من أهم الأمور التي تتعلق بالقراءة الحضارية لمالك
بن نبي أن تقرأ سلسلته "الإسلام ومشكلات
الحضارة"؛ كمنظومات
فكرية مترابطة،
لا يمكنك أن تفصل فيها فكرة عن أخرى. إنها أفكار منظومة ناظمة لعالم تفكيره وتدبيره
الحضاري؛ ولعل اختياره لعنوان السلسلة يزكي هذا التفكير في منظومات ومعادلاته الحضارية،
وإذا أردت شاهدا آخر على ما نقول؛ فإن الفكرة
الدينية عنده هي النموذج لهذا الفكر الناظم،
إذ تعتبر الفكرة الدينية في فكر
مالك بن نبي هي "الخميرة المحفزة"
والمركب الموجه والمصحح الذي يمتزج في أُفقه عناصر الحضارة الثلاثة (
الإنسان، والتراب،
والوقت) كما أشرنا في مقالاتنا السابقة. فوجود هذه العناصر الأولية وحدها لا يفضي بالضرورة
إلى بناء حضارة، بل تظل في حالة سكون ما لم تتدخل الفكرة الدينية لتحدث الشرارة الروحية
التي تجعل منها طاقة ديناميكية متحركة في إطار التاريخ ومسيرته وفي سياقات الواقع،
ومادته، واستشراف المستقبل، وصناعته.
ويتلخص دور الفكرة الدينية في تفعيل هذه العناصر من
خلال نقلها من حالتها الطبيعية الخام إلى وضع معنوي قيمي حضاري مؤثر يحقق الوحدة والفاعلية؛
فتفعيل عنصر الإنسان تقوم فيه الفكرة الدينية بصهر الأفراد وتحويلهم من مجرد أشخاص
مشتتين إلى وحدة اجتماعية متآلفة ومنظمة (ميلاد مجتمع: شبكة العلاقات الاجتماعية)؛
وتفعيل عنصر الوقت تحوله من مجرد مدة زمنية عابرة (ساعات تمر) إلى وقت اجتماعي حضاري
مقدر بساعات الفاعلية والعمل والإنتاج ليحقق حالة إنجاز، مما يمنح الزمن قيمته الحضارية.
وكذا تفعيل عنصر التراب إذ تحوله من مجرد مادة أو مجال جغرافي مطلق إلى مجال مجهز ومكيف
فنيا لاستخلاص الموارد؛ "فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ"
(الملك: 15)، وسد حاجات المجتمع؛ "وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ" (الرحمن:
10).
وبذلك، تكون الفكرة الدينية هي العامل المؤثر في المزج
الحضاري فتتحول تلك العناصر إلى حقائق حضارية فاعلة، التي تمنح المجتمع الإرادة والقدرة؛
وتشكل معادلة الطاقة الحضارية على الانتقال من حالة "التكديس" العشوائي للأشياء
إلى حالة "البناء" الحضاري المنظم والفعّال، مما يقي المجتمع من التحلل والوقوع
في حالة من العجز واللافاعلية. فالحضارة في جوهرها هي نتاج هذه الفكرة الدينية التي
ترافق تركيب المجتمعات عبر التاريخ، وبدونها لا يتم التفاعل الحيوي المطلوب ضمن تأثيراته
الحضارية الممتدة؛ ومن ثم تعتمد استراتيجيته لتحويل الأفكار من مجرد "كلام مجرد"
إلى طاقة عمل منتجة "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" (البقرة:
25)، "يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ" (إبراهيم: 27). إذ يرى أن الأزمة في العالم الإسلامي
ليست في نقص الأفكار، بل في انعدام الرابط المنطقي (الجدلي) بين الفكرة وتجلياتها ومحصلتها
المادية؛ فالمسلم المعاصر غالبا ما يفكر "ليقول" لا "ليعمل"، بينما
العمل الحقيقي يتطلب تجاوز المظهرية وعدم تحويل العلم إلى وسيلة للتباهي أو الشهادات
الوظيفية، بل استبطانه لتغيير البيئة والارتباط بالواقع.
استراتيجية بن نبي إذا تقوم على "التأليف والتركيب"، أي دمج
الفكرة بالواقع عبر إنسان مؤمن بواجبه، يحترم وقته، ويطوّع ترابه وفق منهج علمي وجمالي
دقيق؛ "لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ۞ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ
أَسْفَلَ سَافِلِينَ۞ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ
أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ" (التين: 4-6).
وأهم من ذلك تفعيل "الفكرة الدينية" كمركب
موجه؛ في ضوء معادلة مالك الحضارية والعمرانية، فيتحول الفرد إلى وحدة اجتماعية قادرة
على العمل الجماعي، ويتحول الوقت من مجرد دقائق تمر إلى "وقت اجتماعي"
وحضاري مقدر بساعات عمل، ويتحول التراب إلى مجال مجهز تقنيا لسد الحاجات الحيوية، وتجعل
من مهامها ورسالتها الكبرى "توجيه الثقافة" لصياغة السلوك؛ فالعمل لديه لا
ينفصل عن الثقافة، فهي التي تمنح الفرد السيطرة على عالم الأفكار وعالم الأشياء معا.
استراتيجية التوجيه الثقافي تشمل المبدأ الأخلاقي الذي
يمد العمل بالمبررات اللازمة لدفع النشاط، والذوق الجمالي؛ "وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ"
(النحل: 6) الذي يضمن خروج العمل في شكل متناسب ورفيع وراقٍ، والمنطق العملي الفني
والتقني (الصناعة والتقنية) هو السير وفق القواعد الفنية والعلمية لإنجاز العمل بأقصى
فاعلية ممكنة.
الفكرة الدينية من خلال النموذج التكليفي هو الجامع
والناظم؛ ما بين الفرض العيني من جهة والفرض الكفائي من جهة أخرى والانتقال والحراك
ما بين الحقوق والواجبات. إن المطالبة بالحقوق وحدها خرافة أساسية وأسطورة سياسية،
بينما أداء الواجبات (تكليف الفروض) هو الطريق الاستراتيجي الوحيد للحصول على الحقوق
الاستراتيجية. هنا تكمن في تغليب الواجب والالتزام كأمارة للتقدم الخلقي والمادي من
جهة والمبادرة الذاتية، التي تحوّل الفكرة من أُمنية إلى واقع ملموس من جهة أخرى. وفي الميزان اللغوي في إبراز تلك الجدلية وحراك الحقوق
والواجبات؛ ترد حق له وحق عليه؛ ووجب له ووجب عليه. وكل حق في الرؤية الإسلامية تتبعه
أربعة واجبات؛ واجب معرفته والوعي به، وواجب ممارسته والقيام عليه، وواجب حمايته والمدافعة
عنه إذا انتهك، وأخيرا واجب مراعاته في حق الغير. وتنظيم الحقوق لا يعني بحال مصادرة
أصل الحق كما الحادث في نظم الاستبداد؛ فتنظيم الحق ركن فيه لا ينقضه ولا ينفيه.
"ميلاد مجتمع؛ شبكة العلاقات الاجتماعية"؛
عنوان لأحد كتب مالك، ويعد هذا الخطاب الجمعي أحد أهم ثمار الفكرة الدينية؛ فإن أكثر
ما توجه الخطاب القرآني إلى الجماعة والمجموع وعموم الناس ليعبر بذلك على عموم التوجيه
والمسئولية الجماعية والجمعية. لا يمكن للفكرة كما في عقل مالك أن تتحول إلى عمل مؤثر
إذا ظلت فردية؛ فالقوة تقاس بمدى إحكام شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط بين الأشخاص
والأفكار والأشياء، وكلما كانت هذه الشبكة أوثق، تحول العمل إلى فعل تاريخي قادر على
تغيير مسار الأمة.
الفكرة الدينية هي "مخاض ميلاد المجتمع" ذلك أن المجتمع لا يولد بمجرد تجمع الناس، بل يولد
بظهور فكرة دينية تعلو فوق المصالح الفردية الأنانية والآنية؛ فتبني شبكة العلاقات
الاجتماعية. فبدلا من أن يكون الأفراد "ذرات" متصادمة، تجعل منهم بنيانا
مرصوصا، كما أنها هي التي تفرض التوتر الحضاري الضروري؛ الذي يجعل الفرد يضحي بنزواته
الشخصية من أجل الهدف الجماعي والاجتماعي الأسمى.
يرى مالك أن المجتمع لا يولد إلا حين تتدخل الفكرة
الدينية لتقوم بعملية الربط الحضاري الأقوى والأبقى. الأفراد قبل الفكرة الدينية هم
ذرات مشتتة يحكمها النزاع، ولكن حين تنبثق الفكرة، فإنها تبني "شبكة العلاقات الاجتماعية". هذه الشبكة هي "الملاط" الذي يمسك
اللبنات وبينها وبين بعضها البعض؛ هي التي تخرج الإنسان من ضيق "الأنا" إلى
سعة "الرسالة"، وبذلك يولد المجتمع ككيان حي قادر على أداء وظيفة حضارية
كبرى.
من أهم عناصر الرسالية في الفكرة الدينية ومقتضيات
حمل الأمانة الحضارية؛ تطبيق مفهوم "الفعالية" في مشاريعنا الحضارية، وفق رؤية مالك بن نبي، الذي
يتجاوز مجرد العمل الجاد إلى القدرة على تحويل الأفكار إلى خطط، والوقت إلى قيمة، والإمكانات
إلى إنجازات ملموسة؛ لكيلا تظل مشاريعنا "نهوضا زائفا" يكتفي بتكديس الأشياء.
الفكرة الدينية وفق هذا الفهم والتدبير "كتالوج"
الفاعلية الحضارية؛ ليست الفكرة الدينية في المنظور السنني مجرد نصوص تُتلى أو شعائر
تُقام في العزلة وبها، بل هي نسق ونظام للفاعلية، إنها الدليل التشغيلي الذي يحدد كيفية
تركيب العناصر الثلاثة للحضارة: "الإنسان، التراب، الوقت".
الإنسان تحوله الفكرة من "كائن بيولوجي"
يستهلك، إلى "مكابد مستخلف" يُنتج، والتراب تحوله من "مادة صماء"
إلى "أرض للتمكين" وميدان للزحف الممكن، والوقت تحوله من "دقائق عابرة"
إلى "عمران ممتد" يُحاسب فيه المكابد على كل ضربة فأس. بدون هذا "الكتالوج"،
تظل العناصر مشتتة، ويتحول النهوض إلى "سراب بقيعة" يحسبه الظمآن ماء، بينما هو في حقيقته تراكم لأشياء
الحضارة دون امتلاك روحها.
ولحماية "الفكرة الدينية" من التبخر في سماء الشعارات أو التجمد في برودة العواطف،
فإن الأمر يحتاج إلى ما يمكن تسميته بـ"المفاعلات التحويلية"؛ وهي العمليات
التي تنقل الفكرة من حيز "النص" إلى حيز "الميدان العمراني". ومن
هنا صدرت البيانات الحركية القرآنية والنبوية الحافزة للفعل والفاعلية؛ إن "اللبنة
الأولى" في بناء الإنسان الصالح للحضارة هي إقناعه بأن "محرابه هو ميدان
عمله". وبذلك، لا نعود بحاجة لاستحضار الفكرة الدينية لتشجيعه لأنها في قلبه وعقله
ووجدانه، بل تصبح الفكرة هي "الكهرباء" التي تسري في أعصابه لتدفع يده نحو
التراب دفعا.
وبهذا، نكون قد حمينا الفكرة من "الخذلان"،
وحمينا المجتمع من "انتقامها"، وحولناها إلى "بنيان مرصوص" تراه العين ويلمسه الوجود. والتمكين القاصد في هذا
المقام هو "شهادة ميلاد الفكرة في عالم الشهادة"؛ بمجرد أن
تضع اللبنة الأولى المتقنة، فقد أخرجت الفكرة من جوف "النص" ومكنوناته إلى
رحابة "التمكين". أنت الآن لا "تتكلم" عن النهوض، بل "تقيمه"
وزنا بوزن، وذرة بتراب.
إن تحويل الفكرة الدينية إلى "طاقة تشغيلية"
عبر أربع مسارات هندسية حضارية؛ أولها ما يمكن تسميته السريان المفاهيمي (من
التجريد إلى الإجراء). الفكرة الدينية تصبح "عاطفة باردة" عندما تظل في صورة
"قيم مطلقة" نذكرها بألسنتنا. ولحمايتها يجب تحويلها إلى "بروتوكولات وبرامج عمل". وثانيها يتعلق بالارتباط السنني "الملتحم
ميدانيا بالتراب، إذ تضع إنسان النهوض في بيئة تمنع "الترف الذهني". الفكرة
الدينية حينما تُلقى فكرة "الاستخلاف" وسط غبار العمل وخشونة التراب، فإنها
تلتصق بالواقع؛ والإدراك البصير ومداخل فهم الواقع لا يمنعان إدراك الفاعل للجوانب
المعنوية والقيمية في الفعل الحضاري الذي لا يعد هروبا من المادة، بل قدرة فاعلة على
تطويعها في البناء الحضاري الفاعل والعادل. وثالثها قانون الفاعلية الفورية؛
بناء اللبنة في البنيان وغرس الفسيلة في الحقل والميدان لا يحتملان "التسويف الحضاري"،
فحتى تبقى الفكرة كطاقة تشغيلية، يجب أن يكون لها مصبّ فوري. الأمل الفسيح ليس فقط
حلما مستقبليا بل كذلك وقودا للحركة الحالية الميدانية، فلا تسرق الأحلام وقت الحاضر
أو تتجاهل معطياته. ورابعها "المساءلة بالمآل" (هيبة الحساب والاحتساب
الميداني)؛ الفكرة تصبح "شعارا" حين تغيب عنها "المسؤولية"؛ يجب
تحويل "هيبة الحساب" من فكرة غيبية إلى "نظام رقابة
ذاتي" في الميدان، "المراقب" على عمله بناء على
"ميثاق الأمانة" (هل هذه اللبنة هي ما أريد أن ألقى الله به؟).
محصلة ذلك أن تتحول الفكرة الدينية من "مراقب
خارجي" (إدارة) إلى "محرك داخلي" لا يهدأ وحافز ذاتي لا ينقطع، مما يجعل اليد تعمل في
التراب بدافع النفس لا بدافع الخوف.
إن الرجوع إلى أفكار مالك اليوم ليس استعادة للتاريخ،
بل يُعد ذلك استئنافا حضاريا. إن الفكرة الدينية هي التي تضمن أن يكون العمران "موحدا لله" في شكله
وجوهره، عمران لا يميل لأن ميزانه العدل، ولا يذل لأن ماءه السيادة؛ "أَلَيْسَ
اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ" (التين: 8)، ولا يضل لأن بوصلته "كتالوج"
الحقائق الكونية المودعة في كتاب الله وكتاب الكون.
بهذا الوعي المستلهم من حقائق الفكرة الدينية عند مالك،
ندرك أن كل ضربة فأس في تراب الواقع، وكل لبنة توضع بإتقان، وكل غرسة في الميدان؛ هي
فعل إيمان عميق يطرد الزيف ويشيد صرح النهوض الراشد الذي لا ينال عهده الظالمين؛ "وَإِذِ
ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَاما قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"
(البقرة: 124).
x.com/Saif_abdelfatah
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.