ما إن يُعلن عن فائز بجائزة
أدبية في العالم العربي حتى يجد نفسه مدعوًّ إلى ورشات الكتابة في عواصم
مختلفة، ويحظى بأولويّة المشاركة في المعارض والمهرجانات، ويدعى إلى الندوات بوصفه
"خبيرًا" في الكتابة، بل قد يصبح عضوًا في لجان تحكيم خلال سنوات قليلة
بل أحيانا بعد أشهر قليلة فقط من فوزه بالجائزة. ليتحوّل بذلك الكاتب من تجربة
فرديّة إلى مرجعيّة شبه مؤسّساتية.
السؤال هنا ليس ما إذا كان الفائز يستحقّ
التّكريم أو الجائزة، بل كيف يمكن للحظة تحكيم ـ مهما كانت القيمة الرّمزيّة لأعضاء لجنتها ـ أن تتحوّل إلى سلطة رمزيّة
ممتدة في الزمن؟
تدفعنا الظاهرة إلى إعادة التفكير في
وظيفة الجائزة الأدبيّة. فلم تعد، في كثير من الحالات، مجرّد تتويج لنصّ متميّز،
بل أصبحت آليّة تفويض ثقافي تعيد تشكيل العلاقات وموازين القوى الثّقافيّة.
الجائزة كجهاز لإنتاج سلطة رمزية
تعيدنا الظّاهرة إلى الفيلسوف الفرنسي ميشال
فوكو الذي عرّف السّلطة بناء على شبكة من العلاقات داخل الجسم الاجتماعي تترجم
عبر الممارسات اليومية التي تعرّف الجائزة الأدبية بوصفها جهازًا ثقافيًا يمنح
صفة "الكاتب المعتمد"، ويعيد موقعة صاحبه داخل الحقل الأدبي.
الفوز بجائزة أدبية أصبح، في كثير من الأحيان، أشبه بجواز سفر يفتح بوّابات الفضاءات الثقافية. بل إنّ بعض الجوائز تمنح الفائزين بها شرعية إضافية للمشاركة في مسابقات أخرى. وهو ما يسمح بتراكم الجوائز وتوسيع الحضور الرمزي للفائزين أنفسهم.
فبمجرّد إدراج اسم في القائمة الطويلة أو
القصيرة لإحدى
الجوائز الكبرى، كفيل بنقل الكاتب من هامش التّداول إلى مركز
الضّوء. لكن الاعتراف لا يتوقف عند حدود النص الفائز، بل يمتدّ إلى الشخص ذاته.
وهنا تبدأ عمليّة أخرى أكثر تعقيدًا: صناعة المرجعيّة. وتتشكّل هذه المرجعيّة
كالتّالي: تتويج بجائزة أوّلا، لتنطلق في
مرحلة ثانية وسريعة سلسلة من الامتيازات: حضور إعلامي أوسع، فرص نشر أكبر، دعوات
متكرّرة إلى الندوات والمهرجانات، وأحيانًا المشاركة في لجان تحكيم الجوائز نفسها.
من العبرة بالمشاركة إلى العبرة بالجائزة
اعتدنا ترديد المقولة الشّهيرة:
"العبرة بالمشاركة". لكن الواقع الثقافي يبدو وكأنّه يتّجه تدريجيًّا
نحو معادلة أخرى: العبرة بالجائزة.
فالفوز بجائزة أدبية أصبح، في كثير من
الأحيان، أشبه بجواز سفر يفتح بوّابات الفضاءات الثقافية. بل إنّ بعض الجوائز تمنح
الفائزين بها شرعية إضافية للمشاركة في مسابقات أخرى. وهو ما يسمح بتراكم الجوائز
وتوسيع الحضور الرمزي للفائزين أنفسهم.
وقد ساهمت المنصّات الرّقمية ووسائل التواصل
الاجتماعي في تسريع انتشار هذه الظّاهرة، إذ أصبح الجمهور قادرًا على رصد
التحوّلات السريعة في مسار الكاتب قبل الجائزة وبعدها.
المفارقة أن النص الفائز قد يوضع على الهامش
في مرحلة ما ، بينما يصبح الكاتب نفسه هو الحدث الثّقافي. فكثيرًا ما نستحضر اسم
الكاتب الفائز دون أن نستحضر عنوان العمل الذي فاز بالجائزة.
يمكن ملاحظة هذا التحوّل بوضوح في بعض
الجوائز العربية الكبرى مثل "البوكر
العربية" والتي يعلن وصول رواية إلى قائمتها القصيرة عن منح كاتبها حضورًا
واسعًا في الإعلام الثقافي، بل ويؤدّي غالبًا إلى ارتفاع مبيعات الكتاب وترجمته
إلى لغات أخرى.
صحيح أنّها نقاط إيجابية تحسب لدور
المسابقات في الترويج للكتاب ، لكنه يطرح
في الوقت نفسه سؤالًا آخر: هل يصبح الفوز أو حتى الوصول إلى القائمة القصيرة
معيارًا كافيًا للحكم على القيمة الأدبية؟
الاعتراف وإعادة توزيع الفرص
ليست المشكلة في الجوائز الأدبية في حد ذاتها، بل في أنماط تحويلها من لحظة اعتراف بنص متميز إلى آلية تفويض دائم لشخص بعينه.بينما أنّ الابداع لا يُقاس بختم، ولا تُختزل التجارب الأدبية في قائمة قصيرة، ولا تُصنع المرجعيات بقرار تحكيمي سنوي.
تميز الفيلسوفة نانسي فريزر بين مفهومين
أساسيين: الاعتراف وإعادة التوزيع.فالاعتراف يمنح الفرد مكانة رمزيّة وهوية، لكنه
لا يعالج بالضرورة اختلالات البنية التي تنتج التّفاوت على أنّ الاعتراف الذي
تمنحه قد يتحوّل إلى امتياز متكرّر يعيد
إنتاج الفوارق بدل تقليصها.فتميل الجوائز العربيّة إلى التركيز على أسماء محددة، بينما تبقى تجارب
أخرى ـ ربما لا تقل قيمة ـ خارج دائرة الضوء.بهذا المعنى، لا تكتفي الجائزة بمنح
الاعتراف، بل تسهم أيضًا في إعادة توزيع المرئي والسّمعي داخل المشهد الثقافي. فهي
تفتح الباب أمام بعض الأصوات، لكنها في الوقت نفسه تضبط معايير القبول والنجاح.
بين الاعتراف والإقصاء
المفارقة أن الثقافة، التي يُفترض أنها مجال
للتعدد والاختلاف، قد تنجذب تدريجيًا إلى إقصاء ماهو هجينا على ممارساتها .
لنتّفق أنّنا داخل فضاء ثقافي يعاني محدودية الموارد وفرص النشر.
ليست المشكلة في الجوائز الأدبية في حد ذاتها، بل في أنماط تحويلها من لحظة اعتراف بنص متميز إلى آلية
تفويض دائم لشخص بعينه.بينما أنّ الابداع لا يُقاس بختم، ولا تُختزل التجارب الأدبية
في قائمة قصيرة، ولا تُصنع المرجعيات بقرار تحكيمي سنوي.
بين الاعتراف المشروع والإقصاء غير المرئي،
تتأرجح الجائزة الأدبية في العالم العربي، لا كحكم نهائي على القيمة، بل كأداة
قوية لإعادة تشكيلها.
لتشغلنا نفس الأسئلة :هل نريد جوائز
تفتح المجال لتعدد الأصوات داخل الثقافة العربية؟ أم جوائز تفتح المجال لكتاب
معيين وتقمع البقية من غير الحاصلين على جوائز؟