدم الفئات المهمشة قبل النخب السياسية.

وبعد مرور أكثر من ستة عقود على مقتله، لم يعد السؤال محصورا في كيفية إسقاطه، بل في ما الذي تبقى فعليا من مشروعه داخل عراق اليوم.

لم يكن عبد الكريم قاسم زعيما حزبيا تقليديا، بل قدم نفسه قائدا لدولة ناشئة، سعى إلى وضع الدولة فوق الحزب، والمواطن قبل الانتماءات الضيقة، غير أن هذا التوجه اصطدم سريعا بواقع سياسي واجتماعي معقد، وبيئة لم تكن مهيأة لتقبل مشروع يفتقر إلى ظهير حزبي منظم.

وتعود أهمية عبد الكريم قاسم، إلى دوره المحوري في ثورة 14 تموز/يوليو 1958، التي أنهت الحكم الملكي الهاشمي وفتحت مرحلة جديدة في التاريخ السياسي للعراق.

ومثلت الثورة تحولا جذريا في طبيعة النظام السياسي، إذ نقلت البلاد من الملكية إلى الجمهورية، وما رافق ذلك من تغييرات في النظام الدستورية والسياسات الداخلية والخارجية للدولة، وهو تحول لا تزال آثاره محل نقاش حتى اليوم.

قتل عبد الكريم قاسم في 9 شباط/فبراير 1963، عقب ساعات من فشل محاولته استعادة السيطرة على الأوضاع بعد انقلاب عسكري قاده ضباط ينتمون إلى حزب البعث وتيارات قومية.

وبعد حصاره في وزارة الدفاع ببغداد، ألقي القبض عليه ونقل إلى مبنى الإذاعة، حيث خضع لمحاكمة سريعة ومختصرة، انتهت بإعدامه رميا بالرصاص مع عدد من معاونيه، وشكلت طريقة مقتله، وما رافقها من إجراءات متعجلة، واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث، لما تركته من أثر عميق في الذاكرة السياسية والانقسامات اللاحقة حول تلك المرحلة.


بين الرواية الشعبية والنقد السياسي

وتبرز أهمية قاسم أيضا بوصفه أول رئيس وزراء للجمهورية العراقية، حيث تركزت بيده السلطة الفعلية خلال مرحلة تأسيسية شديدة الحساسية.


وركز مشروع عبد الكريم قاسم على مفهوم الدولة الاجتماعية، إذ تبنت حكومته سياسات استهدفت تحسين أوضاع الفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود، من خلال مشاريع الإسكان الشعبي وإجراءات لإعادة توزيع بعض الموارد، إلى جانب محاولات للحد من نفوذ الإقطاع.

ويعتبر مؤيدوه أن هذه السياسات أسست لتوجه اجتماعي واضح، سعى إلى معالجة اختلالات اقتصادية تراكمت عبر عقود.

اظهار أخبار متعلقة



بدوره، يورد الكاتب حسن العلوي في كتابه "عبد الكريم قاسم.. رؤية بعد العشرين" مشاهد إنسانية من سيرة والدة عبد الكريم قاسم، مستندا إلى علاقة الجيرة التي جمعت عائلتهما في منطقة كرادة مريم.

ويصف العلوي والدة قاسم بأنها امرأة معروفة بتفقد جيرانها ومعرفة احتياجاتهم، ثم السعي لتلبيتها من مالها الخاص رغم محدودية دخلها، مشيرا إلى أن عبد الكريم كان يخصص لها مبلغا شهريا ثابتا، كما يروي حادثة شخصية تأخر فيها عن العودة من المدرسة، لتبادر والدة قاسم إلى اصطحابه وشراء دراجة هوائية له بعد أن علمت سبب تأخره.

ويرى العلوي أن هذه التربية تركت أثرا واضحا في شخصية عبد الكريم قاسم، الذي عُرف بقربه من الفقراء وميله إلى التسامح.

وفي السياق نفسه، ينقل حنا بطاطو في كتابه “العراق” شهادة للمقدم محمد يوسف طه تفيد بأن قاسم كان يوزع جزءا من راتبه بانتظام على عائلات محتاجة في بغداد، وهي روايات أسهمت في تشكيل صورته المتباينة في الذاكرة العراقية.

في المقابل، يرى منتقدوه أن هذه التوجهات، إلى جانب تشديده على استقلال القرار العراقي في السياسة الخارجية وإدارة الثروات الوطنية، أدخلته في صدامات واسعة مع قوى داخلية وخارجية، ويذهب هؤلاء إلى أن إدارة هذه الملفات افتقرت أحيانا إلى التوازن السياسي المطلوب، ما أسهم في تعقيد المشهد بدل احتوائه.

من جانبه، كتب الصحفي مصطفى كامل أن ما يشهده العراق اليوم من أزمات وانهيارات يعود بجذوره، برأيه، إلى التحولات التي وقعت قبل 67 عاما، مع تولي عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف السلطة، معتبرا أن تلك المرحلة مثّلت بداية نمط حكم اتسم بالعنف السياسي، وأسهم في ترسيخ صراعات طائفية وعرقية تركت آثارا عميقة في بنية الدولة والمجتمع.

وأضاف أن تلك التحولات أدت، وفق تقييمه، إلى تراجع الطابع المدني للعاصمة بغداد، وصعود ممارسات وأنماط اجتماعية وسياسية جديدة وضعت الأسس الأولى لما آلت إليه الأوضاع لاحقا.

وبين الرأيين، ينظر إلى تلك المرحلة بوصفها محاولة لتقديم تصور مختلف لدور الدولة، بين من يراها سعيا لجعل الدولة راعية وحكما فوق الصراعات، ومن يعتبرها تجربة لم تنجح في بناء آليات مستقرة لإدارة التوازنات السياسية والاقتصادية.

من المشروع إلى الذاكرة

على الرغم من قصر فترة حكمه، ظل اسم عبد الكريم قاسم حاضرا في الذاكرة الشعبية، ولا سيما لدى الفئات التي رأت في سياساته انحيازا للفئات المهمشة ومحاولة جادة لتحقيق العدالة الاجتماعية.
غير أن هذا الحضور بقي رمزيا أكثر منه عمليا، إذ لم يتحول المشروع إلى مسار مؤسسي مستدام، ولم تُستكمل أدواته السياسية والإدارية.

فبعد مقتله، لم تُطوَ صفحة الرجل فقط، بل تراجع معه نموذج الدولة الاجتماعية، لتحل محله أنماط حكم مختلفة، وتراوحت هذه الأنماط بين السلطوية والحزبية الضيقة، وصولا إلى نظام المحاصصة الذي تشكّل بعد عام 2003.

اظهار أخبار متعلقة



وفي هذا السياق، بات مشروع قاسم جزءا من الذاكرة أكثر منه إطارا حاضرا في السياسات الفعلية للدولة.

في عراق اليوم، تبدو الفجوة واسعة بين خطاب العدالة الاجتماعية وممارسات الدولة الفعلية، إذ تدار السياسات الاقتصادية غالبا بمنطق إدارة الأزمات لا ضمن رؤية تنموية شاملة، كما تراجع مفهوم الدولة الجامعة أمام صعود الهويات الفرعية، وتحولت مؤسسات الدولة في كثير من الأحيان إلى ساحات صراع بين قوى سياسية متنافسة.

بين التقييمين وإعادة القراءة

في ذكرى مقتل عبد الكريم قاسم، لا تقتصر العودة إلى سيرته على استذكار مرحلة تاريخية، بل تفتح بابا لنقاش أوسع حول مسار الدولة العراقية منذ تأسيسها الحديث، فالرجل بما أثاره من جدل خلال حكمه وبعده، طرح مبكرا إشكاليات تتعلق بطبيعة الحكم وبناء الدولة، وهي إشكاليات ما زالت حاضرة في النقاش العام حتى اليوم.

من جهة، يسجل له أنه قاد تحولا تاريخيا أنهى النظام الملكي وأعلن الجمهورية، وسعى إلى ترسيخ مفهوم الدولة الاجتماعية عبر سياسات استهدفت الفئات الفقيرة وذوي الدخل المحدود.

ومن جهة أخرى، يوجه إليه منتقدوه ملاحظات تتعلق بطابع الحكم الفردي وضعف بناء التحالفات السياسية القادرة على حماية التجربة.

وبين هذين التقييمين، يرى بعض العراقيين أن تجربة عبد الكريم قاسم جمعت بين طموح إصلاحي واضح وحدود عملية فرضتها طبيعة المرحلة وتعقيداتها.
التعليقات (0)