نهاية الدولة أم نهاية الفكرة؟ إيلان بابيه وتشريح أزمة المشروع الصهيوني

يجب على الشمال العالمي، الذي سهّلت حكوماته حتى الآن التوسع الإسرائيلي السافر، تغيير طريقة تفكيره وممارسته السياسة، والدفاع عن العدالة الاقتصادية والاجتماعية الجذرية.
في سبتمبر 2025، صدر عن دار وان وورلد للنشر في بريطانيا هذا الكتاب المهم للمؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، وعنوانه: "إسرائيل على حافة الهاوية: الثورات الثمانية التي قد تقود إلى إنهاء وجودها"، والذي يطرح قراءة مهمة عن مستقبل الصراع ووجود الكيان، ويجيب على أسئلة مهمة تعتمل في عقول الكثير.

هل حان الوقت للحديث عن نهاية إسرائيل؟

قد يكون الطريق إلى سقوط دولة على حافة الانهيار قصيرًا. ولكن الدول لا تنتهي بسهولة؛ ولكنها في أغلب الأحيان تتغير بشكلٍ جذري. وهناك أمثلة قليلة لدولٍ اختفت تمامًا مثل يوغوسلافيا وفيتنام الجنوبية. وقد يشير انهيار دولة ما إلى سقوط نظام الحكم فيها، مثل: جنوب أفريقيا، تشيلي، الأرجنتين، والعراق. ولذلك، فإن سقوط إسرائيل حال حدوثه، قد يكون أشبه بسقوط فيتنام الجنوبية، أي زوال دولة بأكملها؛ أو كسقوط جنوب أفريقيا، أي هزيمة نظام أيديولوجي محدد واستبداله بنظام آخر. وفي كلا الاحتمالين، ستتبلور عناصر بأسرع بكثير مما نتصور أو نتوقع.

وقد أثار هجوم السابع من أكتوبر شكوكًا جدية حول مستقبل الدولة اليهودية. فقد برز إجماعٌ بين الحلفاء والخصوم أن وجود إسرائيل لم يكن يوماً بهذا القدر من الهشاشة بعد الانهيار الاجتماعي الذي هزّها من الداخل، حين انتُخبت الحكومة الأكثر يمينية في تاريخها. ويبدو أن المحاولة الغربية لفرض دولة يهودية، والتي استمرت قرنًا من الزمان، تقترب من نهايتها.

وقد نجحت هذه المحاولة في خلق مجتمع من ملايين المستوطنين، كثير منهم الآن من الجيل الثاني أو الثالث؛ لكن مصيرهم معلق على قدرتهم على فرض إرادتهم بالقوة والعنف على الفلسطينيين، الذين يتألفون أيضًا من ملايين لم يتخلوا قط عن حقهم في تقرير المصير والحرية في فلسطين حرة ومتحررة من الاستعمار.

المنطقة في حالة سيولة وتشكل

يرى بابيه أن هناك دلائل تشير إلى أن زوال إسرائيل ربما يكون قد بدأ بالفعل. وانهيار أي دولة أو تفكك نظام جيوسياسي يخلق فراغًا. وسيستمر النقاش حول أسباب الانهيار الظروف التي قد تؤدي إليه، ومن الذي يمكنه، أو ينبغي له، أن يملأ هذا الفراغ الحتمي. وكلما كان الملأ سريعًا، قلّت حدة عملية التفكك. ولا بد من تقييم تداعيات هذه الأحداث المستقبلية تقييمًا سليمًا على المنطقة بأسرها التي تمر بتحولات عميقة، فقد تفككت سوريا بالفعل، ودخل لبنان في خانة الدول الفاشلة، وهناك اضطرابات في العراق واليمن والسودان وليبيا. وهناك تساؤلات حول دور المجتمع الدولي، ومجتمعات اللاجئين الفلسطينيين، والمجتمعات اليهودية في العالم. وكذلك، مواقف القوى الخفية  كالشركات متعددة الجنسيات وتجارة الأسلحة وقطاع الأمن.

نهاية إسرائيل هي نهاية كل مشروع استعماري

ويذهب بابيه إلى أن نهاية إسرائيل تشبه إنهاء الحالات الاستعمارية من قبل، والتي اتسمت بسلسلةٍ من التحولات العنيفة والوحشية. ويُقدّم التاريخ أمثلةً عديدةً منها، والتي أسفرت، على أقل تقدير، عن إرساء أنظمة ظلم جديدة. وإنه لمن السذاجة تخيّل تحوّلٍ مفاجئ وسعيد للمشروع الصهيوني أو لإسرائيل، أي الانتقال من أرض الاحتلال والقمع والإبادة الجماعية، إلى بلدٍ تُكفل فيه الحريات، وتتحقق العدالة المُنصِفة لمن عانوا من مظالم الماضي. لذلك، من المهم العمل على تحقيق انتقالٍ سلمي قدر الإمكان نحو مستقبلٍ واعدٍ وبنّاءٍ لأكبر عددٍ من الناس. وهذا ضروريٌّ لضحايا القمع وإراقة الدماء، ولمن يخشون أن يتحولوا إلى ضحايا بعد أن كانوا في قمة الظلم.

هناك نكتة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بأن "الجيش الإسرائيلي لم يتعود على قتال من يقاوم". وفيها شيء من الصحة. إذ قبل حرب غزة، شنت إسرائيل غارات عديدة في الضفة الغربية استهدفت مقاتلين من كتائب جنين. واحتاجت إلى ألف جندي من وحدات النخبة، و150 مركبة مدرعة، وعشر غارات جوية. وهذه الأعداد الهائلة لمثل هذه العملية المحدودة تُثير شكوكًا جدية حول قدرة إسرائيل على إدارة مواجهة عسكرية حقيقية، وتعكس أن قواتها غير مدربة على الحرب.
من السهل جدًا تأليف كتاب يتضمن تنبؤات كارثية عن مكان مثل إسرائيل وفلسطين. فلأكثر من قرن، دأبت اليهودية المسيانية والإنجيلية المسيحية في أمريكا على إنتاج هذه الأدبيات مؤملين أن تُشعل الأحداث في فلسطين فتيل نهاية الزمان، وتمهد الطريق لمجيء المخلص. لذا، اعتبر البعض حرب غزة مقدمةً لمعركة هرمجدون. ولكن، يمكن تجاوز هذه الرؤى عبر تقديم تقييم أكثر تفاؤلًا لما يبدو أنه تفكك حتمي وفوضوي وعنيف للدولة اليهودية. ويجب التركيز على أمل في مستقبل أفضل لسكان فلسطين التاريخية.

السؤال الذي يجب طرحه

ويرى بابيه أن السؤال ليس ما إذا كان المبنى سينهار، بل متى ينهار؟ وبغض النظر عن موعد حدوثه، فهناك عدد من القضايا يجب معالجتها لضمان ألا يؤدي هذا الانهيار إلى فراغ فوضوي؛ وإنما لإفساح المجال لبناء شيء أفضل يرحب بجميع سكان فلسطين الحاليين، ومن طُردوا منها. أساس مبني على أساس المساواة والعدالة. وقد وضعت أحداث السابع من أكتوبر 2023 واقع إسرائيل وفلسطين تحت منظور جديد. إذ يبدو أن كل فعل ورد فعل قد تصاعد إلى مستويات غير مسبوقة، سواء مظاهر التضامن مع فلسطين من قِبل المجتمع المدني الدولي، أو مخاوف معاداة السامية، أو التخوف من أشكال جديدة من الإمبريالية الغربية، أو صعود الأصولية اليهودية.

وما يثير الدهشة قلة تأثير ما يصفه بابيه بأحداث جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي تُبث يومياً للعالم وتتجاهلها الحكومات الغربية، وتمتع إسرائيل بحصانة غير مسبوقة من أي تداعيات جوهرية لهذه الأحداث.

أكذوبة السلام ومفاوضاته التي لا تنتهي

لقد فشلت "عملية تحقيق السلام في فلسطين والحفاظ على حقوق الفلسطينيين" في تحقيق أي حل، وفشلت في تطبيق القرارات الدولية سواء من عصبة الأمم أو الأمم المتحدة وكان نتيجتها ابتلاع فلسطين التاريخية على مرحلتين في 1948 و1967، وتحول غالبية الشعب الفلسطيني إلى لاجئين. ولم يتم إنشاء دولة فلسطينية مستقلة. همّشت إداراتها المتعاقبة، منذ عام ١٩٦٧، بموافقة تامة من وزارة الخارجية وتحت رقابة الكونغرس المؤيد لإسرائيل، أي جهات فاعلة أخرى، إقليمية أو عالمية، قد ترغب في لعب دور الوسيط.

وكان المبدأ الأول لعملية السلام الأمريكية هو أنه في كل مرة تُستأنف فيها المفاوضات، تُعتبر بمثابة بدء من الصفر. واعتبرت "عملية السلام" الواقع الذي صنعته إسرائيل على الأرض منذ المبادرة السابقة حقيقة ثابتة لا تتغير. ولذلك، لم يكن لدى إسرائيل أي حافز للاستجابة للمطالب. وكان يُنظر دائمًا إلى التاريخ الطويل للصراع على أنه غير ذي صلة بالمفاوضات. وطبقت أمريكا استراتيجيات الإدارة التجارية على صراع جيوسياسي. لذا، كان المستفيد الوحيد هو إسرائيل. صارت المستوطنات غير قابلة للتراجع. واُستبعد أي نقاش حول التطهير العرقي وحق عودة اللاجئين، وضم القدس الشرقية، وحقوق فلسطينيي الداخل.

لماذا كانت المقاومة؟

منحت "عملية السلام" إسرائيل حصانة دولية، وجعلت الاحتلال واقعًا دائمًا. وعانى الفلسطينيون من سلسلة من القوانين التمييزية والظلم البنيوي والفصل العنصري الواقعي. واستقرت أجيال عديدة من المستوطنين بشكل غير قانوني. وقامت دوريات منهم، تُعرف ب"شباب التلال"، بترهيب الفلسطينيين بلا هوادة بموافقة ضمنية من الجيش الإسرائيلي. وأصبحت هذه الدوريات طليعة الحركة الصهيونية الدينية التي نمت لتصبح قوة سياسية لا يُستهان بها. ولم يزد وضع الفلسطينيين إلا سوءًا.

وفي ظل عالمٌ لا يُبالي، برز إجماع في إسرائيل على أن الوضع الراهن هو الخيار الأمثل لها: أقلية فلسطينية مُستضعفة داخل إسرائيل لها نفوذ سياسي محدود؛ وضفة غربية تديرها السلطة الفلسطينية نيابةً عنها، وغزة الواقعة تحت الحصار والردع العسكري. وأصبح حل الدولتين جثة هامدة. وبات الإجماع في إسرائيل على إخضاع الشعب للأمر الواقع ولو بالقوة. وأقر الكنيست بأغلبية ساحقة عام ٢٠١٨: "إسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي"، وهو ما يرى بابيه أنه يجعل حل الدولتين أو الدولة الديمقراطية ثنائية القومية بالغ الصعوبة، ويكرس واقعاً يصفه بالفصل العنصري.

إذن، أثبتت "عمليات السلام" أنها مهزلة استغلتها إسرائيل ببراعة لتطبيع الاحتلال وكسب الوقت لبناء المزيد من المستوطنات وترسيخ وجودها في الأراضي الفلسطينية. ولم يكن أمام الفلسطينيين إلا المقاومة بعد أن أدى جمود التقدم الذي أحرزه القادة السياسيون الفلسطينيون وحركات المقاومة العلمانية إلى دفع شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني للبحث عن استراتيجيات بديلة، فاتجهوا إلى الجماعات المسلحة الإسلامية التي بدت ملتزمة بتحقيق التحرير. وجاء السابع من أكتوبر ليكشف عن تصدعات تتسع باستمرار في أسس إسرائيل، وتهدد استقرارها ، وتُبقي مستقبلها غامضاً، إذ لا يمكنها الاستمرار على هذا المنوال.

الصدوع القاتلة لإسرائيل والصهيونية

ويرى بابيه أن المشروع الصهيوني ينهار، وتنهار معه إسرائيل. وليس هذا مجرد أمنيات، أو أسوأ سيناريو محتمل؛ بل يعتقد أنه مسار حتمي بدأ يتشكل بالفعل. فأُسس إسرائيل الصهيونية متصدعة بشدة لدرجة يصعب إصلاحها:

1 ـ سيطرة اليمين المتطرف على إسرائيل:

يوجد بإسرائيل دولتان: "دولة يهوذا" دولة اليمين المتطرف؛ و"دولة إسرائيل" دولة التيار الليبرالي والعلماني. "دولة يهوذا" هي التيار السائد اليوم، ومشروعها: إسرائيل الكبرى الأكثر تدينًا والمحكومة دينيًا. وتمارس سياسة وحشية في الضفة الغربية لإزالة الطابع العربي عنها. وتكررت اقتحاماتها للأقصى لإشعال حرب شاملة في المنطقة، تصل ذروتها ببناء الهيكل الثالث على أنقاضه. وعقب انتخابات 2022، ساعد حزبان متطرفان نتنياهو في تشكيل حكومة ضمت اثنين من ممثليهما: بن غفير وزير الأمن القومي، وسموتريتش وزير المالية والمسؤول عن الضفة الغربية في وزارة الدفاع. وبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، لعب كلاهما دورًا محوريًا قي الأحداث، وارتكب أتباعهما هجمات مروعة ضد الفلسطينيين في الضفة.

وفي إسرائيل، تعرّض فلسطينيون لحزمة جديدة من التشريعات التمييزية، واحتُجزوا لأسباب بريئة كنشر آيات قرآنية على التواصل الاجتماعي. وإذا هيمنت هذه الدولة، فلن يقتصر ضحاياها على الفلسطينين، بل سيعاني منها يهود "دولة إسرائيل"، الذين تعتبرهم عدو يجب محاربته. لذا، فهي قنبلة موقوتة حقيقية ستقوِّض أي محاولة لتوحيد المجتمع الإسرائيلي وتقويته. وتستمر هذه الانقسامات في الاتساع. وهناك صراع وجودي بين الدولتين حول ماهية الدولة اليهودية. ولا يجمعهما إلا حقيقة أنه إذا انفصلا، فلن تحافظ إسرائيل على وجودها كدولة يهودية. والقاسم المشترك بينهما هو دفاعهما عن نظام يُجرّد الشعب الفلسطيني من إنسانيته، ويحرمه من أبسط حقوقه.

وأصبحت المعركة الداخلية بينهما من أجل مستقبل إسرائيل أكثر مرارة من أي وقت مضى. وتواجه "دولة يهوذا" مشكلة أن النخب التكنولوجية والمالية التي يعتمد عليها ازدهار إسرائيل تنتمي في معظمها إلى "دولة إسرائيل". ومع تزايد أعداد المغادرين بحثًا عن حياة أفضل، خاصة مع حرب غزة، سيتضرر الاقتصاد، وستزيد حدة الاستقطاب الاجتماعي. وستُمهد هذه الهجرة الطريق إلى مزيد من الانتصارات الانتخابية لدولة يهودا، والهيمنة على أي حكومة جديدة. ويبدو أن "دولة يهودا" هي الآن في موقع قوة؛ لكنها تفتقر حس استراتيجي سليم وإلى القدرات الاقتصادية والعسكرية اللازمة لضمان بقاء إسرائيل.

2 ـ الدعم العالمي غير المسبوق للقضية الفلسطينية:

تظاهر ملايين الأشخاص من مختلف أنحاء العالم للمطالبة بإنهاء حرب إسرائيل في فلسطين، ودعا كثيرون إلى مقاطعة إسرائيل ومعاملتها كدولة منبوذة حتى تُفكك نظام الفصل العنصري الذي تمارسه. ويسعى الحراك المدني العالمي إلى تطبيق الاستراتيجيات نفسها التي استُخدمت لإنهاء الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. وهذا التحول كان متوقعًا منذ زمن. فقد صدمت وحشية السياسة الإسرائيلية وشجاعة الشباب الفلسطيني مما ساهم في توضيح أن الشعب الفلسطيني ضحية للاحتلال الإسرائيلي.

ومع تعثر جهود السلام، أدرك العالم أن الطرف المتعنت هو إسرائيل وأن قطاعات رئيسية في الحكومة الإسرائيلية لا ترغب في معالجة قضايا الصراع بغض النظر عما يمليه القانون الدولي أو العدالة الأساسية. وكشفت وسائل التواصل الاجتماعي حقائق ما كانت لتتصدر عناوين الصحف الغربية. وكان ظهور حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) علامة فارقة في هذا التحول. والأمر مسألة وقت فقط قبل أن يجبر المجتمع المدني الحكومات على فرض عقوبات. واتخذت دول الجنوب العالمي بعض الخطوات في هذا الاتجاه مع الحرب الإسرائيلية على غزة. ولذلك، فإنّ النظرة المتزايدة لإسرائيل كدولة منبوذة تؤثر على شرعيتها الأخلاقية، وتمتدّ لتشمل قطاعاتها الصناعية وتجارة الأسلحة. وسيُنظر إليها كدولة فاسدة تُحتقر من الحكومات والمؤسسات في جميع أنحاء العالم. ويُظهر المجتمع المدني أنه لا يريد لحكوماته أن تكون متواطئة فيما يصفه كثير من الناشطين والمنظمات الحقوقية بالإبادة الجماعية.

3 ـ تدهور الرابطة بين الصهيونية والشتات اليهودي:

كانت الجالية اليهودية الأمريكية هي معقل إسرائيل. ولكن بعد السابع من أكتوبر: تُعدّ المشاركة البارزة لليهود الأمريكيين في الاحتجاجات ضدها مؤشراً قوياً للمستقبل. وبات العديد من الشباب اليهود لا يعتبرون دعمها جزءاً أساسياً من هويتهم، وقد تتحوّل لامبالاتهم تجاه الصهيونية إلى قرار واعٍ قاطع برفضها. وتوجد الآن اختلافات جيلية هائلة في المواقف تجاه إسرائيل والصهيونية. فالمواقف الراديكالية المعادية للصهيونية هي سمة جيل الألفية وجيل زد.

وإذا نأى عدد كافٍ من يهود الولايات المتحدة والعالم بأنفسهم عن إسرائيل، فإن ذلك سيزيد من تقويض شرعيتها على الساحة الدولية. وسيقع الضغط من أجلها داخل الولايات المتحدة على عاتق الصهيونية المسيحية واليمين المتطرف الجمهوري. أما في بقية العالم، فسيتعين عليها الاعتماد على الأحزاب اليمنية والحركات الفاشية، مما يقوّض الأسس الأخلاقية للصهيونية التي تفتخر بتحرير شعبٍ عانى من الظلم والاضطهاد. وسيكون لها تداعيات على تحالفاتها وسيُهدد مكانتها كوطنٍ وملاذٍ لليهود في العالم.

4 ـ التدهور الحتمي في الاقتصاد الإسرائيلي:

تفاخر إسرائيل بكونها دولة متقدمة. وفي يوليو 2024، سجلت خامس أدنى معدل بطالة بين دول منظمة التعاون الاقتصادي. ومع ذلك، هناك فجوة بين: الثراء والفقر، ومتوسط مستويات المعيشة، ومن هم دون خط الفقر، والبطالة لفترة طويلة. ووفقًا لهذه المقاييس، تعاني إسرائيل تُعاني من إخفاق. إذ يعيش أكثر من 20% من سكانها تحت خط الفقر، وتُعدّ أقل دول العالم مساواةً، وتواجه أزمة سكن حادة. وفي الربع الأخير من 2023، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 19.4%، ويُشكّل ضخّ جزء كبير من ثروة إسرائيل في الجيش عبئًا مُستمرًا يُعيق نمو القطاعات الأخرى. ونتيجة النفقات الهائلة اللازمة لاستمرار الحرب، فإن المساعدات المالية الأمريكية السخية غير كافية لسد العجز. ومع تلاشى الاستثمارات الأجنبية، وهجرة النخب الثرية، والحرب التي تستنزف الموارد، قد يؤدي أي شيء إلى زعزعة استقرار الاقتصاد الإسرائيلي ودفعه إلى الهاوية.

5 ـ أكذوبة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر:

هناك نكتة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي بأن "الجيش الإسرائيلي لم يتعود على قتال من يقاوم". وفيها شيء من الصحة. إذ قبل حرب غزة، شنت إسرائيل غارات عديدة في الضفة الغربية استهدفت مقاتلين من كتائب جنين. واحتاجت إلى ألف جندي من وحدات النخبة، و150 مركبة مدرعة، وعشر غارات جوية. وهذه الأعداد الهائلة لمثل هذه العملية المحدودة تُثير شكوكًا جدية حول قدرة إسرائيل على إدارة مواجهة عسكرية حقيقية، وتعكس أن قواتها غير مدربة على الحرب.

ورغم تدميرها لقطاع غزة، فلم تتمكن من هزيمة حماس. وعندما اخترقت حماس غلاف غزة في صباح السابع من أكتوبر، استغرق الجيش، الذي يُفترض أنه من أفضل جيوش العالم تدريبًا وتسليحًا، سبع ساعات للوصول إلى المستوطنات والقواعد الحدودية. واستغرق أيامًا لتطهير المنطقة المحيطة بغزة من مقاتلي حماس. وتساءل الكثيرون كيف كان سيتصرف لو نسّقت حماس مع حزب الله؟! واشتكى المستوطنون من أن الجيش تركهم يواجهون مصيرهم. ولا يزال العديد ممن أُجبروا على الإخلاء يعيشون كلاجئين في ظل مستقبل غامض.

لقد وضعت إسرائيل ثقتها الكاملة في تكنولوجيتها، وتحول جيشها إلى قوة شرطة في الضفة، ودعم نظامًا قمعيًا ووحشيًا للغاية في الأراضي المحتلة لعقود طويلة. ويبدو أنه يواجه صعوبة حتى في مواجهة المقاتلين الذين يستخدمون أسلحة قديمة أو محلية الصنع. ولم يعد الإسرائيليون يعتقدون أن جيشهم قادر على ضمان أمنهم. ويتساءل حلفاء إسرائيل، كالولايات المتحدة، عن سبب عجزها عن الدفاع عن نفسها.

6 ـ عدم آداء الدولة الإسرائيلية لدورها:

قبل أكثر من عقد، تعاني إسرائيل من أزمة حقيقية. ولدى كل إسرائيلي تقريباً سبب وجيه للتساؤل: أين الدولة؟! واكتسب هذا السؤال أهمية بالغة بعد السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023، إذ تكبّدت إسرائيل خسائر بشرية لم تكن لتخطر على بال. ولم تُبدِ الوزارات ولا أجهزة الدولة استجابة تُذكر للآلاف الذين طلبوا المساعدة. واضطر عشرات الآلاف إلى إجلاء أنفسهم من حدود إسرائيل مع لبنان وغزة، وعجزت الحكومة عن وضع خطة عملية لتوفير السكن والتعليم والعمل لهم على المدى الطويل. وكشفت عملية النزوح عن مدى سوء معاملة إسرائيل للمجتمعات الحدودية لعقود. وتجلى للعيان فشلها في دعم مواطنيها. لذا، يكمن الجواب على سؤال أين الدولة؟ في جهاز الخدمة المدنية المُسيّس، حيث تُمنح التعيينات كمكافأة على المجاملة السياسية، وتخضع لإشراف وزارات تُهيمن فيها الخطابات الرنانة على جميع الاعتبارات الأخرى، مما يُزيد من توتر النسيج الاجتماعي إلى أقصى حد. وبعد فشل الغزو البري لغزة والحرب في لبنان في تحقيق إنجاز يُذكر. فإن النية المعلنة للقضاء على حماس بعيدة المنال. ومن غير المرجح أن يتحمل الإسرائيليون المصاعب التي تفرضها دولة لا تملك خطة لكسب الحرب، أو حتى إنهائها.

الصدع السابع.. صمود الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه:

أثبت الشعب الفلسطيني صموده ضد محاولات تهجيره والاستيلاء على أرضه. وثار للمطالبة بحقوقه. ولا تزال المقاومة الفلسطينية قوة سياسية هائلة. وباءت بالفشل محاولات إسرائيل لتشكيل نخبة فلسطينية تدعم الاحتال وتقمع المقاومة. وإن ما يدفع إلى التفاؤل بالمستقبل هو وجود جيل فلسطيني شاب نابض بالحياة، أكثر وحدة من الأجيال السابقة، وسيؤثر تأثيرًا جوهريًا على السنوات القادمة. وبدلاً من السعي إلى حل الدولتين، كما حاولت السلطة الفلسطينية دون جدوى لعقود، تسعى هذه  الأجيال الشابة والحركات الناشئة إلى حل حقيقي يتمثل في دولة واحدة. فالانهيار لا يؤدي بالضرورة إلى بديل أفضل.

لقد وضعت إسرائيل ثقتها الكاملة في تكنولوجيتها، وتحول جيشها إلى قوة شرطة في الضفة، ودعم نظامًا قمعيًا ووحشيًا للغاية في الأراضي المحتلة لعقود طويلة. ويبدو أنه يواجه صعوبة حتى في مواجهة المقاتلين الذين يستخدمون أسلحة قديمة أو محلية الصنع. ولم يعد الإسرائيليون يعتقدون أن جيشهم قادر على ضمان أمنهم. ويتساءل حلفاء إسرائيل، كالولايات المتحدة، عن سبب عجزها عن الدفاع عن نفسها.
يتساءل كثيرون: هل ستصمد إسرائيل في المستقبل كدولة يهودية؟ يجيب الفلسطينيون ومن يدعم نضالهم بالنفي، على أمل أن تنتهي إسرائيل فعلاً، وتُستبدل بفلسطين حرة. أما عندما يتأمل المجتمع الإسرائيلي في نهاية دولته، فإنه يتصورها كارثةً له وليهود العالم. وهذان الردان العاطفيان يتجاهلان التعقيدات التي ستسبق تلك النهاية. واستنادًا إلى سوابق تاريخية، فإن مثل هذه العمليات قد اتسمت بالعنف الوحشي. وإذا ما كان هذا هو الحال، فإن الشعب الفلسطيني هو من سيدفع الثمن الأكبر. وهذا ليس حتميًا. وإذ أجرينا تحليلًا أكثر دقة لهذا المسار، لأمكننا رسم مساراتٍ مختلفة ـ سلمية أو أقل عنفًا ـ نحو مستقبلٍ أفضل لجميع من يعيشون في فلسطين اليوم، ولجميع اللاجئين منذ عام ١٩٤٨.

حان وقت تفكير استراتيجي جديد من كافة الأطراف

ويرى بابيه أن المشروع الصهيوني غير قابل للاستمرار، ويتجه نحو كارثة، وأن انهياره سيؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء الاستعمار. ونعلم من تجربة القرن العشرين أن الدول التي تنال استقلالها لا تصبح تلقائياً مجتمعات أكثر عدلاً. ولذلك، فقد حانت اللحظة التي تستدعي الاعتراف بفشل المواقف المتخلفة تجاه إسرائيل والصهيونية والمقاومة الفلسطينية وفرص السلام في العالم العربي عموماً.

وهذا يستدعي:

1 ـ أن تقوم جميع الفصائل الفلسطينية، وفلسطينيو 1948، بتبني مناهج استراتيجية جديدة.

2 ـ يجب على حركة التحرير الفلسطينية كبح جماح التاريخ، ومنع كارثة أخرى في فلسطين التاريخية. ويرى بابيه أنه في فلسطين المحررة، يجب إعادة تعريف السكان اليهود كمواطنين متساوين، وإنفاذ حق العودة للاجئين وفق نموذج العدالة التصالحية الذي طبق من قبل في إنهاء الحكم العنصري بجنوب أفريقيا.

3 ـ على المجتمع اليهودي في إسرائيل والعالم أجمع الاعتراف بالفشل وتبني مناهج استراتيجية جديدة. وعليه إعادة تقييم الهوية اليهودية. وكذلك، التواصل مع العالم العربي الذي ينحدر غالبيته منه.

4 ـ يتعين على الجماعات المسيحية التي تتفق لاهوتيًا مع إسرائيل إعادة النظر في موقفها المتبني لها.

5 ـ ويجب على الشمال العالمي، الذي سهّلت حكوماته حتى الآن التوسع الإسرائيلي السافر، تغيير طريقة تفكيره وممارسته السياسة، والدفاع عن العدالة الاقتصادية والاجتماعية الجذرية.

6 ـ وحتى أكثر الجهات وقاحةً، كالمجمع الصناعي العسكري والمؤسسات المالية متعددة الجنسيات، لن تتمكن بعد الآن من الاستمرار وكأن شيئًا لم يتغير.

الخلاصة

يوجز إيلان بابيه كتابه، فيقول: من خلال الكمّ الهائل من القضايا والأسئلة التي طُرحت في هذا الكتاب وتم تجاهلها، يُمكن للجميع معرفة ما يجب عليهم اتخاذه من قرارات، دون الحاجة إلى إلقاء المواعظ على أحد بشأن الموقف الذي ينبغي عليه اتخاذه. لكن الرسالة التي يخلص إليها بابيه واضحة: لم يعد بإمكان أحد ترف التردد.