المثقف في زمن التحولات الكبرى.. هل ما زال قادراً على صناعة التاريخ؟ كتاب جديد

يقدم الكاتب نماذج فكرية ملهمة لمثقفين متميزين وقفوا بصلابة تاريخية في وجه أنظمة الهيمنة العالمية والمحلية، ودافعوا بوعي عن قضايا التحرر والعدالة والكرامة الإنسانية السامية.
الكتاب: دور المثقف في التحولات التاريخية.
الكاتب: مؤلف جماعي
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (بيروت - الدوحة) سنة النشر: 2017م (الطبعة الأولى، نيسان/ أبريل).
عدد الصفحات: 690 صفحة.


يُعَدّ كتاب دور المثقف في التحولات التاريخية من أبرز الأعمال الجماعية التي تناولت سؤال المثقف العربي المعاصر في علاقته بالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي عرفها العالم العربي خلال العقود الأخيرة. وقد صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سنة 2017، جامعًا اثنتين وعشرين مقالة لباحثين ومفكرين من مشارب فكرية مختلفة، سعوا إلى استكشاف موقع المثقف ووظائفه وحدود تأثيره في زمن الأزمات والثورات وإعادة تشكل المجال العام.

وتنتقي هذه القراءة عددًا من المقالات التي تمثل أهم المحاور التي يدور حولها الكتاب، بدءًا من تحديد مفهوم المثقف وأصوله التاريخية، مرورًا بعلاقته بالهيمنة والاستبداد والثورات العربية، ووصولًا إلى إشكالات المثقف الإسلامي والإصلاح الديني والتحول الديمقراطي. وتكشف هذه المقالات، على اختلاف منطلقاتها النظرية، عن انشغال مشترك بسؤال الدور التاريخي للمثقف وقدرته على الموازنة بين الالتزام الأخلاقي والاستقلال النقدي والمشاركة الفاعلة في بناء الوعي الجماعي وتوجيه مسارات التغيير.

ـ 1 ـ

خلافا لعلماء الدين التقليديين الذين يستمدون سلطتهم المعرفية والأخلاقية من مكانتهم الدينية وبنيتهم الاجتماعية المحيطة وخلافا للخبير والمتعلم اللذين ينحصر دورهما في تقديم معارف تخصصية محايدة، وخلافا لمصطلح الفلاسفة الذي وظفته الكنيسة في القرن الثامن عشر لوصف مفكري عصر التنوير، يرى عزمي بشارة أنّ مفهوم المثقف المعاصر يرتبط بالضرورة باتخاذ موقف قيمي صريح داخل المجال العام.

ويبرز أنّ هذا المفهوم شهد تبلوراً تاريخياً بارزاً عبر تجربتي "الإنتليجنسيا" الروسية و"الإنتيلكتويل" الفرنسي، عندما بدأ وعي النخب يتشكل حول مسؤوليتها الفكرية والسياسية في مواجهة السلطة ونقدها. ولئن تعددت أنماط المثقفين المعاصرين، وتنوعت بين أكاديمي متخصص ومثقف عضوي غرامشي ومثقف نقدي، وآخر مغترب أو منفي يرفض المهادنة ويتمسك باستقلالية رأيه وحريته فإنّ الجوهر يُلخّص في قدرته على استخدام مكانته الناجمة عن اشتغاله بالمعرفة لصياغة مواقف علنية تهدف إلى التأثير المباشر والفاعل في بنية الوعي الجمعي.

خلافا لعلماء الدين التقليديين الذين يستمدون سلطتهم المعرفية والأخلاقية من مكانتهم الدينية وبنيتهم الاجتماعية المحيطة وخلافا للخبير والمتعلم اللذين ينحصر دورهما في تقديم معارف تخصصية محايدة، وخلافا لمصطلح الفلاسفة الذي وظفته الكنيسة في القرن الثامن عشر لوصف مفكري عصر التنوير، يرى عزمي بشارة أنّ مفهوم المثقف المعاصر يرتبط بالضرورة باتخاذ موقف قيمي صريح داخل المجال العام.
ويرتبط دور المثقف العربي المعاصر ارتباطاً وثيقاً بالمرحلة التاريخية المفصلية والتحولات الكبرى التي تعيشها الشعوب اليوم. ولمّا كان المجال العام في ظل الدولة المعاصرة فضاء سياسياً بالدرجة الأولى، فإن المواقف التي يتبناها تتحول تلقائياً، وفق عزمي بشارة، إلى فعل سياسي واجتماعي مؤثر. فـ"ـيتحايث مفهوم المثقف مع الموقف المعياري في المجال العام بالضرورة، مستخدماً المكانة الناجمة عن العمل في المعرفة لاتخاذ موقف يؤثر في هذا المجال السياسي بامتياز". وهذا ما يفرض عليه مسؤولية تفكيك الواقع المعيش واستشراف مآلاته المستقبلية ويدعوه في الآن نفسه إلى صيانة استقلاليته النقدية ضد الاستلاب الأيديولوجي والتبعية العمياء للسلطة. فرسالته تتجاوز حدود الإنتاج المعرفي المعزول لتصبح التزاماً أخلاقياً بالدفاع عن الحرية والعدالة، والإسهام الفاعل في توجيه صيرورة التحولات التاريخية والاجتماعية وعقلنتها.

ـ 2 ـ

وحاول بنسالم حميش في مقالة بعنوان "عن المثقفين وتحولات الهيجمونيا" أن يرصد طبائع الهيمنة ووظائفها المتحولة ونماذج المثقفين المقاومين لها كفانون وسعيد، دفاعاً عن ثقافة السلام والمساواة والسيادة. فتناول جدلية المثقف والتحولات التاريخية المعاصرة من خلال تفكيك تحولات "الهيجمونيا" المتمثلة في أنظمة الاستبداد والغلبة، سواء كانت استعمارية جلية واضحة أو لينة ومخاتلة. فيرصد طبائع الهيمنة ووظائفها المتغيرة في العصر الحديث، مستكشفاً إرادة القوة الكامنة خلف السياسات التسلطية التي تسعى جاهدة للسيطرة الشاملة على مقدرات الشعوب وحرياتها ووعيها.

يقدم الكاتب نماذج فكرية ملهمة لمثقفين متميزين وقفوا بصلابة تاريخية في وجه أنظمة الهيمنة العالمية والمحلية، ودافعوا بوعي عن قضايا التحرر والعدالة والكرامة الإنسانية السامية. فيستعرض تجربة المفكر التحرري فرانز فانون ودوره النضالي البارز في تفكيك الاستعمار التقليدي، مبرزاً كيف يمكن للمثقف الحقيقي أن يلتصق بقضايا المقهورين والمستضعفين ويقود وعيهم الثوري. ويشير الكاتب إلى الروائي والفيلسوف ألبير كامو ومواقفه الإشكالية والأدبية. ويجعل ذلك تعلّة ليناقش دور الأديب في التعبير عن الأزمات الأخلاقية والإنسانية المعقدة في مواجهة الصراعات السياسية الكبرى. ثم يسلط الضوء على المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد ونقده البنيوي للاستشراق والإمبريالية، مبرزاً نموذج المثقف الكوني الذي يفكك خطابات الهيمنة المعرفية الغربية ويدافع بصلابة عن القضايا العادلة.

بناء على ما تقدّم يخلص الكاتب إلى أنّ واجب المثقفين ذوي الإرادات الحسنة، بوصفهم نقاد العالم وبناة حداثة فاعلة منفتحة، تقلد مهمة رصد أنواع الاختلالات والخروقات كلها ومناهضتها حيثما وجدت، مساهمة في ثقافة السلام. فيسعون إلى تأسيس علاقات دولية تضمن حقوق الشعوب في السيادة الكاملة والحرية، وتطوّر التشاركيات البناءة والهويات المحررة المبدعة للقيم الرافعة والإيجابية الكفيلة بالنهوض الإنساني الشامل.

ـ 3 ـ

في المقالة "المثقف والثورة والجدل الملتبس محاولة في التوصيف الثقافي لحدث الثورة" سعى حسن طارق إلى قراءة الثورات العربية ثقافياً عبر ثنائية الأيديولوجيا والديمقراطية، والانتقال الواعي من المثقف الهوياتي إلى المثقف الديمقراطي التنويري. فينطلق من التوصيف الثقافي لحدث الثورة، معتبراً أن الثورات العربية أعادت صياغة الأسئلة الفكرية والسياسية الأساسية المتعلقة بالحرية والكرامة والعدالة وبنية ومستقبل الدولة الحديثة. ويصدر عن فرضية أساسية تؤمن بقابلية الثورات العربية للقراءة والتحليل الثقافي المعمق، فيتجاوز بذلك التفسيرات الاقتصادية والسياسية الضيقة نحو سبر أغوار البنى الفكرية المجتمعية.

ويرصد بدقة أثر الأيديولوجيات السائدة والمنظومات القيمية والأفكار المتداولة في توجيه مسارات حدث الثورة، مبرزا تفاعل هذه البنى الفكرية العميقة مع الحراك الشعبي الميداني وتأثيرها فيه. فيجعل من ثنائية الأيديولوجيا والديمقراطية أداته التحليلية التي يفكك وفقها خطابات الصراع السياسي والفكري المستجد في الساحة العربية عقب اندلاع الثورات والتحولات التاريخية والاجتماعية الكبرى. ومنها يناقش ثنائية الهوية والمواطنة، فيبيّن أنّ هذه الجدلية العميقة تشكل أساساً متيناً لأسئلة الفكر العربي المعاصر، وتحدد بوضوح طبيعة التجاذبات الدستورية والسياسية السائدة في المراحل الانتقالية.

يشدد الباحث حسن طارق على الأهمية الملحة لاستئناف أسئلة الإصلاح الفكري والثقافي، باعتبارها المعركة الكبرى والمدخل الجوهري لاستنبات قيم الحداثة الكونية واستيعاب روح العصر الراهن ومقتضياته التنموية، متبنيا رؤية "تطرح مقاربة جديدة للمسألة الثقافية تنقل التفكير من هواجس الهوية إلى آفاق الحرية، لننتقل معها من حالة المثقف الهوياتي إلى وضعية المثقف الديمقراطي"ز

ـ 4 ـ

في المقالة "حول المثقف الإسلامي الوظيفة والمنهج والإشكالات" يؤكد عبد الوهاب الأفندي السمات الجوهرية للمثقف الملتزم. وتتمثل عنده في إخلاصه التام لقول الحقيقة، وامتلاكه القدرة الفائقة على مخاطبة الأغيار وإقناعهم بصورة عقلانية وحجاجية رصينة ومؤثرة في الواقع. وتتمثل كذلك في تفانيه اللامحدود في سبيل معتقداته الفكرية وقضاياه العادلة، وحرصه المستمر على وضع معارفه وطاقاته الإبداعية في خدمة المصلحة العامة والنهوض بالآخرين. ويبرز الكاتب استعداد المثقف الواعي للتضحية وعدم التردد في دفع الأثمان الباهظة من حريته الشخصية أو راحته في سبيل تحقيق الغايات العليا والعدالة والمبادئ الإنسانية السامية بالمجتمع.

عبد الوهاب الأفندي: نجاح التحول الديمقراطي العربي رهين ببروز مثقفين يجمعون بين الالتزام الأخلاقي والوعي النقدي، لتأسيس حداثة متصالحة تماماً مع الهوية الحضارية والثقافية والروحية للمجتمع.
ينتقل عبد الوهاب الأفندي لاحقا للتبسط في وضعية المثقف وأدواره الوظيفية ضمن السياق العربي الإسلامي المعاصر، مستكشفاً طبيعة الأزمات والصراعات الفكرية والسياسية الحادة التي تحيط بإنتاجه ومواقفه العلنية داخل المجال العام. ويرى أن دور المثقف الإسلامي التنويري محورٌ أساسي للغاية في مرحلة الانتقال التاريخي الحالية والمعقدة التي تعيشها المجتمعات العربية نحو رحاب الحداثة والتطور الديمقراطي والسياسي. وتكمن الرسالة الأساسية للمثقف الإسلامي المعاصر في الاضطلاع بمهمة تجسير الفجوة الثقافية بين الماضي والحاضر، وبين منطلقات الأصالة التراثية الراسخة ومقتضيات التحديث المعاصر ومتطلبات بناء الدولة المدنية. فهذا النمط من المثقفين التنويريين يسهمون في تقريب وجهات النظر وردم الانقسامات الأيديولوجية الحادة بين الأقطاب المتصارعة بشدة على ساحات الفكر والسياسة العربية في المراحل الانتقالية. وينتقد الكاتب النماذج الفكرية المنكفئة أو المؤدلجة التي تذكي الصراعات الإقصائية المدمرة، داعياً إلى تبني نموذج المثقف الوسيط المستوعب لجوهر الدين المنفتح وضرورات المواطنة الحديثة والتعددية السياسية.

يخلص المقال إلى أن نجاح التحول الديمقراطي العربي رهين ببروز مثقفين يجمعون بين الالتزام الأخلاقي والوعي النقدي، لتأسيس حداثة متصالحة تماماً مع الهوية الحضارية والثقافية والروحية للمجتمع.

ـ 5 ـ

ينقد النور حمد في مقالته التي عنوانها " المثقف العربي وقضية الإصلاح الديني" إهمال المثقفين الحداثيين للبعد الديني والروحاني، ويرى أنّ ذلك عزلهم عن الجماهير الشعبية وخلق لهم فجوة في علاقتهم بالواقع. ويعالج الكاتب إشكالية دور المثقف في السياق العربي الإسلامي الراهن من منظور نقدي مبتكر. فيركز بوضوح على رصد مكامن فشل خطابات النخبة الحداثية المعاصرة في مجتمعاتنا. 

وينطلق من فكرة محورية تنتقد إهمال "المثقفية" العربية السائدة للبعد الديني أو الروحاني الوجداني في صياغة مقارباتها ومشاريعها النهضوية والتنويرية والتحديثية المتعددة في العقود الأخيرة. ويخلص إلى وجود عزلة فكرية كبيرة وفصام حاد يفصل بين المثقف العربي، وخصوصاً النمط الحداثي والعلماني منه، وبين المنظومة والقيم الدينية والروحية المستقرة والراسخة في وجدان المجتمع. وأدى هذا الانفصال الجاف عن الدين والروحانيات إلى إحداث فجوة عميقة وتباعد كبير بين المثقف والجمهور، مما أفقد الطروحات التنويرية حاضنتها الشعبية وقدرتها على التحريك والتغيير الفعلي الميداني. ويردّها إلى انبتات المثقف الحداثي عن جذوره الحضارية والتراثية الحية، واعتماده المستمر على استيراد المفاهيم الغربية دون تبيئتها أو مراعاة الخصوصيات النفسية والروحية العميقة لمجتمعه.

ينتقد المقال اعتماد النخبة على نهج التغيير الفوقي الصارم والآتي من أعلى البنية السياسية. فهي تتعالى بوضوح على القوى الحقيقية والشرائح الفاعلة والمؤثرة في الواقع الاجتماعي اليومي، متجاهلة الديناميات الحيوية والداخلية للمجتمع، مما يحول المشاريع التحديثية إلى أفكار مغتربة وعاجزة تماماً عن إحداث تحول ديمقراطي واجتماعي حقيقي نابع من الداخل الشعبي. وعن هذه القطيعة الفكرية ينتج فراغ قيمي وفكري واجتماعي هائل في أوساط الجماهير، تسارع حركات الإسلام السياسي إلى ملئه فوراً مستغلين لغتهم المألوفة والمحبوبة.

ولكن رغم نجاح هذه الحركات في ملء الفراغ واستقطاب الجماهير، لم تقدّم مشروعاً إسلامياً حقيقياً أو حلولاً بنيوية ناجعة لأزمات الدولة الحديثة وتحديات المجتمع المتسارعة. وعبر هذه الرؤية النقدية يخلص الباحث النور حمد إلى ضرورة ميلاد رؤية جديدة تعيد للمثقف دوره الرسالي المفترض، فتردم الهوة العميقة مع الجمهور وتخرجه بوعي من غربته الفكرية والروحية القاتلة.

** **

تكشف هذه النماذج المنتقاة من كتاب دور المثقف في التحولات التاريخية عن تعدد التصورات المتعلقة بوظائف المثقف ومجالات تدخله، لكنها تلتقي جميعًا عند الإقرار بأن المعرفة وحدها لا تكفي لصناعة المثقف ما لم تقترن بموقف نقدي ومسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع. فالمثقف، سواء انشغل بمقاومة الهيمنة أو بمواكبة الثورات أو بالإصلاح الديني أو بتجسير الفجوات الثقافية، يظل فاعلًا تاريخيًا يُقاس أثره بقدرته على التأثير في المجال العام وصياغة البدائل. ومن ثمّ يقدّم الكتاب إسهاما فكريا مهما في إعادة مساءلة دور المثقف العربي وحدود حضوره في زمن التحولات الكبرى.