قد يثير فضول الشاب
العربي اليوم نجوم برامج
الواقع أكثر مما يثيره صنّاع الفكر، بل وربّما أكثر من صنّاع الحداثة أنفسهم،
أولئك الذين مهّدوا لغزو المنصّات الرقمية بمضامينها الجديدة. فهل نحن أمام تبدّلٍ
طبيعيّ في الأذواق بتبدّل الأجيال أم أمام نوع من "تبلّد" فكري يرفض
التصالح مع الثورة الرقمية، فلا يقدّم بديلا نقديّا للسّائد المبتذل؟ وهل ما يزال
مسموحا للمفكّرين البقاء في أبراجهم العاجية، مكتفين بدور النقّاد الرافضين
للظواهر الإعلامية الجديدة التي تُشيّئ المجتمع، أم أنّ المطلوب اليوم هو اقتحام
هذه الفضاءات وتقديم بدائل قادرة على المنافسة؟
أسئلة كثيرة تقفز إلى الذهن كلّما ظهرت حلقة
جديدة من برنامج "قسمة ونصيب"، الذي تدفع الخوارزميات إلى انتشاره وغزوه
مختلف المنصّات الرقمية، ومعه سابقًا برنامج "الأسد الحقيقي".
تحظى هذه البرامج بنسبة مشاهدة عالية،
وتفاعلات كثيفة، وتعليقات وتصاميم تُكرّس شهرة المشاركين والمشاركات فيها. ولو
سألنا اليوم شابًا من الجيل الجديد عن اسم مفكّر، ثم عن اسم أحد مشاهير هذه
البرامج، لأجاب تسعة من كلّ عشرة عن الاسم الثاني، وربما جهلوا الأوّل تماما.
فعليّا، تثير برامج الواقع المعروضة على
منصّات رقمية مثل يوتيوب، ومن بينها "قسمة ونصيب" و"الأسد الحقيقي"،
أسئلة تتجاوز الترفيه إلى ما هو أكثر خطورة: أيّ وعيٍ تُنتجه هذه البرامج؟ وأيّ
نموذج إنساني تحاول ترسيخه؟
هل الترفيه سلطة ثقافية؟
يخطئ من يختزل الإشكال في التطوّر التقني
الذي سمح بانتشار المنصّات الرقمية، وحوّل يوتيوب إلى ما يشبه تلفزيونًا جديدًا.
فجوهر الإشكال لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في أنماط استخدامها وفي كيفيّة
توظيفها لإنتاج مضامين. نحن هنا أمام أحد تجلّيات هذا الاستخدام، حيث يبدو برنامج "قسمة
ونصيب" أشبه بمعسكر مغلق، يخضع لقواعد صارمة وعقود مُلزمة، يتحوّل فيها
المشاركون إلى منفّذين لأدوار محدّدة سلفًا. من الملابس إلى طبيعة المواضيع
المطروحة، ومن شكل العلاقات إلى إدارة الخلافات، كلّ شيء قابل للإخراج والتوجيه.
أمّا من يخرج عن القواعد المرسومة، فمصيره الإقصاء.
تسليع الجسد والعاطفة
يُقدَّم الجسد، ولا سيما جسد المرأة، محتوى
للفرجة والانتقاء، في مشاهد لا تخلو من الإهانة، وتُعيد إلى الأذهان صور سوق
النخاسة أو “الحرملك” في الدراما التاريخية. ورغم أنّ هذا التمثيل يُسوَّق تحت
عناوين الحرية والانفتاح، فإنّه في جوهره يعيد إنتاج علاقات سلطة غير متكافئة،
تُقدَّم في قالب ترفيهي ناعم.
يخطئ من يختزل الإشكال في التطوّر التقني الذي سمح بانتشار المنصّات الرقمية، وحوّل يوتيوب إلى ما يشبه تلفزيونًا جديدًا. فجوهر الإشكال لا يكمن في التقنية ذاتها، بل في أنماط استخدامها وفي كيفيّة توظيفها لإنتاج مضامين.
واللافت أنّ هذه الممارسات لا تمرّ دائمًا
دون مقاومة. فقد شكّل انسحاب إحدى المشاركات واحتجاجها العلني على طريقة تقديم
الفتيات في الموسم الأوّل من برنامج «الأسد الحقيقي» حدثًا أثار جدلًا واسعًا. غير
أنّ الإشكال، في النهاية، لا يكمن في الأفراد، بل في المنظومة التي تُنتج هذا
النوع من المضامين.
"التلاعب
بالعقول" في سياق عربي مأزوم
تزداد خطورة هذه البرامج حين نضعها في
سياقها الزمني والسياسي. ففي وقتٍ تتصدّر فيه مشاهد الإبادة في فلسطين، والانهيار
الاقتصادي في أكثر من بلد عربي، إلى جانب أزمات المناخ والحروب الذكية، تُغرق هذه
المضامين جزءًا من الشباب في تفاصيل عاطفية مفتعلة وصراعات يومية فارغة. وهكذا
يتحوّل الترفيه إلى أداة لتفعيل سلطة الهيمنة والعنف الرمزي، عبر إبعاد الجمهور عن
القضايا الكبرى، واستنزاف طاقته الانفعالية في فضاءات لا تشبهه، ولا تشبه بيئته
الاجتماعية والثقافية.
بورديو والعنف الرمزي في العصر الرقمي
النتيجة المحتملة، على المدى البعيد، لا
تقتصر على تغيّر الذوق العام، بل تتجاوز ذلك إلى تفريغ الهوية من مضمونها، وتحويل
الانتماء إلى مجرّد موقع جغرافي بلا عمق ثقافي. ويمكن فهم هذه الظاهرة بالعودة إلى
مفاهيم عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، ولا سيما مفهوم "العنف الرمزي"،
أي ذلك العنف غير المرئي الذي يُمارَس عبر اللغة والصورة والإعلام. فعندما تُقدَّم
أنماط معيّنة من العيش، والملبس، والعلاقات، على أنّها "طبيعية" و"عصرية"،
فإنّها تُفرض بوصفها الخيار الوحيد أو الأفضل، بما يؤدّي إلى تكريس انتشارها وطمس
الخصوصيات الثقافية للأفراد والجماعات والبيئات، ومن ثمّ للبلدان بأسرها.
تعمل هذه البرامج أيضًا على مستوى ما سمّاه
بورديو «الهابيتوس»، أي منظومة الاستعدادات والميول التي تتشكّل لدى الفرد عبر
التنشئة والتجربة. ومع التكرار اليومي، تتحوّل القيم الاستهلاكية، وثقافة الفراغ،
والسعي إلى الشهرة السريعة، إلى ممارسات بديهية لا تُناقش.
هيمنة ثقافية أم مثاقفة؟
غالبًا ما يُدافَع عن هذه البرامج باسم
الانفتاح والمثاقفة، غير أنّ الفرق كبير بين المثاقفة بوصفها حوارًا ندّيًا بين
الثقافات، وبين الهيمنة الثقافية التي تعني ذوبان الذات داخل نموذج مهيمن. فمعظم
هذه البرامج ليست سوى نسخ معرَّبة عن صيغ غربية، تُستورد في نسخها الأًصليّة دون
أي تحوير مناسب لهذه البيئة أو تلك، لتُفرض في سياقات اجتماعية تختلف جذريًا عن
سياقها الأصلي وتكون أداة من أدوات كثيرة لطمس الهويّة.
قد يكون من السهل تحميل الشباب وحدهم
المسؤولية، غير أنّ هؤلاء هم جزء من
منظومة إعلامية تبحث عن الربح، ومنظومة اقتصادية تُكافئ التفاهة، ومنظومة ثقافية
تعاني فقرًا واضحًا على مستوى طرح البدائل المضادّة للسّائد المفرغ فكريّا.
لو كان بيير بورديو بيننا اليوم، لربما أعاد
النظر في تحليله للإعلام، وأدرج المنصّات الرقمية بوصفها أدوات مركزية في إعادة
إنتاج الهيمنة. لكنّ السؤال الأهم ليس: ماذا كان سيقول بورديو؟ بل: كيف يمكن
للسّياسات الثقافية العمومية العربيّة أن تتحمّل مسؤوليتها في انتاج
ثقافة مضادّة، قادرة على بناء العقل
العربي في سياقه الحداثي دون السّقوط في فخّ طمس الهويّة، وبوسائط تخلو من
الرّقابة والوعظ وقريبة من خصوصيّة الأجيال الجديدة؟