كيف ارتدت حروب نتنياهو المستمرة عليه سلبا وزادت من عزلة "إسرائيل" في أمريكا؟

تشير استطلاعات "غالوب" إلى أن الأمريكيين، ولأول مرة، يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع دولة الاحتلال- الأناضول
تشير استطلاعات "غالوب" إلى أن الأمريكيين، ولأول مرة، يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع دولة الاحتلال- الأناضول
شارك الخبر
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" مقالاً لماكس بوت قال فيه إن حروب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العسكرية ومحاولته تشكيل منطقة الشرق الأوسط حسبما يريد ترتد عليه وتنتهي بالفشل في وقت تتراجع فيه شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة.

وقال إن ديفيد بن غوريون دعا عام 1951 الاحتلال للتخلص من "الوهم الساذج القائل بأننا نستطيع الحفاظ على أمن الدولة بالجيش وحده، فالأمن يقوم على سياسة خارجية سلمية ونية صادقة للعيش بسلام مع جيراننا، ومع جميع الأمم".

وقد سبق لنتنياهو أن استمع لتحذير سلفه، فرغم أنه كان دائماً من دعاة الحرب، إلا أنه كان حذراً، وقوّض اتفاقيات أوسلو، لكنه لم يتخلَّ عنها.

وفي الماضي، عندما كان يشن الحروب، كانت حروباً قصيرة، تهدف إلى "تقليم العشب" لا إلى استئصاله. وكان إنجازه الأبرز هو اتفاقيات إبراهيم لعام 2020، التي أقامت علاقات دبلوماسية رسمية مع عدة دول عربية، وكان يطمح إلى توسيع نطاق هذا التقارب ليشمل السعودية.

اظهار أخبار متعلقة


وقد تغير كل هذا بعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر، التي أصابت -كما يقول بوت- الإسرائيليين بصدمة نفسية وتطرفوا، ساعين إلى الأمن المطلق والانتقام الكامل.

ومنذ ذلك الحين، شنت دولة الاحتلال عمليات عسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران والعراق واليمن. وبدلاً من السعي لردع من تعتبرهم أعداءها وإضعافهم، تحدث نتنياهو عن "إبادتهم" وتعهد بتغيير "وجه الشرق الأوسط" و"إعادة رسم" خريطة المنطقة.

الكاتب وإن تفهّم رغبة نتنياهو في شن هجوم شامل بعد هذا الهجوم المفاجئ المدمر، إلا أنه يأتي بنتائج عكسية؛ ففي سعيه وراء الأمن المطلق، يقوّض نتنياهو مصالح دولة الاحتلال طويلة الأمد، ويرهق الجيش الإسرائيلي، ويحوّل الدولة إلى منبوذة دولياً.

كما أنه يجعل دولة الاحتلال أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على الحماية الأمريكية، في الوقت الذي تنهار فيه شعبية إسرائيل وبشكل متزايد في أمريكا، وقد كشفت الحرب ضد إيران مدى صعوبة تحقيق أهداف دولة صغيرة كهذه، حتى مع تعاونها الوثيق مع قوة عظمى.

ففي حزيران/ يونيو الماضي، وبعد 12 يوماً من الغارات الجوية على إيران، أعلن نتنياهو "انتصاراً تاريخياً سيبقى خالداً لأجيال"، وبعد ثمانية أشهر فقط، قاد دولة الاحتلال، بالتحالف مع أمريكا، إلى صراع آخر أكثر طموحاً مع إيران.

وكان الهدف من هذا الصراع تدمير برامجها النووية والصاروخية وتغيير نظامها، ولم يتحقق أي من هذه الأهداف، وردت إيران بإغلاق مضيق هرمز.

ويقول بوت إن نتنياهو حاول جاهداً شن الحرب، لكنه فقد السيطرة عليها، وهمّشه حليفه الرئيس دونالد ترامب من مفاوضات السلام، ويحاول إذلال رئيس الوزراء المتغطرس بقوله: "سيفعل ما أريده منه".

وفي الشهر الماضي، أجبر ترامب "تل أبيب" على قبول وقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما رفضه نتنياهو رفضاً قاطعاً، ومن المرجح أن تعيد اتفاقية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران إحياء الصراع.

ومع ذلك، لا يملك نتنياهو خياراً سوى التغاضي عن الأمر، لأنه، في انتهاكٍ للشعار الصهيوني القديم المتمثل في الاعتماد على الذات: "سندافع عن أنفسنا بأنفسنا"، جعل (إسرائيل) تعتمد بشكل خطير على الولايات المتحدة.

وأشار الكاتب لما ذكرته صحيفة "واشنطن بوست" في الأسبوع الماضي من أن الجيش الأمريكي أنفق "كميات هائلة من الذخائر المتطورة للدفاع عن دولة الاحتلال وسط الأعمال العدائية مع إيران، أكثر بكثير مما أنفقته قوات الاحتلال نفسها".

ونقل المقال عن مسؤول في الإدارة الأمريكية قوله: "إسرائيل غير قادرة على خوض الحروب والفوز بها بمفردها، لكن لا أحد يعلم ذلك حقاً، لأنهم لا يرون ما يحدث خلف الكواليس".

وهذه مشكلة كبيرة وطويلة الأمد لدى دولة الاحتلال، لأن دعمها في الولايات المتحدة يتراجع بشدة، ويعود ذلك جزئياً إلى تصاعد ما وصفه بـ(معاداة السامية)، وأيضاً إلى التقارير السلبية الكثيرة حول الخسائر في صفوف المدنيين في غزة.

وتشير استطلاعات "غالوب" إلى أن الأمريكيين، ولأول مرة، يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع دولة الاحتلال. ووجد مركز "بيو" للأبحاث أن 60 بالمئة من الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه الاحتلال، مقارنة بـ 42 بالمئة في عام 2022.

ويبدو أحياناً أن حكومة نتنياهو تتعمد استثارة الاستنكار الدولي. في الأسبوع الماضي، قامت قوات الأمن بقيادة الوزير اليميني المتطرف إيتمار بن غفير بتقييد نشطاء دوليين ضمن "أسطول السلام" الذي كان يحاول تحدي حصار الاحتلال المفروض على غزة، وسخرت منهم.

حتى إن السفير الأمريكي لدى "تل أبيب"، مايك هاكابي، وصف تصرفات بن غفير بأنها "حقيرة". واعترف نتنياهو نفسه عبر الإنترنت بأن "طريقة تعامل الوزير بن غفير مع نشطاء الأسطول لا تتوافق مع ما سماها بـ"قيم إسرائيل" ومعاييرها".

ومع ذلك، لا يزال بن غفير في منصبه. ويعلق بوت أن المشاعر المعادية لدولة الاحتلال قد تستحق العناء لو كانت تحقق الأمن المطلق الذي يسعى إليه نتنياهو، لكن الواقع ليس كذلك. فقد احتلت "تل أبيب" أكثر من نصف قطاع غزة، لكن حماس لا تزال تسيطر على معظم السكان.

اظهار أخبار متعلقة


ولا يزال حزب الله يمثل تهديداً رغم عملية البيجر عام 2024، وتجد قوات الاحتلال نفسها الآن غارقة في احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان، مما يجعلها عرضة لهجمات حزب الله بطائراته المسيرة.

وذكرت شبكة "سي إن إن" أنه بعد أكثر من شهر من الغارات الجوية للاحتلال وأمريكا، "يتعافى الجيش الإيراني بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعاً في البداية"، وفي غضون ذلك، يتزايد الضغط على جيش الاحتلال المنهك.

ففي آذار/مارس، أبلغ رئيس الأركان العامة، الفريق إيال زامير، المجلس الوزاري الأمني أنه "يرفع عشرة أعلام حمراء" وأن الجيش "ينهار على نفسه" بسبب عبء القتال المتواصل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويقول الكاتب إن دولة الاحتلال التي يبلغ تعداد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة، مهما بلغت قوتها، لا يمكنها الهيمنة على منطقة يزيد تعداد سكانها عن 500 مليون نسمة. وتحقيق هذا الهدف الوهمي لن يؤدي إلا إلى استنزاف قوة إسرائيل وأمنها.
التعليقات (0)

خبر عاجل