يَسعى هذا المقال إلى التماس الجواب عن سؤالٍ سائر هذه
الأيام: هل عهدُ بني أميّة عهدٌ انقضى، أم هو نَهجٌ سياسيّ يمكن الاقتداء به،
ودعوة يمكن ابتناؤها والسير على هديها، وحزب واعد لم يعلن إنشاؤه بعد؟
شعرةُ معاوية وسياسةُ الحِلم
كان لمعاوية بن أبي سفيان -وهو ابنُ عمِّ النبي ﷺ،
فجدُّهما الرابع هو عبد مناف- قولٌ مشهور في السياسة والحكم والحِلم: "لو أنّ
بيني وبينَ الناسِ شَعرة ما انقطعت؛ إن شدّوها أرخيتُها، وإن أرخوها
شددتُّها".
وقد حكم الشامَ عشرين سنة أميرا، وعشرين سنة خليفة،
فلم يُعرَف عنه ظُلمٌ فاحش أو تنفير واحش، ولا شكوى من رعيّته، ولا سخطٌ من
خلفائه، ولم تهن علاقته بأمّته حتى تصير وَاهيَة كشَعرة؛ بل كانت حبلا متينا،
فضُرب به المثل في حسن السياسة.
قد يُجد الباحث شبها بين صعود أحمد الشرع (أبي محمد الجولاني) إلى السلطة وصعود الأسد إليها: كلاهما انتقل من الثورة إلى الدولة، ومن الخفاء إلى الظهور. وقد يقارَن مسارهما بمسار الداخل الذي هرب من الشام إلى الأندلس فرارا من العباسيين، فصار أميرها
كانت الشام حديقة قريش، وسوقها، ومنتجعها، وقد صاهرَ
معاوية أهلَ الشام في ميسون بنت بَحدَل الكلبية، فلما طَلّقها لحنينها إلى البادية
بقي منهم ولهم، حتى صار سيدهم. وفي عهده بلغت دولة الإسلام قمّة مجدها، وأسّس
الأمويون دولتين: دولة بني أمية في الشام، ودولة بني أمية في الأندلس. بنو أمية
بناة حضارات.
حافظ الأسد.. من الشَّعرة إلى الشَّفرة
انتزع حافظ الأسد مجد الشام الأمويَّ بالتغلّب والمكر
مدة نصف قرن، وكان حكمُه بالشفرة لا بالشعرة، فلا حِلم ولا رفق؛ بل قسوة وحقد،
وانتقام واشتفاء.
يروي عاشور الحَمَوي -الذي اعتُقل في تدمر أكثر من
عشرين عاما وكان طفلا عند اعتقاله- أن ضابطا كبيرا من قادة انقلاب الثامن من آذار/
مارس، يُدعى محمود الحاج محمد، أعاد حافظ الأسد إلى الجيش بعد طرده منه. ولمّا
اعتقل الضابط عام، 1979، في مظاهرات ضد الأسد، قابله الأسد وقال له: "لك
عليَّ فضل كبير؛ فقد كنتَ السبب في وصولي إلى الرئاسة، وسأكافئك. أنتم السُّنّة
تحبّون الذهاب إلى الجنة، لذلك سأُرسلك إلى سجن تدمر"! وكان سجن تدمر يعني
موتا بطيئا تحت التعذيب.
أسّس الأسد دولة تقوم على البطش والحيلة والوشاية.
ونُقل عنه قوله: "زوالُ حكمي يعني زوالُ
سوريا". انتشرت صوره في كل مكان إلا دورات المياه، كأنّها
رسالةٌ بأنه حاضرٌ رقيب، يطّلع على "خائنة الأعين وما تُخفي الصدور".
المقاومة بدل الجهاد
أخذ الأسد من الإسلام أمرا واحدا لا يدخل في أركانه
الخمسة: الجهاد، فهو ذروة سنامه، وأعطاه اسما مدنيا علمانيا:
"المقاومة". لم يكن منهجا، بل شعارا لا غير، كان يدرك أن الأمم لا بد
لها من عدو، فاتخذ إسرائيل عدوا وهميا وبني أمية عدوا فعليا، وهم سنّة سوريا، كانت
مقاومة ضد السنة، والسنة هم الشعب، وكانت حراسة لأمن إسرائيل فهي شرط بقائه في
السلطة.
كان يدرك عقيدة أهل الشام المبنية على الولاء والبراء،
وتحرير القدس، فاتّخذ "المقاومة" درعا وسيفا، ليدير بها دولتين: دولة
ظاهرية للشعب، ودولة باطنية للمخابرات.
وكان يصلّي في المناسبات من غير وضوء، وهو ما يعرفه
موالوه ومعارضوه. أمّا إعلامه فكان يناصب الإسلام العداء، ويجعل الخطب والابتهالات
فولكلورا شعبيا. ويدعي العلمانية، وهي علمانية شرسة معادية للإسلام، تشبه
العلمانية الفرنسية إبان الثورة. وحسر الأموية في الجامع الأموي الذي حوّله إلى
متحف، وساحة
الأمويين التي كان منها بث التلفزيون؛ جامع الأسد ومسجده الكبير.
الأسد وعبد الرحمن الداخل
قد يجد بعض الكتّاب شبها بين وصول حافظ الأسد إلى
الحكم ووصول عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس، مع الفارق العظيم: صقر قريش جاء من
المشرق إلى المغرب ليُقيم حضارة تُضيء الغرب.
ووزغة القرداحة انبعث من قرية نائية في البجال ليُذلّ
الشام التي مدحها النبي ﷺ، ويبشر بها في أحاديث كثيرة فهي أرض المحشر والمنشر.
عبد الرحمن الداخل كان له أخوال في المغرب، أمّا الأسد
الخارج فكان له رعاة في لندن. كلاهما وصل بالسيف، لكن: الداخل أسّس دولة عدل
وفتوحات، وعلم وفقه، أما الأسد فأسّس دولة بطش واستبداد ومحاكم تفتيش. لم تخل
لبنةٌ في الأندلس من شعار "لا غالبَ إلّا الله"، ولم تخل لبنة في دولة
الأسد من شعار "إلى الأبد".
قد يُجد الباحث شبها بين صعود أحمد
الشرع (أبي محمد
الجولاني) إلى السلطة وصعود الأسد إليها: كلاهما انتقل من الثورة إلى الدولة، ومن
الخفاء إلى الظهور. وقد يقارَن مسارهما بمسار الداخل الذي هرب من الشام إلى
الأندلس فرارا من العباسيين، فصار أميرها. ويشبه مسير الأسد شبه حاف من القرداحة
إلى عرش الشام من وجه، غير أن المقارنة تبقى سياسية رمزية لا تاريخية، فالفرق شائع
بينهما
الأمويون.. روح لا سلالة
يعدّ العهد الأموي من أعظم عهود الإسلام؛ فبنو أمية
أبناءُ عمومة النبي ﷺ، وقد بنوا دولتين: الشامية، والأندلسية، فكان لهما أثر حضاري
عظيم.
الحنين إلى الأمويين ليس حنينا إلى نسب وسلالة فقط، بل
إلى روح سياسية وعقدية تجمع بين: الدين والدنيا، والعقيدة والقبيلة، والعروبة
والإسلام، وهي صيغة تنسجم مع عصر القوميات المحدث. إن تذكّر بني أمية عند أهل
الشام اليوم هو حنينٌ إلى مجدٍ عميق وطموحٌ لعودة القوة والعدل.
الشعب العميق.. بين روسيا والصين
المجد الأموي مرآةٌ للطرفين: الأمّة تحنّ إلى العدل والمجد والسؤدد، والملوك يحنّون إلى الملك العظيم والسؤدد والمجد. وهو ما تحقق في عصر الأمويين خير تحقيق
تحتفظ روسيا بروح القيصرية والكنيسة الأرثوذكسية،
واندثر عهد الشيوعية كأن لم يكن، وإن لم يتسمَّ رئيسها بلقب القيصر، بل إن حكام
الاتحاد السوفييتي كانوا قياصرة بل أشد بطشا منهم، وقد جمع بوتين في توازن بين
الدولة العميقة والشعب العميق، فهو يوصف في الأدبيات السياسية الروسية بالقيصر،
وتحتفظ الصين بروح الإمبراطورية وإن سُمّي رئيسها "الرفيق". فقد جمعت
الصين بين: الشيوعية، والكونفوشية، وضمت الدولة العميقة التي تعد الإمبراطور ابنا
للشمس والشعب العميق وأصبح رئيسها إمبراطورا بلا وراثة. تلك هي روح الشعب العميق
في هاتين الدولتين.
الشام.. شعب أمويّ الروح
بهذا المعنى، يكون أهل الشام أمويّين وجدانيا، يحملون
ذكريات أعظم حاضرة إسلامية وأوسعها وأمجدها. ولا يضيرهم تذكيرهم بـ"بني
سُميّة"، وسمية هي أم زياد بن أبيه، فقد بلغ حلم معاوية أن ضمَّ زياد بن أبيه
إلى نسبه، وهو أحد دهاة العرب الأربعة في زمانه، سواء كان أخاه حقّا أو دعوى.
مُنع فترة ثم أُجيزَ عَرضُ مسلسل "معاوية"،
ولم يكن بالجودة المأمولة رغم تمويله الكبير. وكان المسلسل دون منزلة معاوية بكثير،
ويجري إعداد مسلسلٍ آخر عن الأمويين بعنوان "أبو الملوك"، عن المؤسس
الثاني لدولة بني أمية: عبد الملك بن مروان، بإشراف مخرج صراع العروش آلان تايلور.
ولا أظن سيكون مسلسلا ناجحا، لأن مخرجه إنجليزي، غير عربي مهما يكن فهناك حنين إلى
عصر الأمويين. وما ثناء الرئيس أحمد الشرع على بن سلمان إلا جمعا لقريش مع الشام.
فالمجد الأموي مرآةٌ للطرفين: الأمّة تحنّ إلى العدل والمجد
والسؤدد، والملوك يحنّون إلى الملك العظيم والسؤدد والمجد. وهو ما تحقق في عصر
الأمويين خير تحقيق.
x.com/OmarImaromar