الدولة عندما تُصَغَّر إلى إدارة

نور الدين العلوي
"غياب مشروع الدولة أو الرؤية التاريخية هو ما يقتل الدولة أكثر من الترف"- الأناضول
"غياب مشروع الدولة أو الرؤية التاريخية هو ما يقتل الدولة أكثر من الترف"- الأناضول
شارك الخبر
التاريخ يجري بسرعة الصواريخ.. وهذا ليس صدر بيت شعري إنما جملة واتت لندخل بها على مشهد العربي المتفرج على التاريخ يجري؛ فلا يقدر فيه علي شيء من حركة أو فعل. منذ اندحر الأمريكي من فيتنام اتخذ له العرب عدوا فلم يمر رئيس إلا على أجندته حرب في الشرق الأوسط، ولا أحد جمَّع في رقم واحد عدد الذين ماتوا بكل أنواع السلاح.

هذه حرب أخرى ولا نراها الأخيرة، لنتأنى إذن في المشاركة في تحليل الوقائع فالمعطيات تتغير بسرعة الصواريخ، ولننكفئ على وضع محلي ونقارب وضع المتفرج على التاريخ. كيف يمكن تصغير دولة شعب جموح في إدارة بلا طموح؟ ولنستعد الدرس الخلدوني مرة أخرى، وأظنه مفتاح فهم للتاريخ الذي لا يقف على ظاهر متقلب.

ونلقي الفكرة الأولى: الدولة العربية المتفرجة على التاريخ (والحالة التونسية نموذجها الأمثل للتحليل) بلغت بسرعة قياسية مرحلة الانهيار التي حدثنا عنها ابن خلدون في نظريته حول أعمار الدول. ولكن متى ولدت الدولة العربية لتموت؟ سنجيب بسرعة لقد ولدت بجرثوم نراه يودي بها.

العصبية عندما تسارع إلى الرفاه
ثورة مثل زفرة مكلوم سرعان ما فقدت طريقها وقد سلمت قيادها إلى طبقة بن علي الوسطى ونخبه، فإذا الدولة والثورة بين يدي قيس سعيد، وإذا المشروع الجموح يتحول إلى إدارة تنظم البقاء بلا طموح

يمر عمر الدولة في قانون العصبية الخلدوني بثلاثة أجيال ويكون معدل عمر الجيل أربعين سنة، فيكون عمر الدولة 120 سنة تزيد وتنقص بحسب مسارعتها إلى الرفاه القاتل للدول. يبني الجيل الأول الشديد البأس ذو الطموح؛ الدولةَ ويورثها جيل الأبناء الذين يتمتعون بالمنجز بلا تعب، ثم يسلمون الدولة إلى أحفاد ولدوا في النعيم فيغرقون فيه حتى تتخطفهم العصبيات من حولهم فإذا هم ذكرى وإذا دورة الأجيال تكتمل فيكون خلق سياسي جديد. هل مرت الدولة التونسية (العربية الحديثة) بهذه الأجيال الثلاثة؟ لنطبق عليها النظرية؟

لقد بنى بورقيبة وجيله دولة على شرعية معركة الاستقلال والسيادة وروح الأمة، وأعلى سقف طموحاته فجعلها طموحات شعبه وتحدث بلسان ذرب عن مكانتها بين الأمم، وأمكن له أن يؤسس لدولة راعية ماديا ورمزيا وأخلاقيا، ووضع أسس بناء نخبة تفكر ولو بلسان غير عربي فصيح. لقد مر بسرعة من مرحلة أهل السيف إلى مرحلة أهل القلم ولكنه احتفظ بمركزية حكم صارمة، فزرع في جسد دولته جرثوم فنائها. قتل جرثوم الدكتاتورية صاحبه فمرت الدولة قبل اكتمال الجيل من مرحلة المسغبة والطموح إلى مرحلة الشبع بلا طموح، وهو الجيل الثاني أو حقبة بن علي.

فحين جاء بن علي لم يُنهِ نموذج دولة بورقيبة، بل أعاد إدارته أمنيا، وسهّل على الناس الإجراءات فاشتروا حاضرهم من مستقبلهم فلم تعد أسرة تونسية إلا وهي غارقة في ديون تتناسل من بعضها، لكنها سمت ذلك بالرفاه، فصارت السيارة والحاسوب والزيارة إلى بازار إسطنبول ضروريات اجتماعية. وهي المرحلة التي قل فيها إنجاب الأطفال (العزوة)، وصار الإنجاب خارج الزواج حقا قانونيا، ونسي القوم بسرعة دور النسب والعصبية وانصرفوا إلى متع سريعة تتغير كل يوم واتخذوا لذلك مؤسسات وقادة من أهل الفن. وتوسعت فيها تربية القطط والكلاب على الطريقة الباريسية، وهي أيضا فترة ظهور المثليين يؤسسون الجمعيات ويتظاهرون في الشوارع.

في مسار التحلل السريع تحت ظل أمن شديد (هنا يرتبك التحليل الخلدوني قليلا) صدر صوت كأنه استغاثة سماه التونسيون ثورة الربيع العربي: لم يحن بعد موعد الرفاه، فالبلد ليس موحدا في السعادة، طبقة تدليل الكلاب تجهل وجود طبقة الطامحين إلى تملك معزاة، أو لنقل الذين يلبسون من باريس لا يعرفون بوجود الذين يلبسون من أكداس الروبافيكا. كانت ثورة كأنها حركة عصبية تطل برأسها طامحة إلى نيل ما بين أيدي أهل المدر ممن تفنقوا النعيم ونسوا أبناء عمهم في الأرياف. لكنها ثورة مثل زفرة مكلوم سرعان ما فقدت طريقها وقد سلمت قيادها إلى طبقة بن علي الوسطى ونخبه، فإذا الدولة والثورة بين يدي قيس سعيد، وإذا المشروع الجموح يتحول إلى إدارة تنظم البقاء بلا طموح.

نهاية سريعة لمشروع

إذا سلمنا بشيء من هيجل، فإن الدولة (في النظرية) تبني سردية شرعية وتقيم عليها مؤسسات حكم راسخة وتظلل ذلك بأفق رمزي يعطي هوية للأفراد فيعرفون به أنفسهم بين الشعوب. كانت ملامح دولة بورقيبة قريبة جدا من هذه الصورة وتوشك أن تحققها، لكنها وقعت بين يدي ضابط أمن يقدم الهدوء على المظاهرة ويتقن بناء السجون، فبدأ مسار إغلاق الأفق الرمزي ودفع الناس إلى الغرائزي يرتبون حيل البقاء فلا ينتبهون إلى محاولة فتح الأفق بثورة شعبية فاكتفوا منها بتوسيع رفاههم، فحوّلوا الثورة إلى مطالب مادية فغنموا واستعادوا مدينتهم من الريفيين الزاحفين كالجراد؛ لقد طبع الاستهلاك على قلوبهم فهم في رفاههم يعمهون.

كل واسكت فهو خير لك

نخرج برغم الدرس الخلدوني من حساب الأجيال العمرية إلى تحول في الطاقة الاجتماعية والسياسية، لقد مر النموذج بسرعة صاروخية من عصبية قوية إلى استقرار إداري وغرق في ترف منقوص، مما أضعف القدرة على الدفاع عن كل فكرة، فصارت أحداث العالم الرمزية تقع في كوكب آخر لا تنشغل به النخب، وتفضل عليه متابعة كرة القدم والحروب على نفس الجهاز.

نرى الدولة موجودة بشكلها لكنها بلا مشروع ولا قاعدة جماهيرية حقيقية، وهي مرحلة الجيل الثالث، دولة ليست فاسدة بالرفاه، لكنها مفككة أخلاقيا وسياسيا

لقد تم الانتقال السريع إذن من العصبية المحفزة إلى الإدارة البيروقراطية عبر التركيز المنهجي على الاستقرار والتنظيم أكثر من العصبية الجامعة، فتحول الرفاه إلى معيق للحريات، فتلاشت القدرة على التخيل فإذا الأمن سابق على الحرية المزعجة؛ انهيار بيّن للتوازن بين النخبة والجمهور، حيث تخفق الدولة المطمح في إنتاج سردية وطنية أو مشروع مؤسسي جديد يمد في أنفاسها.

لسنا في حالة من الرفاه المطلق طبقا للرسم الخلدوني لكن التفكك الاجتماعي الذي يرافق الرفاه ظاهر للعيان، هي مرحلة عصبية متلاشية لا قدرة لها على التجدد الذاتي ولا قدرة لها على تأسيس جديد. إننا نرى الدولة موجودة بشكلها لكنها بلا مشروع ولا قاعدة جماهيرية حقيقية، وهي مرحلة الجيل الثالث، دولة ليست فاسدة بالرفاه، لكنها مفككة أخلاقيا وسياسيا، أي أن النمط الخلدوني يظهر بشكل أزمة في العصبية وليس أزمة في الرفاه.

هنا نختصر: إن غياب مشروع الدولة أو الرؤية التاريخية هو ما يقتل الدولة أكثر من الترف؛ جيل ثالث يتجلى كعلامة على نهاية سياسية مبكرة وسريعة أُنهكت فيها المنظومات الوسيطة وتوقف خيال النخب عن ابتكار الرموز، فانتهى الوضع إلى رئاسوية بلا سردية.

لذلك، لمّا تظهر تعبيرات حرية في العالم المحيط تخفي النخب رؤوسها في الرمل السياسي وتبتكر جمل التهرب من المسؤولية الأخلاقية، فلا غزة قضيتها ولا التصدي للإمبريالة مشغلتها، إلا قليلا تائها يدفع من لحمه صرخته الأخيرة أن الإدارة الأمنية ليست دولة، إنها مشغلة للعيش بلا طموح. لا نرى ابن خلدون يعيد تعديل نظريته لكنه قد يطعن بجدية في الدولة العربية، لقد اشتغل جرثوم الدكتاتورية البورقيبي بكفاءة عالية.
التعليقات (0)