تناقش 9 لجان بمجلس النواب
المصري، الأربعاء،
مشروع قانون تقدمت به حكومة رئيس النظام عبدالفتاح
السيسي، لإعادة تنظيم
"جهاز
مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، وتحويله من جهة تابعة للقوات
المسلحة إلى هيئة اقتصادية تتبع رئيس الجمهورية مباشرة.
ما يثير التساؤلات حول هدف تقنين أعمال الجهاز
العسكري بقطاعات الزراعة، واستصلاح الأراضي، والاستزراع السمكي، والبحيرات،
والصناعة، والتشييد والبناء، وقطاع التجزئة، وحتى التصدير والاستيراد، وما تم
إسناده له من ممتلكات عامة وأراضي استراتيجية، إلى جانب تقنين ما حصل عليه من
صلاحيات بتملك وإدارة تلك الأصول بالإضافة إلى محفظة واسعة من الاستثمارات.
ومنذ ظهر جهاز "مستقبل مصر"، شديد
الغموض، وكثير التكليفات، والذي نال الكثير من الأعمال على حساب أجهزة حكومية،
ومازال دوره وأعماله وميزانيته وأرباحه من الأمور الغامضة، بقرار السيسي (591 لعام
2022)، أيار/ مايو 2022، تحول من مشروع زراعي بمحور الضبعة إلى كيان اقتصادي عملاق
تتسع أعماله يوما بعد يوم.
ملامح القانون
ويحمل القانون نصوصا توسع من إعفاءات الجهاز،
وتستثنيه من تطبيق بعض القوانين، مع تحصين عقوده وعمليات التصرف في أصوله من
الدعاوى القضائية، وتُحمَّل الالتزامات المالية على الخزانة العامة للدولة، مع منح
كبار العاملين فيه امتيازات تتعدى الحد الأقصى للأجور المقدر بـ 35 ضعف الحد
الأدنى البالغ 8 آلاف جنيه.
وبحسب وكالة "رويترز"، يسمح مشروع
القانون لرئيس الجمهورية بنقل أراضٍ مملوكة للدولة، وحصص في شركات وأصولها، إلى
الجهاز دون إذن البرلمان، إلى جانب منحه صلاحية الاستحواذ على صناديق سيادية أخرى،
وتوسيع أصوله واستثماراته، وضم أراضي دولة وشركات، وإدارة "مناطق التنمية
المستدامة" المعفاة من الضرائب له، وإنشاء صندوق الثروة السيادي
"أهرامات النيل"، وصندوق الإنفاق الاجتماعي "داعم".
اظهار أخبار متعلقة
ووفق المتداول فإن بعض نصوص مشروع القانون
كالتالي: اعتبار الأراضي التي آلت إلى الجهاز قبل صدور القانون "مناطق تنمية
مستدامة"، (معفاة من الضرائب) مع استمراره في مباشرة المهام والاختصاصات
المتعلقة بأملاك الدولة العامة والخاصة التي أُسندت إليه.
وفي بند ثان مثير للجدل تتحمل الخزانة العامة
للدولة سداد حصة الجهاز كصاحب عمل في اشتراكات التأمينات الاجتماعية، كما تتولى
كذلك تدبير الاعتمادات المالية لسداد الضرائب والرسوم والالتزامات المالية
المستحقة على الجهاز".
أيضا يتم "استثناء الجهاز من تطبيق قوانين
الهيئات العامة، والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وهيئات القطاع العام وشركاته،
وشركات قطاع الأعمال العام، والحد الأقصى للأجور، والخدمة المدنية، وتنظيم
التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة".
وانتقد متحدثون لـ"عربي21" استمرار
منح الجهاز العسكري صلاحيات جهات حكومية ووزارات الدولة، ونقل الأراضي لحوزته دون
مقابل مالي، مع إعفاء أعماله من الضرائب والجمارك، ودعم رأس النظام له ومعاملته
كجهاز سيادي لا كيان اقتصادي، والانتقاص من ممتلكات الدولة وتقليص إيراداتها
العامة وزيادة مديونية موازنتها، فيما دعوا للشفافية في أعمال بمليارات الدولارات
وأصول تقدر بترليونات الجنيهات، وإخضاعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات.
تحت ضغوط صندوق النقد
وفي حديثه، قال مستشار وزير التموين المصري
الأسبق، الدكتور عبدالتواب بركات، لـ"عربي21": "أنشأ النظام الجهاز
بقرار رئاسي غير منشور ويلفه الغموض من كل جانب ويلحقه بالقوات الجوية التابعة
للجيش، وهي جهة عسكرية غير اقتصادية، وهو قرار يعتبر امتدادا لسياسة عسكرة الاقتصاد".
وأضاف أنه "يشبه الشركة (الوطنية للثروة
السمكية)، التابعة لـ(جهاز مشروعات الخدمة الوطنية) التابع للجيش، والتي استحوذت
على مزرعة (بركة غليون) السمكية وغيرها، حيث قام بضم مئات الآلاف من الأراضي
الزراعية للجهاز غير المختص لاستزراعها، على حساب وزارة الزراعة، وأُسند إليه
استيراد سلع تموينية من اختصاص (هيئة السلع التموينية) التابعة لوزارة التموين،
وأُسند إليه مشروعات مدنية أخرى، على خلاف القانون".
ولفت إلى أنه "تحت ضغوط صندوق النقد
الدولي، يحاول النظام نقل تبعية الجهاز الغامض إلى الرئيس مثل (الصندوق السيادي)،
لنزع صفة العسكرة عنه، كشرط للحصول على قرض جديد، ومن أجل حماية موظفيه غير
المختصين والأنشطة الاقتصادية من رقابة (الجهاز المركزي للمحاسبات)، و(هيئة
الرقابة الادارية)، وتحصين عقوده الفاسدة وغير القانونية ولا الدستورية من الطعن
أمام المحاكم".
وأكد أنه "في ذلك إهدار للمال العام وغطاء
لبيع أراضي الدولة وخصخصة شركات القطاع بعيدا عن الرقابة والمحاسبة، ولكن هذه
الإجراءات لن تعطي شرعية لهذا الجهاز الغامض ولن تلبس القرارات التي أنشيء بموجبها
صفة القانونية وسيظل الجهاز كيان غير قانوني".
تقنين مركز قوة اقتصادي
وفي تقديره، قال السياسي المصري والبرلماني
السابق أيمن صادق: "لا ينبغي النظر لهذا المشروع باعتباره مجرد قانون لإعادة
تنظيم الجهاز، لأن النصوص الواردة فيه تكشف أنه يمثل تحولًا بفلسفة إدارة الدولة
نفسها؛ فالمسألة ليست إنشاء هيئة جديدة أو إعادة هيكلة جهاز قائم، وإنما تقنين
مركز قوة اقتصادي وإداري أصبح يمتلك صلاحيات وامتيازات تجعله يتجاوز حدود المؤسسات
التقليدية للدولة".
وأضاف: "عندما أقرأ مشروع القانون أجد أن
الدولة تقدم كل شيء للجهاز؛ تمنحه الأراضي، وتُقنن كل ما آل إليه من ممتلكات
ومشروعات، وتتحمل خزينتها الضرائب والرسوم والتأمينات والالتزامات المالية
المترتبة عليه، وتفتح له باب الاستعانة بموظفي الجهاز الإداري للدولة، لكنها تعفيه
من قوانين يخضع لها الجميع، كالخدمة المدنية والحد الأقصى للأجور وتنظيم التعاقدات
وغيرها من ضوابط وُضعت لحماية المال العام وتحقيق قدر من العدالة والرقابة".
وتساءل: "إذا كانت الدولة تتحمل التكلفة،
والمخاطر، وتمنح الأراضي، وتوفر الموارد البشرية، بينما يُمنح الجهاز استقلالًا
واسعًا من الرقابة والقيود القانونية، فمن يخدم من؟، هل الجهاز يعمل لصالح الدولة،
أم الدولة تُسخر إمكاناتها لخدمة الجهاز؟".
ينظم المستقبل ويحصن الماضي
في نظر عضو مجلس الشعب المصري سابقا، أن
"المشروع لا ينظم المستقبل فقط، بل يُحصّن الماضي أيضًا؛ فهو لا يقول إن
الجهاز سيبدأ عمله وفق قواعد جديدة، وإنما يمنح شرعية قانونية لكل ما سبق إسناده
إليه من أراضٍ ومشروعات واختصاصات، وكأن المطلوب تحويل الأمر الواقع إلى أمر مشروع
لا يجوز العودة إليه أو مساءلته، وهذا يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم سيادة
القانون؛ لأن الأصل أن القانون ينظم ويحاسب، لا أن يأتي لاحقًا ليمنح الشرعية لما
تم بالفعل".
"كما أن الاستثناءات الكثيرة الواردة في
المشروع ليست مجرد تفاصيل إدارية، وإنما تعكس فلسفة كاملة في إدارة الدولة، ففي كل
دول العالم، كلما زادت أهمية المؤسسة، زادت عليها الرقابة والمحاسبة، أما نحن أمام
معادلة معكوسة؛ كلما اتسعت صلاحيات الجهاز، تقلصت القيود القانونية المفروضة عليه،
واتسعت دائرة الاستثناءات التي يتمتع بها".
وأكد صادق، أنه "لا يمكن فصل مشروع
القانون عن سياق عام شهد السنوات الأخيرة انتقال ملفات اقتصادية واستثمارية
وزراعية ولوجستية واسعة لجهات ذات طابع عسكري أو شبه عسكري، وبالتالي فالقانون
يبدو وكأنه حلقة قانونية تُكمل مسارًا بدأ منذ سنوات، لينتقل من مرحلة الإدارة
الفعلية للتقنين النهائي".
التأثير الاقتصادي والسياسي
ويعتقد أنه "من الناحية الاقتصادية، فإن
أي مستثمر محلي أو أجنبي يبحث أولًا عن تكافؤ الفرص؛ لكن كيف يمكن الحديث عن
منافسة عادلة إذا كان هناك كيان يحصل على الأراضي بقرارات سيادية، وتتحمل الدولة عنه
أعباءه المالية، ويُعفى من كثير من القوانين التي يخضع لها منافسوه؟، هذه البيئة
لا تعزز الاستثمار، وتخلق اقتصادًا يقوم على الامتيازات لا على المنافسة".
أما سياسيًا، لفت إلى أن "الرسالة تبدو
أكثر وضوحًا؛ فبدلًا من إعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية ومنحها صلاحياتها
الطبيعية، يجري تركيز مزيد من السلطة الاقتصادية والإدارية في كيان استثنائي، بما
يعني أن مركز القرار والثروة يتحرك تدريجيًا بعيدًا عن الهياكل التقليدية للدولة،
وهذا يطرح تساؤلات حول مستقبل الوزارات والهيئات المدنية نفسها، وما إذا كانت ستظل
صاحبة الاختصاص الحقيقي، أم ستتحول إلى أجهزة تنفيذية لقرارات تُصنع في أماكن أخرى".
وأضاف: "لذلك، لا أعتقد أن القانون يعني
انضمام الجهاز العسكري إلى الهيئات الحكومية؛ لأن ما أراه هو العكس تمامًا، وما
يحدث هو أن مؤسسات الدولة، بمواردها وموظفيها وأموالها، تُعاد هيكلتها لتدور في
فلك كيان استثنائي يتمتع بامتيازات لا يتمتع بها أحد، ويجمع بين سلطات الدولة
وإعفاءاتها، دون أن يخضع للقيود التي تلتزم بها الدولة نفسها".
وبين أن "أخطر ما بالقانون ليس مواده
وحدها، بل ما يعكسه من تصور لطبيعة الدولة؛ حيث تتراجع المؤسسات لصالح الكيانات
الاستثنائية، ويتحول القانون من وسيلة لضبط السلطة والحد منها لأداة تمنحها مزيدًا
من الشرعية والاتساع، وهذه ليست مجرد إعادة تنظيم إداري، بل إعادة تعريف للعلاقة
بين الدولة والسلطة والاقتصاد، بما ستكون له آثار عميقة على مستقبل الإدارة العامة
والحوكمة والعدالة الاقتصادية في مصر".
إمبراطورية "نجم السيسي"
وخلال 4 سنوات من نشأته عام 2022، أخذ
"نجم السيسي الجديد" بحسب وصب الباحث يزيد صايغ، من صلاحيات جهاز
"حماية وتنمية البحيرات"، و"هيئة الثروة السمكية"، وأدوار
أجهزة تابعة لوزارات الزراعة والتموين، مثل "الهيئة العامة للسلع
التموينية"، ويقوم بمشروعات زراعية كـ"الدلتا الجديدة"، وصناعية
كمدينة "مستقبل مصر الصناعية"، وإسكان وتطوير عقاري مثل مشروع
"جريان".
وفي كانون الثاني/يناير الماضي، تم نقل ولاية
46 قطعة أرض في 7 محافظات للجهاز؛ بمحافظات البحر الأحمر ومطروح والوادي الجديد،
وأسيوط وبني سويف والغربية، والبحيرة.
وفي شباط/ فبراير الماضي، أولت وزارة الزراعة،
استيراد وتصدير السكر للجهاز، بشكل حصري، وذلك قبل أن يحتكر تصدير سلعة الأرز
الاستراتيجية للخارج، ويحصل على حق استيراد الدواجن، مع تعاظم أعمال الجهاز بقطاع
تجارة التجزئة، وتوجهه لافتتاح 2000 منفذ "سوبر توفير" ونشاط تجاري
بالمحافظات، وإقامة مصنع لألبان الأطفال بتكلفة 500 مليون دولار.
في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، جرى إسناد
أعمال جديدة لذراعه العقاري شركة "مدن"، التي تتولى بجانب مشروع مدينة
"جريان" المعلن في حزيران/ يونيو 2025 (غرب القاهرة)، تشييد تجمعات
سكنية وتجارية وسياحية قرب هضبة أهرامات الجيزة، والمتحف المصري الجديد، بمساحة 25
مليون متر مربع.
وأسند إلى الشركة التي تم تدشينها في آذار/
مارس 2025، والتي تأكل من رصد وعمل "هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة"،
(حكومية)، "إدارة وصيانة وتشغيل" المباني والتجمعات العمرانية والبنية التحتية،
وأعمال النظافة بعشرات المدن الجديدة.
اظهار أخبار متعلقة
وفي 18 آب/ أغسطس الماضي، حصل الجهاز على 89.66
بالمئة من أسهم الشركة "العربية لاستصلاح الأراضي"، بما قيمته 5 جنيهات
للسهم، بينما كانت القيمة السوقية للسهم 122 جنيها.
وتخضع "نصف مساحة مصر المزروعة لقيادته
وإشرافه"، وفق تأكيد هيئة الاستعلامات الحكومية، حيث توسعت محفظة مشروعاته
الزراعية بعد استصلاحه 200 ألف فدان عام 2021، ليسند السيسي له زراعة واستصلاح 2.2
مليون فدان بمشروع الدلتا الجديدة (شمال غرب).
ودخل الجهاز مجال الاستزراع السمكي وتطهير
بحيرات البردويل والمنزلة عام 2021، والإشراف على مشروع "فيروز"
للاستزراع السمكي بشرق بورسعيد، ومجمع "غليون" بمحافظة كفر الشيخ.
لينتقل عام 2023، لمرحلة التصنيع الزراعي
بـ"المنطقة الصناعية بـالدلتا الجديدة" لسكر البنجر، وإنتاج الزيوت،
وفرز وتعبئة للموالح، ما تبعه تكليفه باستيراد القمح من الخارج وبناء صوامع
لتخزينه بسعة 600 ألف طن، بجانب مجمع "صوب زراعية" بمنطقة اللاهون
بالفيوم لإنتاج الخضروات.