صفقة الغاز القبرصي... هل تُحكم "إسرائيل" قبضتها على ملف الطاقة المصري؟

تعتمد مصر بشكل كبير على الغاز الإسرائيلي- جيتي
تعتمد مصر بشكل كبير على الغاز الإسرائيلي- جيتي
شارك الخبر
انتقد خبراء الاتفاق المصري القبرصي لتوريد نحو 100 مليار متر مكعب من الغاز إلى البلد العربي الأفريقي من حقل "أفروديت" في مياه البحر المتوسط، بقيمة 10 مليارات دولار ولمدة 15 عامًا رغم أنه يفترض أن يوفر حاجة القاهرة من الغاز الطبيعي، وقد يساهم في تحقيق رغبتها في تشغيل محطات التسييل لديها، وتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا.

وأعلنت "نيوميد إنرجي" الإسرائيلية توقيع مذكرة شروط ملزمة مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) الحكومية، وشركاء الحقل وهم: "نيوميد إنرجي" (30 بالمئة)، و"شيفرون قبرص" (35 بالمئة)، و"بي جي قبرص – شل" (35 بالمئة).

وبجانب ذلك، جرى توقيع اتفاقية أخرى لإنشاء خط أنابيب بحري بطول (280–300 كم) لنقل الغاز، بتكلفة ملياري دولار، يربط الحقل بالسواحل المصرية، تتحملها قبرص منفردة، وفق ما أُعلن في شباط/فبراير الماضي، مقابل الاستفادة من البنية التحتية للإسالة في مصر.

العقد، الذي تبلغ مدته 15 عامًا، يشمل احتمالات تمديده 5 سنوات إضافية، ومن المقرر أن يربط سعر الغاز بأسعار خام برنت، مع وضع حد أدنى وأقصى للسعر. ويجري توريد نحو 700 مليون قدم مكعبة يوميًا لمدة 6 سنوات، قبل التحول إلى كميات مرنة، في حين يُنتظر التصديق على الاتفاقية خلال عام، على أن يبدأ التنفيذ خلال عام من التوقيع النهائي. ومن المتوقع أن تبدأ أعمال إنشاء خط الأنابيب عام 2027، على أن تستقبل مصر الغاز من "أفروديت" عام 2030.

ملابسات الحالة المصرية

ووفق موقع "جلوبس" الاقتصادي العبري، فإن التنفيذ يجري وفق نظام "خذ أو ادفع" (Take or Pay)، الذي يُلزم المشتري بسداد قيمة الكميات المتفق عليها حتى في حال عدم استهلاكها، ما يضع مصر تحت ضغوط مالية كبيرة، في وقت تعاني فيه من عجز في ميزانيتها وخدمة ديون خارجية تجاوزت 163.9 مليار دولار.

وحتى كتابة هذا التقرير، لم يصدر إعلان رسمي من وزارة البترول المصرية حول تفاصيل الاتفاق، الذي يأتي في ظل ارتفاع تاريخي في أسعار الغاز والنفط، تأثرًا بالصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، وإغلاق "مضيق هرمز" والتهديد بإغلاق "باب المندب".

كما يأتي الاتفاق في ظل تراجع إنتاج مصر من الغاز إلى 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، مقابل احتياجات تصل إلى 6.2 مليار قدم مكعب، ترتفع إلى 7.2 مليار في الصيف؛ وفي وقت زادت فيه قيمة وارداتها من الوقود بنحو 14 بالمئة، لتصل إلى 5.5 مليار دولار في الربع الأول من العام الجاري.

لذلك، رأت نشرة "إنتربرايز" الاقتصادية في الاتفاق فرصة لإعادة تصدير الغاز إلى أوروبا، وتغذية البنية التحتية للإسالة في محطتي "إدكو" و"دمياط"، وتعزيز مكانة البلاد كمركز إقليمي لمعالجة وتداول الغاز، إلى جانب توفير الوقود للاستهلاك المحلي، وتقليص فاتورة الواردات، وتقليل الاعتماد على الغاز القادم من "إسرائيل".

ورغم أن حقل "أفروديت" يُوصف بأنه حقل متوسط، وأن دخول إنتاجه إلى محطات التسييل المصرية لا يزال محتملًا خلال 4 سنوات، فقد وصف الإعلام المصري الاتفاق بأنه فرصة لإعادة رسم دور مصر في ملف الطاقة، وإحياء حلم التحول إلى مركز إقليمي للطاقة.

لكن تفاصيل العقد القبرصي، الذي يشمل مد خط أنابيب بحري بطول (280–300 كم) لربط الحقل، الذي تُقدّر احتياطياته بنحو 3.7 تريليون قدم مكعبة، بمحطات الإسالة في مصر، أثارت قلق مراقبين، خاصة مع الكشف عن أن إحدى الشركات المشغلة للحقل، والتي تمتلك نسبة 30 بالمئة منه، هي "نيوميد إنرجي" الإسرائيلية، ومقرها تل أبيب.

وتمتلك الشركة ذاتها حصة مؤثرة تبلغ 45.34 بالمئة من حقل "ليفياثان"، الذي يجري تصدير إنتاجه إلى مصر، وفق اتفاقية أقرها الجانب الإسرائيلي في كانون الأول/ديسمبر الماضي، بقيمة 35 مليار دولار، لتوريد 130 مليار قدم مكعب من الغاز حتى عام 2040.

اظهار أخبار متعلقة


إحكام إسرائيلي

ويرى معارضون أن ذلك يمثل "إحكامًا إسرائيليًا على مصر، وسيطرة على ملف الطاقة والغاز بما يضر بالمصالح والأمن القومي"، مشيرين إلى أن "التحكم الإسرائيلي ظهر في أكثر من مناسبة، بقرار وقف إمدادات الغاز إلى مصر (البالغة نحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا) خلال حرب غزة (2023–2025)، ولمدة 35 يومًا أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران".

وألمحوا إلى أن "قطع إسرائيل إمدادات الغاز عن مصر أربك الحسابات الحكومية في ملف الطاقة، وضاعف قيمة الميزانية المخصصة لاستيراد الغاز، ودفع البلاد إلى قرارات تقشف واسعة ورفع أسعار الوقود بجميع أنواعه بين 14 و30 بالمئة، ما تبعه زيادة في أسعار السلع والخدمات، وفاقم معدلات التضخم في البلاد".

ولفت الكاتب الصحفي ناجي عباس إلى أن الاتفاقية التي تشمل كامل إنتاج حقل "أفروديت" "إيجابية وبالاتجاه الصحيح، لكنها مشروع متواضع"، ملمحًا إلى أن الإنتاج الفعلي لن يبدأ قبل عام 2031، وأن قرار الاستثمار النهائي متوقع في 2027. وأضاف أن الدافع الأساسي للاتفاقية هو أن مصر أصبحت مستوردًا صافيًا للغاز بعد ارتفاع الطلب المحلي وتراجع الإنتاج، وليس التحول إلى مركز إقليمي للطاقة، مؤكدًا أن الاتفاقية مع قبرص، على غرار اتفاقيتها مع "إسرائيل"، قائمة على مبدأ "Take or Pay"، وهو التزام مالي ثقيل.

وفي شباط/فبراير 2003، وقعت مصر في عهد حسني مبارك اتفاقية ترسيم الحدود البحرية (المنطقة الاقتصادية الخالصة)، بينما توجه المعارضة المصرية، ولرئيس النظام الحالي عبد الفتاح السيسي، الذي وقع اتفاقية مع قبرص عام 2013، اتهامات بالتفريط في المياه الإقليمية وخسارة حقول غاز يُعتقد أنها كانت ضمن النطاق المصري، منها "أفروديت".

وتم اكتشاف حقل "أفروديت" عام 2011، باحتياطيات تُقدّر بنحو 3.7 تريليون قدم مكعبة، فيما أعلن الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، في نيسان/أبريل 2013، أن الحقل يحتوي على نحو 200 مليار متر مكعب من الغاز، بقيمة تقديرية تبلغ 80 مليار يورو، وكان متوقعًا أن يبدأ إنتاجه عام 2018.

ووفق تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، فإن حوض بلاد الشام، الذي يمتد عبر قاع البحر قبالة "إسرائيل" وقبرص ولبنان، يحتوي على نحو 3.45 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي القابل للاستخراج، إضافة إلى نحو 1.7 مليار برميل من النفط.

وفي ظل انتقادات المعارضة المصرية لسياسات الحكومة في ملف الطاقة، تقدم عضو مجلس
النواب والخبير الاقتصادي محمد فؤاد باستجواب (جرى تعليقه) لوزير البترول، مؤكدًا عبر صفحته على "فيسبوك" أنه "بعد متابعة متأنية لمسار هذا الملف منذ عامين، وفي ظل انحسار النتائج والإصرار على عدم تصحيح المسار، باتت المساءلة فرضًا"، داعيًا إلى "حماية المواطن من تحمّل كلفة اختلالات لم يكن طرفًا فيها، والمصارحة الحقيقية حول وضع الطاقة، وتصحيح المسار".

ويلفت البعض إلى أن الحكومة المصرية تتورط يومًا بعد يوم في ملف الغاز مع "إسرائيل"، وتتجه بعيدًا عن غاز الخليج، وخاصة غاز قطر، التي تحسنت العلاقات معها منذ عام 2021، نحو تفاهمات اقتصادية أوسع، في وقت تخطط فيه تركيا لتدشين عدة خطوط طاقة جديدة، منها: (قطر–تركيا)، و(بحر قزوين)، و(سوريا–تركيا)، و(البصرة–تركيا)، إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي.

اظهار أخبار متعلقة


غاز قبرص... وأسئلة السيادة المصرية

وفي إجابته على سؤال: "هل ورّط السيسي المصريين مجددًا مع "إسرائيل" في ملف الطاقة؟"، قال الباحث في العلاقات الدولية محمد الصاوي: "في شرق المتوسط، لا يصل الغاز إلى الشواطئ وحده؛ بل تصل معه خرائط نفوذ وتفاهمات غير مرئية، وأسئلة قديمة عن السيادة: من يملك القرار عندما تتحول الحاجة الاقتصادية إلى اعتماد طويل الأجل؟".

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "لا ينبغي النظر إلى الاتفاق بين مصر وقبرص بشأن تطوير ونقل الغاز بوصفه صفقة عادية؛ فمثل هذه الاتفاقات لا تنقل الوقود فقط، بل تعيد رسم موازين الاعتماد والنفوذ في الإقليم".

وأوضح أن "القراءة المتوازنة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة سياسية؛ إذ يمكن النظر إلى الصفقة بوصفها مكسبًا اقتصاديًا وتشغيليًا في المدى القريب، ومصدر قلق استراتيجي مشروع في المدى الأبعد".

وأكد أن "السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الصفقة جيدة أو سيئة على نحو مطلق، بل: ماذا تكسب مصر الآن، وما الذي قد تصبح أكثر عرضة لخسارته لاحقًا؟".

ويرى الصاوي أن مصر تمتلك عناصر قوة حقيقية في ملف الغاز، تشمل محطات إسالة قائمة، وخبرة تشغيلية، وموقعًا جغرافيًا يجعلها نقطة عبور طبيعية لغاز شرق المتوسط نحو الأسواق الأوسع.

وأشار إلى أن ربط احتياطيات قبرص بالبنية المصرية يمنح القاهرة موردًا إضافيًا، ويساعدها على الحفاظ على دورها في تجارة الغاز الإقليمية، خاصة في ظل سعي أوروبا لتنويع مصادر الطاقة منذ أزمة أوكرانيا.

لكنه شدد على أن "امتلاك البنية التحتية لا يعني امتلاك القرار الكامل"، موضحًا أن حقل "أفروديت" تطوره مجموعة تضم "شيفرون" و"شل" و"نيوميد إنرجي"، ما يجعل إسرائيل حاضرة داخل البنية الاستثمارية للمشروع.

وختم بالقول: "في عالم تُرسم فيه موازين القوة بالأنابيب كما تُرسم بالجيوش، قد لا تكون أخطر الخسائر هي نقص الإمدادات، بل أن تكتشف الدولة، بعد فوات الأوان، أن ما ظنّته حلًا لأزمة طاقة كان بداية أزمة سيادة".
التعليقات (0)