حين يسبق السياسيُّ الاجتماعي.. مأزق الانتقال الديمقراطي في تونس 1من2

يحاول الكتاب أن يضع التجربة التونسية ضمن إشكالية أوسع تتعلق بمسارات التحول في المجتمعات التي عرفت تاريخيًا حضور دولة مركزية قوية.
الكتاب: الانتقال المجتمعي المعطل
المؤلف: المولدي قسومي
الناشر: دار الكتاب ـ تونس


المدخل الإبستمولوجي وإشكاليات القراءة

يأتي كتاب الانتقال المجتمعي المعطل في سياق فكري عربي يتسم بتكاثر القراءات التفسيرية لمسارات التحول التي أعقبت موجة الثورات العربية منذ سنة 2011. فقد حاولت مقاربات متعددة ـ سياسية ومؤسساتية وسوسيولوجية ـ تفسير أسباب تعثر الانتقال الديمقراطي في عدد من البلدان التي شهدت تحولات سياسية عميقة، غير أن كثيرًا من هذه المقاربات ظل حبيس التحليل الظرفي للأحداث أو القراءة المؤسسية الضيقة التي تربط نجاح الانتقال أو فشله بمدى استقرار المؤسسات أو بقرارات النخب السياسية.

في المقابل، يسعى هذا الكتاب إلى تجاوز هذا الأفق التفسيري عبر اقتراح مقاربة أكثر تركيبًا تقوم على تحليل العلاقة المعقدة بين التحول السياسي والبنية الاجتماعية. فالمؤلف لا ينطلق من فرضية أن الانتقال الديمقراطي هو مجرد عملية مؤسساتية مرتبطة بالدساتير والانتخابات وتوازن القوى بين الفاعلين السياسيين، بل ينظر إليه باعتباره عملية مجتمعية طويلة المدى تتداخل فيها عناصر التاريخ الاجتماعي والثقافة السياسية وبنية المجتمع ومستوى جاهزيته لاستيعاب التحول.

من هذا المنطلق يقترح المؤلف مفهومه المركزي، وهو "الانتقال المجتمعي المعطل"، بوصفه إطارًا تحليليًا لفهم المفارقة التي ميزت العديد من التجارب الانتقالية في العالم العربي: إذ نجحت هذه المجتمعات في تفجير لحظة ثورية أحدثت تغييرًا سياسيًا مهمًا، لكنها عجزت في الوقت نفسه عن تحويل هذا التغيير إلى مسار تحول مستقر ومستدام. وهنا يحاول المؤلف تفسير هذا التعثر من خلال فرضية أساسية مفادها أن الانتقال السياسي لا يمكن أن يكتمل ما لم يكن مؤسسًا على جاهزية مجتمعية كافية تسمح بإنتاج الثقافة السياسية والمؤسسات الوسيطة والخبرات المدنية القادرة على دعم التحول.

المؤلف ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن ما شهدته تونس بعد الثورة لا يمكن فهمه ضمن مقولات "الانتقال الديمقراطي" بالمعنى الضيق الذي تبلور في أدبيات علم السياسة، بل ينبغي قراءته ضمن أفق أوسع يسميه الانتقال المجتمعي؛ أي ذلك التحول العميق الذي يمس في الآن ذاته بنية الدولة وأنماط السلطة والعلاقات الاجتماعية والثقافة السياسية.
بهذا المعنى، يضع الكتاب نفسه ضمن حقل أوسع من النقاشات النظرية المتعلقة بدراسات الانتقال الديمقراطي والتحول السياسي في العلوم الاجتماعية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي طوّرت هذه الدراسات مقاربات مختلفة لتفسير الانتقال من السلطوية إلى الديمقراطية، ركزت في جانب كبير منها على دور المؤسسات السياسية أو على التفاوض بين النخب أو على توازن القوى بين الفاعلين. غير أن المقاربة التي يقترحها مولدي قسومي تسعى إلى إدخال عنصر غالبًا ما يتم تهميشه في هذه الأدبيات، وهو البعد المجتمعي والثقافي للتحول، أي العلاقة بين قدرة المجتمع على استيعاب التغيير وبين إمكانية ترسيخ الديمقراطية.

ومن هنا يمكن القول إن الكتاب يندرج ضمن محاولة لإعادة صياغة سؤال الانتقال في السياق العربي عبر نقل مركز التحليل من السياسة إلى المجتمع، ومن الأحداث إلى البنيات العميقة التي تتحكم في قدرة المجتمعات على إنتاج التحول واستدامته.

انطلاقًا من هذا الإطار النظري، يبني المؤلف تحليله على مجموعة من العناصر المفاهيمية التي تشكل الهيكل التحليلي للكتاب. في مقدمة هذه العناصر يأتي المفهوم المركزي وهو "الانتقال المجتمعي المعطل"، الذي يحيل إلى حالة يتوقف فيها التحول السياسي عند حدود معينة بسبب اختلال العلاقة بين التغيير السياسي والبنية الاجتماعية. أما الفرضية الأساسية التي يقوم عليها التحليل فتتمثل في أن نجاح الانتقال الديمقراطي يظل مشروطًا بوجود حد أدنى من الجاهزية المجتمعية، أي توفر شروط ثقافية ومؤسساتية ومدنية تسمح للمجتمع باستيعاب التحول السياسي وإعادة إنتاجه في شكل ممارسات مستقرة.

ويستند المؤلف في تحليل هذه الفرضية إلى مجموعة من المتغيرات التحليلية التي يحاول من خلالها تفسير دينامية التعطّل، من بينها طبيعة البنية الاجتماعية، مستوى التراكم في الثقافة السياسية، دور المؤسسات الوسيطة، موقع النخب الفكرية والسياسية، إضافة إلى التمثلات الثقافية التي تحدد علاقة المجتمع بالدولة وبالسلطة. ومن خلال هذا التفاعل بين المفهوم والفرضية والمتغيرات التحليلية يسعى الكتاب إلى بناء نموذج تفسيري يربط بين مستويات متعددة من التحليل: المستوى البنيوي المرتبط بالبنية الاجتماعية، والمستوى الثقافي المرتبط بالتمثلات والقيم، والمستوى الفاعلي المرتبط بدور النخب والفاعلين السياسيين.

انطلاقًا من هذه الخلفية النظرية، تسعى هذه المراجعة إلى مقاربة الكتاب من زاوية تحليلية وإبستمولوجية عبر طرح مجموعة من الإشكاليات التي ستشكل الخيط الناظم لهذه القراءة النقدية.

أول هذه الإشكاليات يتعلق بطبيعة المفهوم المركزي الذي يقترحه المؤلف: ما المقصود تحديدًا بمفهوم "الانتقال المجتمعي المعطل"؟ وهل يمثل هذا المفهوم إضافة نظرية نوعية إلى حقل دراسات الانتقال السياسي، أم أنه يعيد صياغة مفاهيم سابقة ضمن سياق تحليلي جديد؟

الإشكالية الثانية تتعلق بفرضية جاهزية المجتمع التي تشكل أحد أعمدة الكتاب. إذ يطرح السؤال حول طبيعة هذه الجاهزية ومكوناتها: هل يمكن تحديدها عبر مؤشرات اجتماعية وثقافية محددة؟ وإلى أي مدى يمكن اعتبارها متغيرًا حاسمًا في تفسير تعثر التحول الديمقراطي في تونس؟

أما الإشكالية الثالثة فتتصل بطبيعة المنهج التحليلي الذي يعتمد عليه المؤلف. فهل يقوم تحليله أساسًا على مقاربة سوسيولوجية بنيوية تركز على البنيات الاجتماعية العميقة، أم أنه يسعى إلى المزج بين التحليل البنيوي ودراسة دور الفاعلين السياسيين والاجتماعيين في تشكيل مسار الانتقال؟

وتتعلق الإشكالية الرابعة بدور النخب والمثقف في هذا المسار. إذ يطرح السؤال حول الموقع الذي يحتله الفاعل النخبوي في تحليل قسومي: هل يُنظر إليه باعتباره عنصرًا قادرًا على بناء الجاهزية المجتمعية ودعم الانتقال، أم أنه جزء من دينامية التعطّل التي تعيق تشكل مسار تحولي مستقر؟

أما الإشكالية الخامسة فترتبط بمدى القابلية المقارنة للنموذج التحليلي الذي يقترحه الكتاب. إذ يثير ذلك سؤالًا مهمًا حول إمكانية تطبيق مفهوم "الانتقال المجتمعي المعطل" على تجارب انتقالية أخرى في العالم العربي، وما إذا كان يحتفظ بقيمته التفسيرية خارج السياق التونسي.

وأخيرًا، تطرح هذه المراجعة سؤالًا يتعلق بموقع هذا العمل داخل المشروع الفكري العام لمولدي قسومي، خصوصًا إذا ما قُرئ في ضوء إصداراته الأخيرة التي تسعى إلى تحليل علاقة المجتمع بالدولة ودور الثقافة السياسية في تشكيل مسارات التحول الاجتماعي والسياسي.

إن معالجة هذه الإشكاليات لا تهدف إلى تقديم عرض تلخيصي لمضامين الكتاب فحسب، بل تسعى إلى فحص بنيته المفاهيمية والمنهجية، وتقييم قدرته التفسيرية، ووضعه ضمن النقاشات الفكرية والسوسيولوجية المتعلقة بمسارات التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية المعاصرة. وبذلك تتحول هذه المراجعة إلى محاولة لقراءة العمل في أفق أوسع يتجاوز حدود الحالة التونسية، ليطرح سؤالًا أعمق يتعلق بشروط الانتقال المجتمعي وإمكاناته وحدوده في السياق العربي الراهن.

في ضوء هذه الخلفية الإبستمولوجية، لا يمكن مقاربة كتاب الانتقال المجتمعي المعطّل باعتباره مجرد توصيف سوسيولوجي لحالة سياسية عابرة في تونس، بل باعتباره محاولة تفسيرية أعمق تروم مساءلة المسار التاريخي الذي جعل المجتمع التونسي عاجزًا عن تحويل لحظة الثورة إلى انتقال مجتمعي مكتمل الشروط.

الأزمة التي تعيشها تونس ليست مجرد أزمة نظام سياسي، بل هي في جوهرها أزمة انتقال مجتمعي لم يكتمل. فالثورة فتحت أفقًا تاريخيًا للتحول، لكنها لم تنجح في تفكيك البنيات العميقة التي تعيد إنتاج السلطوية بأشكال مختلفة. وفي هذا السياق، يصبح مفهوم التعطيل أداة تحليلية لفهم كيف يمكن لمسار تاريخي واعد أن يتحول إلى حالة من التردد والتعثر.
ومن هذا المنظور يطرح الكتاب جملة الإشكاليات النظرية والعملية التي تشكّل الإطار التحليلي لهذه المراجعة.

هذه الإشكاليات مجتمعة هي التي ستوجّه هذه المراجعة، حيث سنسعى إلى تفكيك أطروحات الكتاب، وتحليل بنيته المفهومية والمنهجية، ومقارنته ببعض المقاربات السوسيولوجية والسياسية التي تناولت مسارات الانتقال الديمقراطي في العالم العربي، وذلك بهدف تقييم القيمة العلمية والفكرية لهذا العمل داخل مشروع **المولدي قسومي البحثي الأوسع.

 أولاً ـ الإطار المفهومي: في معنى "الانتقال المجتمعي" وحدود "التعطيل"

يؤسس الباحث المولدي قسومي أطروحته في كتاب الانتقال المجتمعي المعطّل على جهاز مفهومي يسعى من خلاله إلى تجاوز القراءة الاختزالية التي تحصر التحولات السياسية في تونس في مجرد انتقال مؤسسي من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي. فالمؤلف ينطلق من فرضية مركزية مفادها أن ما شهدته تونس بعد الثورة لا يمكن فهمه ضمن مقولات "الانتقال الديمقراطي" بالمعنى الضيق الذي تبلور في أدبيات علم السياسة، بل ينبغي قراءته ضمن أفق أوسع يسميه الانتقال المجتمعي؛ أي ذلك التحول العميق الذي يمس في الآن ذاته بنية الدولة وأنماط السلطة والعلاقات الاجتماعية والثقافة السياسية.

من هذا المنظور، لا يصبح الانتقال مجرد عملية تغيير في قواعد اللعبة السياسية أو في آليات تداول السلطة، بل مسارًا تاريخيًا مركبًا يقتضي إعادة تشكل الحقل السياسي والاجتماعي معًا. فالديمقراطية، في هذا السياق، ليست مجرد منظومة دستورية أو انتخابية، بل تعبير عن تحولات أعمق في بنية المجتمع، تشمل طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وأنماط الشرعية السياسية، والبنية الثقافية التي تؤطر سلوك الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.

غير أن المؤلف يذهب إلى أن هذا الانتقال المجتمعي لم يكتمل، بل تعرّض إلى ما يسميه التعطيل. ويكتسب هذا المفهوم أهمية خاصة في بنية الكتاب، إذ لا يقتصر على توصيف ظرف سياسي طارئ، بل يشير إلى حالة بنيوية من الانقطاع أو التعثر في المسار التاريخي للتحول. فالتعطيل هنا لا يعني مجرد فشل مرحلي في إدارة المرحلة الانتقالية، بل يدل على وجود اختلالات أعمق في البنية السياسية والاجتماعية حالت دون تحول الثورة إلى مسار تاريخي مستقر.

ويكشف تحليل هذا المفهوم أن المؤلف يميل إلى تفسير التعطيل بوصفه نتيجة تفاعل معقد بين عوامل متعددة. فمن جهة، يشير إلى هشاشة النخب السياسية التي لم تتمكن من تحويل لحظة الثورة إلى مشروع تاريخي جامع قادر على بناء توافق وطني حول أسس الدولة الديمقراطية. ومن جهة أخرى، يبرز استمرار تأثير البنيات العميقة للدولة السلطوية التي ورثتها تونس عن مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث ظلت أنماط الحكم المركزية والثقافة السياسية المرتبطة بها حاضرة في مؤسسات الدولة وفي ممارسات الفاعلين السياسيين.

لكن التعطيل، في قراءة المؤلف، لا يرتبط فقط ببنية الدولة أو بأداء النخب السياسية، بل يتصل أيضًا بالبنية الاجتماعية ذاتها. فالمجتمع الذي يفترض أن يكون الحاضنة التاريخية للتحول الديمقراطي لم يشهد بعد التحولات العميقة التي تسمح بتجذر قيم الديمقراطية في الثقافة السياسية وفي الممارسة اليومية. وبذلك يصبح الانتقال السياسي معلقًا بين مؤسسات جديدة لم تترسخ بعد، وبنيات اجتماعية وثقافية قديمة ما تزال فاعلة.

ومن هنا تبرز إحدى الأفكار المركزية في الكتاب، وهي أن الأزمة التي تعيشها تونس ليست مجرد أزمة نظام سياسي، بل هي في جوهرها أزمة انتقال مجتمعي لم يكتمل. فالثورة فتحت أفقًا تاريخيًا للتحول، لكنها لم تنجح في تفكيك البنيات العميقة التي تعيد إنتاج السلطوية بأشكال مختلفة. وفي هذا السياق، يصبح مفهوم التعطيل أداة تحليلية لفهم كيف يمكن لمسار تاريخي واعد أن يتحول إلى حالة من التردد والتعثر.

غير أن أهمية الجهاز المفهومي الذي يقترحه المؤلف لا تكمن فقط في تفسير الحالة التونسية، بل أيضًا في محاولته إعادة طرح سؤال الانتقال في المجتمعات العربية من زاوية مختلفة. فبدل التركيز على المؤسسات السياسية وحدها، يدعو إلى مقاربة أوسع تأخذ في الاعتبار التفاعلات المعقدة بين الدولة والمجتمع والثقافة السياسية. وهو ما يجعل مفهوم الانتقال المجتمعي أفقًا تحليليًا يسمح بفهم أعمق لتعثر التحولات الديمقراطية في المنطقة.

ومع ذلك، يثير هذا الطرح بدوره جملة من الأسئلة النقدية التي تستحق النقاش. فإلى أي مدى يمكن التمييز بوضوح بين الانتقال السياسي والانتقال المجتمعي؟ وهل يملك مفهوم التعطيل قوة تفسيرية كافية لفهم تعثر التجربة التونسية، أم أنه يظل توصيفًا عامًا قد يحتاج إلى مزيد من التحديد النظري؟ هذه الأسئلة ستظل حاضرة في بقية هذه المراجعة، حيث سنحاول اختبار مدى قدرة الإطار المفهومي الذي يقترحه المؤلف على تفسير التحولات التي عرفتها تونس في العقد الأخير.

ثانيًا ـ أطروحة الكتاب.. تفسير تعثّر الانتقال المجتمعي

إذا كان الإطار المفهومي الذي يقترحه المؤلف يوسّع مجال تحليل التحول السياسي ليشمل المجتمع بأسره، فإن أطروحة الكتاب تسعى إلى تفسير الكيفية التي تحوّل بها الأفق الثوري الذي فتحته أحداث 2011 في تونس إلى مسار متعثر لم ينجح في إنتاج انتقال مجتمعي مكتمل. فبالنسبة إلى الباحث المولدي قسومي، لا يمكن فهم هذا التعثر بالاعتماد على تفسير أحادي يختزل الأزمة في خطأ سياسي أو في صراع حزبي عابر، بل ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة تفاعل بنيوي بين عدة مستويات: الدولة، النخب، والمجتمع.

ينطلق المؤلف من فرضية مفادها أن الثورة التونسية فتحت بالفعل أفقًا تاريخيًا جديدًا، لكنها لم تتمكن من تفكيك البنيات العميقة التي حكمت علاقة الدولة بالمجتمع منذ تشكّل الدولة الوطنية الحديثة. فالدولة التي نشأت بعد الاستقلال قامت على نموذج مركزي قوي يقوم على احتكار المجال السياسي وإدارة المجتمع من أعلى، وهو نموذج لم يتم تفكيكه جذريًا بعد الثورة، بل أعيد إنتاجه بدرجات متفاوتة داخل المؤسسات الجديدة.

في هذا السياق، يرى المؤلف أن أحد أسباب تعثّر الانتقال يكمن في استمرار منطق الدولة السلطوية داخل بنية الدولة نفسها. فالمؤسسات التي يفترض أن تؤسس لنظام ديمقراطي ظلت تعمل في كثير من الأحيان وفق قواعد ثقافية وإدارية موروثة من النظام السابق، وهو ما جعل عملية التحول تبدو وكأنها انتقال شكلي في البنية المؤسسية دون تحول حقيقي في منطق السلطة.

لكن الكتاب لا يكتفي بإرجاع التعطيل إلى بنية الدولة وحدها، بل يسلط الضوء أيضًا على دور النخب السياسية في إدارة المرحلة الانتقالية. فالنخب التي تصدرت المشهد بعد الثورة، بحسب قراءة المؤلف، لم تتمكن من بناء توافق تاريخي مستقر حول مشروع وطني جامع، بل انخرطت في صراعات إيديولوجية وسياسية حدّت من قدرتها على صياغة رؤية مشتركة لمستقبل الدولة والمجتمع. وبدل أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى لحظة تأسيسية لإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية، تحولت إلى ساحة تنافس سياسي حاد غذّى حالة الاستقطاب وأضعف المؤسسات الناشئة.

غير أن المؤلف يذهب أبعد من ذلك حين يشير إلى أن أزمة الانتقال لا تتعلق فقط بالدولة أو بالنخب، بل تمتد إلى مستوى البنية الاجتماعية ذاتها. فالمجتمع الذي يفترض أن يكون الحامل التاريخي للتحول الديمقراطي لم يشهد بعد التحولات العميقة التي تسمح بتجذر قيم الديمقراطية في الثقافة السياسية وفي الممارسة الاجتماعية. وبهذا المعنى، فإن الانتقال السياسي ظل في كثير من جوانبه انتقالًا "فوقيًا" لم يواكبه تحول اجتماعي وثقافي يرسخ قيم المشاركة السياسية والتعددية.

ومن خلال هذا التحليل المتعدد المستويات، يسعى المؤلف إلى بناء تفسير مركب لتعطل الانتقال المجتمعي، يقوم على فكرة أن التحول الديمقراطي لا يمكن أن ينجح إذا بقي محصورًا في مستوى المؤسسات السياسية دون أن يمتد إلى المجتمع ذاته. فالديمقراطية ليست مجرد قواعد دستورية، بل هي أيضًا ثقافة سياسية وبنية اجتماعية قادرة على إنتاج فاعلين يؤمنون بقيمها ويمارسونها.

النخب التي تصدرت المشهد بعد الثورة، بحسب قراءة المؤلف، لم تتمكن من بناء توافق تاريخي مستقر حول مشروع وطني جامع، بل انخرطت في صراعات إيديولوجية وسياسية حدّت من قدرتها على صياغة رؤية مشتركة لمستقبل الدولة والمجتمع. وبدل أن تتحول المرحلة الانتقالية إلى لحظة تأسيسية لإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية، تحولت إلى ساحة تنافس سياسي حاد غذّى حالة الاستقطاب وأضعف المؤسسات الناشئة.
في هذا الإطار، يقدم الكتاب قراءة ترى أن الأزمة التي عرفتها تونس في السنوات الأخيرة ليست مجرد أزمة سياسية ظرفية، بل تعبير عن توتر أعمق بين تطلعات الثورة والبنيات التاريخية للدولة والمجتمع. فالثورة فتحت إمكانية تاريخية للتحول، لكنها اصطدمت بحدود الواقع الاجتماعي والسياسي الذي لم يكن مستعدًا بالكامل لاحتضان هذا التحول.

غير أن هذه الأطروحة، رغم قوتها التفسيرية، تطرح بدورها جملة من التساؤلات النقدية. فإلى أي مدى يمكن القول إن تعطل الانتقال يعود أساسًا إلى العوامل الداخلية التي يركز عليها المؤلف؟ وهل يمكن فهم مسار التحول في تونس دون أخذ العوامل الإقليمية والدولية بعين الاعتبار؟ كما يظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كان مفهوم "التعطيل" يعكس بالفعل حالة بنيوية مستقرة، أم أنه يصف مرحلة انتقالية قد تكون بطبيعتها مليئة بالتردد والارتباك.

هذه الأسئلة تمهّد للانتقال إلى تحليل منهجية الكتاب وأدواته التحليلية، وذلك من أجل تقييم مدى قدرة المقاربة التي يعتمدها المؤلف على تفسير تعقيدات التجربة التونسية في العقد الأخير.

ثالثًا ـ الدولة والمجتمع.. البنيات العميقة لتعثر الانتقال

من أبرز الإسهامات التحليلية التي يقترحها الباحث المولدي قسومي في كتاب الانتقال المجتمعي المعطّل محاولته تفسير تعثر التحول الديمقراطي في تونس من خلال العودة إلى البنيات العميقة التي تشكلت داخل الدولة والمجتمع عبر مسار تاريخي طويل. فالمؤلف لا ينظر إلى الأزمة الراهنة بوصفها مجرد تعثر سياسي ظرفي، بل يربطها ببنية الدولة الوطنية الحديثة وبطبيعة العلاقة التي نسجتها هذه الدولة مع المجتمع منذ مرحلة ما بعد الاستقلال.

في هذا السياق، يذهب المؤلف إلى أن الدولة التونسية تشكلت تاريخيًا وفق نموذج مركزي قوي يقوم على احتكار المجال السياسي والإداري، حيث اضطلعت الدولة بدور الموجه الرئيسي للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وقد سمح هذا النموذج للدولة بأن تلعب دورًا تحديثيًا مهمًا في مراحل معينة من تاريخها، لكنه في المقابل أرسى نمطًا من العلاقة العمودية بين السلطة والمجتمع، يقوم على إدارة المجتمع من أعلى بدل إشراكه في صنع القرار السياسي.

هذه البنية المركزية للدولة، التي تعززت خلال العقود التي سبقت الثورة، لم تتعرض بعد سنة 2011 لعملية تفكيك حقيقية. فالثورة، رغم ما فتحته من أفق سياسي جديد، لم تؤدِّ إلى إعادة صياغة جذرية لطبيعة الدولة أو لآليات اشتغالها. ونتيجة لذلك بقيت العديد من المؤسسات تعمل وفق منطق إداري وسياسي موروث من المرحلة السلطوية، وهو ما جعل عملية الانتقال تبدو وكأنها انتقال في القواعد الدستورية دون أن يصاحبه تحول عميق في بنية السلطة ذاتها.

غير أن المؤلف لا يحمّل الدولة وحدها مسؤولية هذا التعثر، بل يوسع دائرة التحليل لتشمل البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع التونسي. فالمجتمع الذي يفترض أن يكون الحامل التاريخي للمشروع الديمقراطي لم يشهد بعد التحولات العميقة التي تسمح بتجذر ثقافة المشاركة السياسية والتعددية. فالكثير من أنماط التفكير والسلوك السياسي ظلت مشدودة إلى ثقافة سياسية تقليدية ترى في الدولة مركز السلطة والضامن الوحيد للاستقرار.

ومن هنا يبرز أحد المفاهيم الضمنية التي تحضر في تحليل المؤلف، وهو التوتر القائم بين التحول السياسي السريع الذي أحدثته الثورة وبين الإيقاع البطيء للتحول الاجتماعي. فالثورات السياسية قد تفتح المجال لتغيير المؤسسات في وقت قصير، لكنها لا تستطيع في المدى القريب أن تغيّر البنيات الاجتماعية والثقافية التي تشكلت عبر عقود طويلة. وهذا التفاوت بين سرعة التحول السياسي وبطء التحول الاجتماعي يمكن أن يخلق حالة من عدم التوازن تجعل الانتقال عرضة للتعثر.

كما يشير المؤلف إلى أن المجتمع التونسي عرف خلال المرحلة الانتقالية نوعًا من الاستقطاب السياسي والإيديولوجي الذي أعاق بناء توافق وطني واسع حول قواعد اللعبة الديمقراطية. فبدل أن تتحول الثورة إلى لحظة تأسيسية لإعادة بناء العقد الاجتماعي، أصبحت ساحة صراع بين رؤى متباينة حول هوية الدولة وطبيعة النظام السياسي.

وفي هذا السياق، يصبح تعطل الانتقال المجتمعي نتيجة لتفاعل معقد بين بنية دولة لم تتحول بالكامل بعد الثورة، ومجتمع لم ينجز بعد التحولات الثقافية والاجتماعية الضرورية لترسيخ الديمقراطية. فالديمقراطية، كما يوحي تحليل المؤلف، لا يمكن أن تُفرض فقط عبر النصوص الدستورية والمؤسسات السياسية، بل تحتاج إلى قاعدة اجتماعية وثقافية قادرة على حمايتها وإعادة إنتاجها في الممارسة اليومية.

ومن خلال هذا التحليل البنيوي، يحاول الكتاب أن يضع التجربة التونسية ضمن إشكالية أوسع تتعلق بمسارات التحول في المجتمعات التي عرفت تاريخيًا حضور دولة مركزية قوية. ففي مثل هذه الحالات، قد يفتح التغيير السياسي الباب أمام إمكانات ديمقراطية جديدة، لكنه يظل مهددًا بالانتكاس إذا لم يصاحبه تحول أعمق في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

ومع ذلك، يظل السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا التفسير البنيوي كافيًا لفهم جميع أبعاد الأزمة التونسية. فتركيز التحليل على العوامل الداخلية قد يحجب في بعض الأحيان دور السياقات الإقليمية والدولية التي أثرت بدورها في مسار التحول. وهو ما يستدعي، في سياق هذه المراجعة، النظر أيضًا في المنهجية التي يعتمدها المؤلف وفي الأدوات التحليلية التي يوظفها لفهم هذه الظاهرة المركبة.