بينما
كنت أحادث قريبا لي في القامشلي، مذعورا من الحرب وأثقالها، ومن الجمر تحت الرماد،
وفي الصدور، سمع صوت رشقة إطلاق نار، ثم علمنا من نشرات الأخبار أن المهلة قد
مُدِّدت بذريعة نقل سجناء داعش، وأنها للاحتفال.
يمكن
أن نبالغ ونقول إن تنظيم داعش هو أكبر ثروة من ثروات الجزيرة السورية حاليا؛ ثروة
أعظم من الذهب الأبيض، والذهب الأصفر، والذهب الأسود. وكان ترامب قد أفشى سرا، وهو
أنه أنفق على أجور حراسة سجناء داعش، وكثيرون هم عائلات أبرياء وبينهم أطفال
ومواليد جدد، قرابة ثلاثة مليارات دولار. ولو أُنفِق عُشر المبلغ في رعايتهم
وتثقيفهم، لحرسوا أنفسهم، وبنوا ناطحة سحاب في مخيم الهول، وأخرى في الأقطان، تربط
بينهما أنفاق لكن من غير مترو.
إن
بعض القوم يجاهرون بحبهم للسلام، وإن كان للحرب طلاب وباغون، ويغضبون كلما ذُكر
اسم القامشلي بالياء وليس الواو (اسم المدينة تركي عثماني، وسكانها خليط عربي
كردي
سرياني) أن "يبوس الواوا"، استشعروا الحرب وأوضارها، وخافوا الحصار، وهم
يدّخرون الأقوات، وفي المدينة نازحون من مناطق بعيدة، هاربون خوفا من النُذر التي
تأتي من وسائل التواصل إلى ديار قومهم، ومن "حكومة دمشق" و"فصائلها"
كما يقولون في بياناتهم. فلا يكاد خطاب ناشط على التواصل يخلو من تذكير بماضي
الرئيس السوري، الذين يصفونه شامتين "بالمؤقت"، وبلقبه القديم الجولاني،
وبجبهة النصرة والقاعدة، بل حتى الذين يظهرون على الإخبارية السورية الرسمية
يقولون ذلك، وهم لا يحسنون قراءة تحولات الواقع، ومصابون بحمى الشعبوية
القومية، كأننا
في عصر الحمام الزاجل، وليس في عصر وسائل التواصل.
يمكن أن نبالغ ونقول إن تنظيم داعش هو أكبر ثروة من ثروات الجزيرة السورية حاليا؛ ثروة أعظم من الذهب الأبيض، والذهب الأصفر، والذهب الأسود. وكان ترامب قد أفشى سرا، وهو أنه أنفق على أجور حراسة سجناء داعش
الحرب
تنذر بالأخطار، وهي شرٌّ كلُّها، ومن شرورها أن الكرد أخذوا اسم الحرب من الشر،
فسمّوا الحرب شرّا. أما أخطار الحرب الأولى، فهي البغضاء والكراهية المنتشرة؛ فهي
مدينة أخلاط فيها عرب وكرد وسريان، والحواجز كثيرة في المدينة. الحواجز فلاتر
للحفاظ على نقاء الجماعة، ويُنظر إلى الهوية من خلال اللسان، أما الأعراق فمختلطة.
القومية
دين؛ ربه غير المنظور هو الشعب، والشعب طائر في سماء الشعبوية. تقول سيمون فايل: "الأمة
كيان يطالب بالولاء المطلق، مثل إله كاذب". فالقومية تطلب تضحية دون مساءلة،
ودون رحمة. القومية وثنية سياسية، القومية دين بديل، الخطيب هو الكاهن، والزعيم هو
الرب، والبلاغة السياسية غفران للذنوب!
لكن
تسعة رهط في "صُوَبا" وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات يحضّون على
الحرب، وهي مهلكة، وستستمر طويلا، وقد تخلف ثارات وأحقادا، ولن تكون مثل مناوشات الشيخ
مقصود (ضحاياها كثر، والحكومة تتكتّم على أعداد شهدائها). ولن يكون غزو المدينة
سهلا، فمقاتلوها متحصّنون في البيوت، والأنفاق كثيرة، فهي معقل القوم الأخير.
وستقع أخطاء أشد من قصّ جديلة مقاتلة سافرة، لم نرَ لقصّها فيديو سوى زعم من صاحب
الجديلة، فأشعلت حربا على وسائل التواصل الاجتماعي، توشك أن تمتد إلى قش الواقع،
تدعو إلى الثأر للشرف الرفيع من الأذى، وإلى حرب ذات الجدائل، حتى يُراق على
جوانبه الدم.
اختلاق
الأساطير على أشدّه في دين القومية. يقول إريك هوبسباوم: الأمم لا تخلق القومية،
بل القومية تخلق الأمم. القومية تخترع تقاليد، تحذف من الحاضر، وتنتقي الماضي،
وتحوّله إلى أسطورة. لذلك كثيرا ما تجد في الفضائيات الساعية للمشاهدات، كرديا
تعلّم في مدارس عربية سورية، يتقن العربية، مقابل تركي متلعثم، أعجم، في حلبة
المناظرة، يخترع الأساطير، وتعينه المذيعة الحسناء وتنصره على خصمه فتزيد من سعار
القوم.
سترى
بوضوح في "يوتيوبيا" روج آفا (وجلّ سكانها عرب، كما يقول ناشطو القوم
تودّدا للعرب، وتوثيقا لأخوّة الشعوب، وتطبيقا للأممية الماركسية في جمع عجيب
للنقيضين)، تعريفات فلاسفة الغرب للقومية مطابقة للحال، مثل تعريف حنّة آرنت:
القومية حين تتحول إلى دولة تُنتج بشرا بلا حقوق. الدولة القومية تحتاج مواطنا
نموذجيا؛ فمن لا ينطبق عليه النموذج يصبح فائضا أو خطرا. ويطابق تعريف كارل بوبر
للقومية الحال أيضا: القومية هي عودة إلى القَبَلية، لكنها بوسائل حديثة. القومية
تُغلق المجتمع، وتمنح التاريخ "غاية" تبرر العنف باسم المصير. القومية
استحباس، والوطنية وثنية حديثة تجعل دعاتها "فقهاء ظلام".
يثني
إرنست رينان على نعمة النسيان، ويهجو القومية: "فالأمة تقوم على نسيانٍ
مشترك، وعلى أخطاء تاريخية مشتركة". القومية شرّ لأنها تتطلب محو الآخر من
الذاكرة كي تستقر، بينما تتطلب الأمة محو الأخطاء والدماء. وقد قال النبي عليه
الصلاة والسلام في نزاع أوشك أن يشب بين الأوس والخرزج: "الله، الله.. أبدعوى
الجاهلية، وأنا بين أظهركم".
تأخر
الكرد في اعتناق دين القومية الوافد علينا من أوروبا. يقول نشيدهم القومي: "أي
رقيب، نحن أبناء الميديين وكيخسرو، ديننا وإيماننا هو الوطن". النشيد يجعل
القومية دينا، وميديا وخسرو أعيان أسطورية، بائدة، مثل طسم وجديس العربيتين، لا
ذكر لصلاح الدين أو جابان الصحابي؛ هما يُذكران في الأحاديث، لكن ليس لهما في
النشيد أثر فقد كانت المواجهة مع الأخ العربي ناشر الدين.
يقول
جورج أورويل: "القومي لا يرى الواقع، بل ما يخدم هيبة الجماعة التي ينتمي
إليها"، لذلك يقوم بالحذف والإهمال، وتعظيم الصغير وتصغير العظيم. "القومية
هي عطش إلى السلطة، مغلّف بالفضيلة"، القومية شرّ لأنها تُفسد الحقيقة نفسها،
والسلطة مسكرة أكثر من الشراب، وقد تدفقت عليهم خيرات الجزيرة دون الشعب السوري
الذي حرم منها عقدا ونصف.
وقع تمديد جديد بذريعة نقل سجناء داعش، فلينقلوا واحدا واحدا، في باصات قديمة، حتى نطيل مدة المهلة، مواسم مُهل عسى أن تلين القلوب القاسية أو يقضي الله أمرا كان مفعولا
عرف
العرب القومية في عهود الاستقلال، وورثوها من المستعمرين. أما روّاد ما يسمى
النهضة، فهم غالبا من غير المسلمين، أو هم مسلمون انبهروا بتقدّم الغرب وسُحروا
به. القومية العربية حاربت الإسلام في دول ما بعد الجلاء، ووقعت بينهما معارك
كثيرة، آخرها معركة البعث مع الشعب السوري، التي كلّفت مليون شهيد أو أزيد.
نرجو
أن يمنّ الله علينا بإيقاف هذه الحصبة البشرية (تعريف ألبرت أينشتاين للقومية: حصبة
أطفال تصيب الكبار). فالجميع ثائرون على قصّ جديلة: ما حكم قص جديلة مقاتلة؟ أهو
المؤبّد مثلا أم الإعدام شنقا؟ يُذكر أن إسرائيل، التي صارت أخا أكبر، وبلدا "شقيقا"
يُستغاث به على الأخ في الدين والوطن والخبز والملح.
القومية
إعلان حرب، كما يقول شارل ديغول. يمكن للدين أن يكون كذلك، لكن إله الأديان
متعالٍ، وليس مثل ربّ القومية: مسكين، هائج، ضعيف، حائر، مذهول، عاجز، يقاد بدلا
من أن يقود.
وقع
تمديد جديد بذريعة نقل سجناء داعش، فلينقلوا واحدا واحدا، في باصات قديمة، حتى
نطيل مدة المهلة، مواسم مُهل عسى أن تلين القلوب القاسية أو يقضي الله أمرا كان
مفعولا.
أمة في
اليد أحسن من قومية في النفق.
ونمير
أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير.
x.com/OmarImaromar