هل تتحول الحرب الكلامية بين إثيوبيا وإريتريا إلى مواجهة عسكرية من جديد؟

هل تقترب إثيوبيا وإريتريا من حرب جديدة بعد تبادل الاتهامات؟ - جيتي
هل تقترب إثيوبيا وإريتريا من حرب جديدة بعد تبادل الاتهامات؟ - جيتي
شارك الخبر
تصاعدت حدة التوتر بين إثيوبيا وإريتريا خلال الأيام الأخيرة، على وقع اتهامات متبادلة أعادت إلى الواجهة مخاوف من انزلاق البلدين نحو مواجهة جديدة في القرن الأفريقي، بعد أن طالبت أديس أبابا جارتها أسمرا بـ”سحب قواتها فورا” من الأراضي الإثيوبية، ووقف أي تعاون مع جماعات مسلحة داخل البلاد، فيما ردت إريتريا باتهامات مضادة ووصفت ما صدر عن الجانب الإثيوبي بأنه “كاذب ومفبرك”، وجزء من “حملة عدائية” ممتدة منذ نحو عامين.

وفي أحدث فصول التصعيد، رفضت إريتريا، الاثنين، اتهامات إثيوبيا لها بالعدوان العسكري ودعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، معتبرة أن هذه الادعاءات تأتي في إطار مساع إثيوبية لتأجيج الأزمة. 

وقالت وزارة الإعلام الإريترية في بيان رسمي الأحد إن “اتهامات وزير الخارجية الإثيوبي الكاذبة والمفبركة لإريتريا أمس مذهلة في لهجتها ومضمونها ودوافعها الأساسية وهدفها بشكل عام”.

وتحت عنوان “اتهامات كاذبة لخدمة أغراض خفية”، أصدرت الوزارة بيانا ثانيا الاثنين٬ قالت فيه إن “إثيوبيا تشن حملات عدائية ضدنا على مدى نحو عامين”، مؤكدة في الوقت نفسه أن أسمرا “لا ترغب في التصعيد أو الانخراط في أي خلافات مع إثيوبيا تشعل الأزمة وتفاقم الوضع”.


مطالب إثيوبية بالانسحاب

وجاء الرد الإريتري بعد يومين من مطالبة إثيوبيا، السبت الماضي، إريتريا بسحب قواتها “فورا” من الأراضي الإثيوبية، في لهجة تصعيدية تبناها وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، الذي اتهم أسمرا بالانخراط في أنشطة عدائية ودعم مجموعات مسلحة.

وقال تيموثيوس إن على حكومة إريتريا أن “تسحب فورا قواتها من الأراضي الإثيوبية، وتوقف كل أشكال التعاون مع المجموعات المتمردة”، مضيفا أن هذه الأفعال ليست “مجرد استفزازات، بل بكل بساطة أعمال محض عدوانية”.

ورأى الوزير الإثيوبي أن “إريتريا اختارت طريق التصعيد، وعليها وقف كل أشكال التعاون مع المجموعات المتمردة”، لكنه استدرك قائلا إن “هذه الحلقة من العنف وعدم الثقة يمكن كسرها عبر الحوار والالتزام الدبلوماسي”.

وفي رسالة مؤرخة السبت الماضي إلى نظيره الإريتري، كرر تيموثيوس الموقف ذاته، قائلا إن “أحداث الأيام الأخيرة تعني أن حكومة إريتريا اختارت طريق التصعيد”، ومشددا على ضرورة أن تسحب أسمرا قواتها فورا من الأراضي الإثيوبية.

اظهار أخبار متعلقة


اشتباكات تعيد شبح حرب تيغراي

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن موجة الاتهامات الأخيرة جاءت بعد أن أثارت اشتباكات وقعت في الآونة الأخيرة بين قوات تيغراي والقوات الإثيوبية مخاوف من عودة الحرب في شمال البلاد، حيث اندلعت منذ كانون الثاني/يناير الماضي معارك في مناطق عدة بين الجيش الإثيوبي وقوات الإقليم.

وتنشر إريتريا قوات في إقليم تيغراي الحدودي بشمال إثيوبيا منذ الحرب التي اندلعت هناك في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، وقد دعمت خلالها الجيش الفدرالي الإثيوبي في مواجهة سلطات المنطقة المتمردة المنبثقة من “جبهة تحرير شعب تيغراي”.

ورغم توقيع اتفاق سلام في بريتوريا في تشرين الثاني/نوفمبر 2022 بين الحكومة الإثيوبية وسلطات تيغراي، ووضع حدا للحرب رسميا، فإن إريتريا لم تشارك في المفاوضات، ولا تزال قواتها موجودة في الإقليم، خلافا لما قضى به الاتفاق ضمنيا من انسحابها.

وتتهم السلطات الإثيوبية حاليا القوات الإريترية بالتحالف مع جبهة تحرير شعب تيغراي وبـ”التحضير بشكل نشط لحرب” جديدة ضد إثيوبيا، في وقت لم تؤكد أسمرا رسميا طبيعة انتشار قواتها في المنطقة.

اتهامات “المجازر” تفتح جبهة جديدة

وفي تصعيد سياسي غير مسبوق، اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الثلاثاء الماضي، إريتريا للمرة الأولى بارتكاب “مجازر” خلال حرب تيغراي بين 2020 و2022، عندما كان البلدان متحالفين.

وقال آبي أحمد إن “الخلاف لم يبدأ مع قضية البحر الأحمر كما يعتقد كثيرون؛ لقد بدأ في الجولة الأولى من حرب تيغراي”، مضيفا: “عندما تبعنا الجيش الإريتري إلى شيري وبدأ بهدم المنازل، وارتكب مجازر بحق شبابنا في أكسوم، ونهب المصانع في أدوة، واقتلع منشآتنا الصناعية”.

وقد رد وزير الإعلام الإريتري يماني جبر مسقل٬ على هذه الاتهامات بالقول إن تصريحات آبي أحمد “أكاذيب رخيصة ومهينة” ولا تستحق الرد.

ورفض جبر مسقل التعليق لوكالة فرانس برس٬ بشأن المطالب الإثيوبية بسحب القوات، في وقت اكتفت فيه وزارة الإعلام الإريترية بتكرار موقفها الرسمي عبر بيانات تتحدث عن “اتهامات مفبركة” و”حملة عدائية”.

اظهار أخبار متعلقة


اتهامات متبادلة حول دعم جماعات مسلحة

وفي الأشهر الأخيرة، اتهمت أديس أبابا الدولة المجاورة بدعم متمردين في تيغراي وأمهرة، وهو ما نفته أسمرا مرارا، في حين تقول إريتريا إن إثيوبيا تحاول دفع المنطقة إلى حرب جديدة من خلال “تصعيد سياسي وإعلامي ممنهج”.

ويتبادل البلدان، وفق مصادر متطابقة، الاتهامات بإشعال فتيل حرب أهلية محتملة؛ إذ تقول إثيوبيا، الدولة الحبيسة غير المطلة على البحر، إن إريتريا “تسلح وتمول جماعات متمردة”، في حين تقول إريتريا إن طموح إثيوبيا يتمثل في الحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر.

“منفذ بحري” وهاجس ميناء عصب

وتعد قضية البحر الأحمر واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين البلدين، خصوصا منذ أن أعاد آبي أحمد طرح فكرة “الحاجة إلى منفذ بحري سيادي” في خطاب ألقاه في تشرين الأول/أكتوبر 2023، مقدما حججا تاريخية واقتصادية وأمنية مرتبطة بواقع إثيوبيا كدولة حبيسة يقترب عدد سكانها من 120 مليون نسمة.

ودق هذا الخطاب أجراس الخطر في أسمرا، التي ترى أن أديس أبابا تستهدف تحديدا ميناء عصب الإريتري، بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي قرب باب المندب، رغم أن إثيوبيا وقعت في وقت لاحق مذكرة تفاهم مع إقليم “صومالي لاند” الانفصالي للاسفادة من موانئه.

وتؤكد مصادر إقليمية أن تركيز الخطاب الإثيوبي على البحر الأحمر، حتى بعد تلك المذكرة، يعزز مخاوف إريتريا من أن تكون “بوابة عصب” هي الهدف الحقيقي.

تاريخ من الحروب والحدود

ولا يمكن فصل التصعيد الحالي عن التاريخ الطويل من التوتر بين البلدين، إذ خاضت إثيوبيا وإريتريا حربا حدودية دامية بين عامي 1998 و2000 بسبب خلافات على ترسيم الحدود، خلفت عشرات الآلاف من القتلى.

وعلى إثر تلك الحرب، ساد فتور في العلاقات الثنائية طوال 18 عاما، قبل أن يطبع البلدان علاقاتهما في 2018 بعد وصول آبي أحمد إلى السلطة في إثيوبيا، في خطوة ساهمت في حصوله على جائزة نوبل للسلام في العام التالي.

لكن هذا التقارب لم يلبث أن تراجع، خصوصا بعد حرب تيغراي، وما تلاها من خلافات حول الوجود العسكري الإريتري في شمال إثيوبيا، وملف البحر الأحمر، والاتهامات المتبادلة بدعم جماعات مسلحة.

اظهار أخبار متعلقة


أي دور لموانئ إريتريا؟

ويبرز في خلفية التوتر ملف الموانئ الإريترية، وفي مقدمها:

ميناء مصوع: الواقع على الساحل الشرقي لإريتريا، ويعد من أقدم الموانئ في المنطقة، وكان مركزا تجاريا مهما عبر التاريخ، ولا يزال يشكل بوابة للصادرات والواردات رغم تراجع دوره بفعل الاضطرابات السياسية والاقتصادية.

ميناء عصب: يقع جنوب الساحل الإريتري قرب باب المندب، ويعد الأكثر حساسية في الحسابات الاستراتيجية، إذ لعب دورا محوريا في الصراعات السابقة، وينظر إليه باعتباره مرشحا لأن يكون نقطة اشتعال إذا تصاعدت أزمة “المنفذ البحري”.

هل تنزلق الأزمة إلى مواجهة عسكرية؟

حتى الآن، لا تزال الأزمة تدور في إطار “الحرب الكلامية” والتصعيد الدبلوماسي، لكن لغة الاتهامات وملفات الخلاف المتراكمة٬ من تيغراي إلى البحر الأحمر٬ تجعل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مسلحة قائمة، خصوصا في ظل هشاشة الوضع الأمني في شمال إثيوبيا، وتداخل الصراع مع ملفات داخلية وإقليمية.

لكن جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)٬ أعلنت استعدادها للدخول في حوار “بناء” استجابة لنداء الاتحاد الأفريقي، في مؤشر على احتمال فتح نافذة محدودة أمام المسار السياسي.

وفي هذا السياق، قال الباحث مهدي لبزاع في حديث لصحيفة “ليبراسيون” الفرنسية٬ إن “الديناميكية تغيرت”، موضحا أن سكان إقليم تيغراي باتوا اليوم “منهكين ومصدومين”، ولا يبدون رغبة في الانخراط في صراع شامل جديد على غرار ما حدث عام 2020، وهو ما قد يمنح الدبلوماسية فرصة ضيقة للتحرك.

وبينما يلوح الطرف الإثيوبي بـ”العدوان” ويتهم أسمرا بالتحضير لحرب جديدة، تصر إريتريا على أن الاتهامات “كاذبة ومفبركة”، وأن أديس أبابا تقود “حملة عدائية” منذ عامين. في منطقة عرفت تاريخيا بتقلبات السياسة والحروب الحدودية.



التعليقات (0)