الكتاب: شيرين أبو عاقلة.. سيرة صحفية:
دراسة في الأساليب المهنية الموظفة في تقارير شيرين أبو عاقلة.
الكاتبان: محمد البقالي وحياة الحريري،
تحرير: محمد خمايسة ومحمد أحداد
الناشر: معهد الجزيرة للإعلام ومؤسسة
ديالكتيك للإعلام البحثي والتدريب، الدوحة - قطر 2023
عدد الصفحات: 154 صفحة
ـ 1 ـ
يمثّل كتاب "شيرين أبو عاقلة... سيرة
صحفية" عملا توثيقيا وتحليلين يغوص في عمق التجربة المهنية لإحدى أبرز
الصحفيات في العالم العربي، شهيد الميكروفون شيرين أبو عاقلة. فيسعى إلى تفكيك
أساليبها الصحفية، وفهم القيم التي حكمت ممارستها الميدانية، خاصة في سياق بالغ
التعقيد كالسياق الفلسطيني.
ينطلق الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن
شيرين أبو عاقلة كانت فاعلة في تشكيل سردية إعلامية مختلفة، تعتمد على القرب من
الإنسان، والالتزام بالحقيقة، والاشتباك المهني مع الواقع دون الوقوع في فخ
الدعاية أو الانحياز الفج. فيطرح سؤالًا
محوريًا: كيف يمكن للصحفي، خاصة إذا كان جزءًا من القضية التي يغطيها، أن يوازن
بين الموضوعية والانخراط؟ وهو سؤال يتجسد بوضوح في التجربة الفلسطينية، أين تتداخل
الأبعاد الإنسانية والسياسية والمهنية بشكل معقد.
ـ 2 ـ
انطلاقا من قناعة مدارها على أنّ الصحافة
"لم تكن بالنسبة لشيرين مجرد مهنة، بل كانت التزامًا أخلاقيًا بنقل الحقيقة
مهما كانت التحديات والظروف"، يحلل الجزء الأول من "شيرين أبو عاقلة...
سيرة صحفية" الذي كُتب بقلم محمد البقّالي، عناصر التجربة الصحفية لشيرين أبو
عاقلة من جهة علاقتها بالمؤسسة وحضور الإنسان في تقاريرها، وأخلاقيات المهنة،
والعمل الميداني، ثم من جهة دور الصحافة في مراقبة السلطة. ومن خلال هذا البناء
يوضح البقالي أن القيم المهنية تُبنى ضمن سياق مؤسساتي يحدد معايير العمل وحدوده. فالعمل
في بيئة مثل فلسطين يضع الصحفي في مواجهة مباشرة مع الاحتلال، مما يجعل الالتزام
بالمعايير المهنية تحديًا يوميًا.
من أبرز ملامح تجربة شيرين: تركيزها على "الإنسان" بوصفه محور القصة الصحفية. فقد كانت تعتمد أسلوبًا يقوم على سرد القضايا الكبرى من خلال تفاصيل صغيرة. وكانت تبني تقاريرها حول شخصيات حقيقية، تروي معاناتها بنفسها.
فمن الصعوبات التي يواجهها الصحفي في مثل
هذه الحالات أن نقله لرواية مغايرة للرواية الرسمية كفيل بأن يضعه في موقع الصدام،
ويعرضه إلى مخاطر ميدانية وضغوط سياسية. فيناقش دور الصحفي بين الناقل المحايد
للمعلومة (أو حارس البوابة بعبارته)، أو الفاعل الاجتماعي الذي يسهم في كشف
الحقيقة والدفاع عنها (المحامي). ويؤكد أن تجربة شيرين تميل إلى الجمع بين
الدورين، فقد حافظت على المهنية، لكنها لم تتخل عن مسؤوليتها الأخلاقية في نقل
معاناة الناس. وهذا ما جعلها نموذجا للإعلامية التي استطاعت التوفيق بين الانتماء
المهني والانتماء الوطني، دون أن تفقد مصداقيتها، وما جعل تجربتها مرجعًا في
الصحافة الميدانية.
ـ 3 ـ
من أبرز ملامح تجربة شيرين: تركيزها على
"الإنسان" بوصفه محور القصة الصحفية. فقد كانت تعتمد أسلوبًا يقوم على
سرد القضايا الكبرى من خلال تفاصيل صغيرة. وكانت تبني تقاريرها حول شخصيات حقيقية،
تروي معاناتها بنفسها. ومن شأن هذا الأسلوب أن يمنح القصة بعدًا إنسانيًا عميقًا،
ويجعل المشاهد يفهم القضية من خلال تجربة فردية ملموسة، لا عبر أرقام مجردة.
وللصورة والكلمة دور في بناء هذا التأثير، ذلك أنّ تقاريرها كانت تقوم على تكامل
بين التعليق، والصورة، والمقابلات، بحيث تشكل وحدة سردية متماسكة. فيساعد هذا
التكامل على جذب انتباه المشاهد، وتعزيز التعاطف الطبيعي مع الشخصيات.
وتكون القصة الإنسانية عند شيرين مدخلًا
لفهم أبعاد أوسع لحياة الفلسطينيين تحت الاحتلال، مثل الصمود اليومي أو التكيف مع
الظروف. ويصطلح على هذا الأسلوب بـ"ـالصحافة المتعاطفة دون انحياز".
ويعني بذلك أنها كانت تنقل المعاناة بصدق دون أن تحول تقاريرها إلى خطاب دعائي.
فالتعاطف هنا نابع من قوة السرد وواقعية المشهد، وليس من تدخل مباشر من الصحفي.
ـ 4 ـ
يجعل هذه الفكرة مدخلا لطرح الإشكالية
المركزية في العمل الصحفي: أي العلاقة بين الموضوعية والانحياز، خاصة في سياقات
الصراع والقضايا الإنسانية الكبرى. فيطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للصحفي أن يكون
محايدًا تمامًا عندما يغطي واقعًا غير متوازن بين قوة محتلة وشعب واقع تحت
الانتهاك؟ فيفصّل القول، على المستوى النظري على الأقل، بين وظيفتين للصحافة هما:
"الوظيفة العاكسة" التي تكتفي بنقل الواقع كما هو، و"الوظيفة
الفاعلة" التي تسعى إلى التأثير في هذا الواقع وتعمل على كشف اختلالاته.
وينتهي إلى أنه كثيرا ما يحدث تداخل الحدود بين هذين الدورين في الممارسة المهنية.
ولا يمكن بحال لصحفي الميدان في السياق
الفلسطيني، أن يكون مجرد مسجّل للوقائع ببرود، سواء من جهة القيود التي يفرضها
الاحتلال، أو صعوبة الوصول إلى الأماكن، أو التهديد المباشر للصحفيين. وتجربة شيرين أبو عاقلة نموذج للموازنة الدقيقة
بين مصداقية الخبر والانحياز إلى الإنسان وإلى العدالة. فهي لم تتخل عن قواعد
التحقق والدقة، ولكنها في الوقت نفسه لم تتجاهل البعد الأخلاقي في نقل معاناة
الفلسطينيين التي تمثل حالة واضحة من عدم التوازن بين "جلاد"
و"ضحية". هكذا غدا العمل الميداني عندها، وفق محمد البقالي، عملية توثيق
وتأريخ. فكانت تجمع بين دور الصحفي ودور المؤرخ. وكانت تقاريرها ترصد تفاصيل
الحياة اليومية تحت الاحتلال، وتقدم صورة شاملة عن الواقع.
ـ 5 ـ
وتمثل مراقبة الصحافة للسلطة أهم أدوارها في
المجتمعات، خاصة في سياقات الصراع وعدم التوازن في القوة. وضمن هذا المحور يستعرض
الكتاب كشف شيرين أبو عاقلة لما يقترفه المحتل من الانتهاكات وعملها على التحقق من
الروايات الإسرائيلية الرسمية، ومقارنتها بالوقائع على الأرض. وبالفعل فقد أسهم
عملها الصحفي في دحض العديد من السرديات التي كانت تحاول تبرير الانتهاكات، من
خلال الاعتماد على التوثيق بالصوت والصورة، وشهادات الشهود.
ولا يقتصر هذا الدور الرقابي على السلطة
السياسية، وإنما يشمل مختلف أشكال القوة التي يمكن أن تؤثر على الحقيقة. وفي هذا
الإطار، كانت شيرين تحافظ على استقلاليتها المهنية، رغم البيئة السياسية المعقدة
والانقسامات الفلسطينية الداخلية.
هكذا يخلص الجزء الأول من هذا الكتاب إلى أن
تجربة شيرين تمثل نموذجًا للصحافة المسؤولة، التي تسعى إلى مساءلة السلطة وإلى كشف
ما تحاول إخفاءه، مما يجعلها فاعلًا أساسيًا في الدفاع عن الحقيقة والعدالة.
ـ 6 ـ
وكُتب الجزء الثاني من كتاب "شيرين أبو
عاقلة... سيرة صحفية" بقلم حياة الحريري. فتناول كيفية حضور القضية
الفلسطينية في تقارير شيرين أبو عاقلة بما هي واقع يومي متجذر في تفاصيل الحياة
الإنسانية للفلسطينيين، ملحّا على أنها كانت "تستحضرها" من خلال زوايا
متعددة تمس حياة الناس في أبسط حقوقهم وأكثرها تعقيدًا.
أكثر من كونه دراسة تحليلية لتجربة إعلامية متميزة، يرتقي كتاب "شيرين أبو عاقلة... سيرة صحفية" أعمق أعمال الوفاء وأصدق أشكال التأبين لصحفية دفعت حياتها ثمنًا للحقيقة.
تنطلق الباحثة من فكرة أن القضية الفلسطينية
منظومة من القضايا المتداخلة: منها الديني ومنها الاجتماعية أو الاقتصادي أو
الثقافي. ومن خلال هذا التعدد، ترى أنّ شيرين أبو عاقلة استطاعت إبراز أثر
الاحتلال في مختلف جوانب الحياة، دون أن تقع في التبسيط أو التكرار.
وأول هذه المداخل هو حرية العبادة وممارسة
الشعائر الدينية. فتقارير شيرين تكشف كيف
يتحول الحق في العبادة إلى معاناة يومية، نتيجة القيود التي يفرضها الاحتلال على
وصول الفلسطينيين إلى الأماكن المقدسة، خاصة في القدس. ومن خلال الصورة والصوت،
كانت توثق المواجهات التي تنشأ بسبب هذه القيود، وتفند الروايات التي تحاول
تصويرها في شكل أحداث شغب، عبر إظهار السياق الحقيقي لها.
وتمثل تغطية الاستيطان المدخل الثاني.
فتُظهر تقاريرها كيف يؤثر التوسع الاستيطاني على حياة الفلسطينيين، من خلال مصادرة
الأراضي، وتقييد الحركة، وتغيير معالم المكان وفقدان المسكن أو تدمير مصادر الرزق.
ومن خلال التركيز على قصص الناس، كانت تجعل المشاهد يدرك أن الاستيطان هو بالأساس
حياة تُنتزع من أصحابها.
ـ 7 ـ
وشكلت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية،
محورًا مهمًا في تقاريرها. فأبرزت كيف تؤدي سياسات الاحتلال إلى تدهور مستوى
المعيشة، وحرمان الفلسطينيين من فرص العمل والخدمات الأساسية. كانت تنقل هذه
القضايا من خلال تفاصيل الحياة اليومية، مثل صعوبة الوصول إلى العمل، أو نقص
الخدمات، أو القيود على الحركة، مما يمنح القصة بعدًا إنسانيًا عميقًا. وتناولت
سياسات الهدم والعزل، التي تُعد من أبرز مظاهر السيطرة على الأرض والإنسان مبرزة
ما تخلّفه من كوارث إنسانية تعيشها الأسر الفلسطينية.
وخصصت تقاريرها مساحة لقضية الحق في التعليم
وحقوق الطفل، مظهرة تأثر الأطفال بالاحتلال، سواء من خلال صعوبة الوصول إلى
المدارس، أو التعرض للعنف، أو الحرمان من بيئة تعليمية آمنة.
ومن القضايا البارزة أيضًا قضية الأسرى،
التي تُعد من أكثر القضايا حساسية في المجتمع الفلسطيني. فتناولت هذه القضية من
خلال التركيز على معاناة الأسرى وعائلاتهم. فكانت تنقل مشاعر الانتظار، والألم،
والأمل، مما يجعل المشاهد يعيش التجربة بكل عمقها الإنساني.
وفضلا عن هذه المشاغل اليومية، اهتمت
الباحثة بالتراث والثقافة الفلسطينية، باعتبارهما جزءًا من الهوية التي يسعى
الاحتلال إلى طمسها. فمن خلال تقاريرها، كانت شيرين ألو عاقلة تُظهر تمسك
الفلسطينيين بثقافتهم وعاداتهم، رغم كل الظروف، مما يعكس جانبًا من الصمود الثقافي.
وهذا البعد يضيف عمقًا للقضية، بحيث لا تقتصر على الصراع السياسي، بل تمتد إلى
صراع على الهوية والذاكرة.
ـ 8 ـ
تنتهي دراسة حياة حريري إلى أنّ ما يميز
معالجة شيرين لكل هذه القضايا هو اعتمادها على منهجية تقوم على التكامل بين
التوثيق والسرد الإنساني. فهي تصل المعلومات بسياقها، وتقدمها من خلال قصص حقيقية،
تجعل المشاهد أكثر فهمًا وتعاطفًا. وتعتمد على التحقق من الروايات، خاصة في مواجهة
الرواية الإسرائيلية، بحيث تعمل على كشف التناقضات وتقديم الأدلة الميدانية. وتوضح
أن شيرين كانت تحافظ على توازن دقيق بين المهنية والانتماء؛ فهي تنقل معاناة
شعبها، لكنها تفعل ذلك وفق معايير صحفية صارمة، تعتمد على الدقة والتوثيق. وهذا ما
جعل تقاريرها تحظى بمصداقية واسعة، حتى في بيئات إعلامية مختلفة. وتخلص إلى أنّ
قوة تجربة شيرين تكمن في قدرتها على تحويل القضايا الكبرى إلى قصص إنسانية قريبة
من الناس، دون أن تفقد عمقها السياسي.
في المحصلة، يقدم هذا الجزء شيرين أبو عاقلة
بما هي نموذج لصحفية استطاعت أن تجعل من الصحافة أداة لفهم القضية الفلسطينية في
تعقيدها الكامل، من خلال استحضارها في تفاصيل الحياة اليومية.. وما ذلك إلاّ
لكونها "كانت تؤمن أن الصحفي الحقيقي هو من يظل قريبًا من الناس، يستمع إليهم
وينقل قصصهم بصدق وأمانة." وعليه فـ"ـرغم المخاطر المستمرة، لم تتراجع
عن أداء رسالتها، بل ازدادت إصرارًا على كشف الحقيقة أمام العالم."
ـ 9 ـ
أكثر من كونه دراسة تحليلية لتجربة إعلامية
متميزة، يرتقي كتاب "شيرين أبو عاقلة... سيرة صحفية" أعمق أعمال الوفاء
وأصدق أشكال التأبين لصحفية دفعت حياتها ثمنًا للحقيقة. فيوثق مسارها المهني
الحافل، ويعيد إحياء صوتها في ضمير القارئ، ويمنح حضورها امتدادًا يتجاوز الغياب
الجسدي. فيجمع بين التحليل الرصين، والاعتراف بقيمة ما أنجزته شيرين في مسيرتها.
فيشكل تأبينا يليق بـ"عين فلسطين الناطقة"، التي جعلتنا نرى الواقع
الفلسطيني بوضوح، ونشعر به بصدق، وننخرط فيه بوعي.