المقاومة الفلسطينية في سياق حركات التحرر العالمية.. قراءة في كتاب

سعى المؤلفون إلى كشف أوجه التشابه والاختلاف بين مسارات المقاومة الفلسطينية ونماذج تاريخية مثل الثورة الجزائرية، والمقاومة الريفية بقيادة الخطابي، وحرب فيتنام للتحرير، ونضال جنوب إفريقيا ضد الفصل العنصري..
"المقاومة الفلسطينية في سياق حركات التحرر العالمية ـ دراسة مقارنة في البنى والاستراتيجيات" هو عنوان المؤلف الجماعي، الذي صدر خلال شهر ماي المنصرم عن "مركز الجزيرة للدراسات" وتوزيع "الدار العربية للعلوم ناشرون" ومن تحرير عز الدين عبد المولى، الحاج محمد ناسك، فاطمة الصمادي.

 هذا الكتاب يأتي في سياق التحولات الكبرى التي أعقبت عملية "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر 2023، والتي أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي، وأثارت نقاشا واسعاً حول طبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ومستقبله، وينطلق محررو الكتاب من فرضية أساسية مفادها أن ما جرى لا يمكن فهمه باعتباره حدثا معزولا أو انفجارا مفاجئا، بل يمثل حلقة ضمن مسار تاريخي طويل من المقاومة الفلسطينية الممتدة عبر أكثر من قرن من الزمن.

تؤكد الأطروحة الأساسية للكتاب أن المقاومة ليست مجرد رد فعل آني على الاحتلال أو القمع، وإنما هي عملية تاريخية مركبة تتشكل بفعل تفاعل عوامل متعددة، تشمل البنى الاجتماعية والسياسية، وشكل الدولة، والضغوط الخارجية، وطبيعة الاستعمار ذاته، ولذلك فإن فهم المقاومة الفلسطينية يقتضي تجاوز خصوصيتها المحلية والنظر إليها ضمن إطار أوسع من تجارب الشعوب التي واجهت الاستعمار والهيمنة عبر التاريخ.
ويرفض الكتاب القراءات الاختزالية التي تركز على الأحداث الآنية بمعزل عن جذورها التاريخية، خاصة تلك التي شاعت في بعض التغطيات الإعلامية الغربية، والتي أغفلت السياق الاستعماري والاستيطاني للصراع، ومن ثم يسعى إلى إعادة وضع المقاومة الفلسطينية في إطارها التاريخي الأوسع، باعتبارها جزءاً من مسار عالمي لمقاومة الاستعمار والتحرر الوطني.

ويعتمد الكتاب منهج التاريخ المقارن أداة للتحليل، حيث يقارن التجربة الفلسطينية بتجارب حركات التحرر والمقاومة في مناطق مختلفة من العالم، مثل الجزائر والمغرب وفيتنام وجنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية والأمريكيتين، ويهدف هذا المنهج إلى الكشف عن أوجه التشابه والاختلاف بين هذه التجارب وفهم العوامل الاجتماعية والسياسية والاستراتيجية التي أسهمت في نشأة حركات المقاومة وتطورها ونتائجها.

وتؤكد الأطروحة الأساسية للكتاب أن المقاومة ليست مجرد رد فعل آني على الاحتلال أو القمع، وإنما هي عملية تاريخية مركبة تتشكل بفعل تفاعل عوامل متعددة، تشمل البنى الاجتماعية والسياسية، وشكل الدولة، والضغوط الخارجية، وطبيعة الاستعمار ذاته، ولذلك فإن فهم المقاومة الفلسطينية يقتضي تجاوز خصوصيتها المحلية والنظر إليها ضمن إطار أوسع من تجارب الشعوب التي واجهت الاستعمار والهيمنة عبر التاريخ.

كما يستند الكتاب إلى عدد من المداخل النظرية في علم التاريخ والاجتماع السياسي، مستفيدا من أعمال مؤرخين وباحثين بارزين في مجال التاريخ المقارن ودراسة الثورات والتحولات الاجتماعية، ويؤكد أن المقارنة التاريخية لا تهدف إلى المماثلة التامة بين الحالات المختلفة، بل إلى فهم الشروط والسياقات التي تنتج المقاومة وتحدد أشكالها ونتائجها.

وفي إطار هذا المنظور، يضم الكتاب مجموعة من الدراسات التي تتناول المقاومة الفلسطينية من زوايا متعددة؛ إذ يبحث بعضها في استمرارية المقاومة الفلسطينية منذ عهد الشيخ عز الدين القسام وصولا إلى "طوفان الأقصى"، بينما تدرس فصول أخرى الاستراتيجيات العسكرية والإعلامية للمقاومة المعاصرة، ودور الخطاب الرمزي في التعبئة السياسية، كما يقارن الكتاب التجربة الفلسطينية بتجارب التحرر الوطني في الجزائر والريف المغربي وفيتنام وجنوب إفريقيا وأمريكا اللاتينية، بهدف استخلاص الدروس المشتركة وفهم الخصائص المميزة لكل تجربة.

وتكمن أهمية الكتاب في سعيه إلى إدراج المقاومة الفلسطينية ضمن التاريخ العالمي لحركات التحرر، وإبراز أنها ليست حالة استثنائية معزولة، بل جزء من مسار إنساني أوسع لمواجهة الاستعمار والاستيطان والهيمنة، ومن خلال هذا المنظور المقارن، يأمل محررو الكتاب في الإسهام في تعميق فهم التجربة الفلسطينية وإثراء النقاش الأكاديمي حول قضايا المقاومة والتحرر الوطني في العالم المعاصر، ويخلص الكتاب إلى أن المقاومة الفلسطينية ينبغي فهمها بوصفها تجربة تحرر وطني ذات جذور تاريخية عميقة، وأن تحليلها يصبح أكثر ثراء حين توضع في سياق تجارب عالمية مشابهة لمقاومة الاستعمار، مما يسمح بفهم أفضل لبنيتها واستراتيجياتها وآفاقها المستقبلية.

وهكذا يرسم المقال الأول (من القسام إلى كتائبه - استمرارية المقاومة الفلسطينية وترابط مساراتها التاريخية) لكاتبه بلال محمد شلش خطا تاريخيا متصلا من ثورة الشيخ عز الدين القسام عام 1935 إلى عملية "طوفان الأقصى"، مبرزا أن المقاومة الفلسطينية لم تنقطع منذ الاحتلال البريطاني، ويكشف عن التحولات التنظيمية والفكرية، من الثورات الشعبية المبكرة إلى تأسيس حركة الجهاد الإسلامي وحركة حماس، وصولا إلى تطور كتائب القسام وتكيفها مع متغيرات المراحل المختلفة.

 أما المقال الثاني لعلاء جمال النجار، والذي جاء تحت عنوان "استراتيجيات المقاومة الفلسطينية في حرب طوفان الأقصى (2023-2025)" فيعمل على تحليل الاستراتيجيات العسكرية المبتكرة التي استخدمتها المقاومة، واصفا إياها بأنها "مدرسة ثورية فريدة" تجمع بين حرب العصابات، وحروب التحرر الوطني، والحروب غير المتماثلة، ويتناول بالتفصيل استراتيجيات أسر الجنود، وحرب الأنفاق، والصواريخ والمسيرات، والدفاع المرن، والتنظيم المركزي واللامركزي، والحرب الإعلامية النفسية، مشيرا إلى الإنجازات والتحديات معا.

وتدرس مقالة فاطمة الصمادي التي جاءت تحت عنوان: "اللغة المبصرة وسلطتها الرمزية ـ خطابات الملثم أبو عبيدة" خطاب الناطق العسكري لكتائب القسام من منظور تحليلي تداولي، واصفة إياه بـ"اللغة المبصرة" التي تتجاوز الوصف إلى بناء وعي جمعي وتشكيل سردية مقاومة، وتكشف الباحثة عن آليات بناء الشرعية، وتوظيف الرموز الدينية والتاريخية، واستراتيجيات التأثير النفسي في الجمهور المحلي والإقليمي والدولي، وتصور العدو.

أما الباحث المكسيكي مويزيس غاردونيو غارسيا فقد اختار التوقف عند "مقاومة الاستعمار الأوروبي في الأميركتين وأصداؤها في مسيرة النضال الفلسطيني"، ويقدم هذا الفصل مقارنة بنيوية عميقة بين منطق الاستعمار الاستيطاني الإسباني في أمريكا اللاتينية والمشروع الصهيوني في فلسطين، مركزا على أن العنصر المركزي غير القابل للاختزال في الحالتين هو "انتزاع الأرض"، ويحلل آليات الإبادة، واستغلال العمل، والاستعمار الداخلي بعد الاستقلال، وصولا إلى التضامن القائم بين حركات المقاومة في القارتين.

كما يستعرض المقال الخامس بعنوان "الثورة الجزائرية وتصفية الاحتلال الاستيطاني الفرنسي 1954-1962" لصاحبه مصطفى داودي خصائص الاحتلال الفرنسي للجزائر ونماذج المقاومة، مع التركيز على القيادة الجماعية واللامركزية في تسيير الثورة، وحرب العصابات، والحرب النفسية المضادة، والدبلوماسية وتدويل القضية، والحرب الإعلامية، ويخلص إلى أن الثورة الجزائرية قدمت نموذجا رائدا في تصفية الاحتلال الاستيطاني رغم عنفه وطوله.

كما يتوقف كل من الحاج محمد الناسك ورشيد أعراب عند "المقاومة الريفية بقيادة الخطابي (1921-1926)"، ويدرسان تجربة محمد بن عبد الكريم الخطابي في توحيد القبائل الريفية وبناء مشروع تحرري متكامل، مع تسليط الضوء على قدرته الفائقة على إدارة التوازنات القبلية (تشبيهه بـ"عازف الأكورديون")، وبناء جيش نظامي بحرب عصابات، واستراتيجياته العسكرية المبتكرة، واستخدام القوى الاستعمارية للأسلحة الكيماوية ضده، والتضامن العالمي مع المقاومة الريفية.

أما المقال السابع للباحث الأندونيسي ليو سيانيبار، فجاء تحت عنوان: "استراتيجية المقاومة الفيتنامية" ويحلل فيه العناصر الثلاثة الأساسية لنجاح النضال الفيتنامي: حرب العصابات، والتعبئة الجماهيرية، وشبكات الدعم الدولية، ويركز على مفهوم "حرب الشعب" كتعبئة شاملة، ودور إصلاح الأراضي في كسب شرعية اجتماعية، و"طريق هو تشي منه" كشريان لوجستي عابر للحدود، والدعم السوفياتي والصيني والتضامن العالمي، مع مقارنة هذه التجربة بحركات تحرر أخرى.

أما المقال الثامن ل"نعيم جيناه" الباحث في جامهة جوهانسبرغ والذي جاء تحت عنوان" "نضال جنوب إفريقيا ضد الاستعمار والفصل العنصري" فيتتبع مسار النضال الجنوب إفريقي من المقاومة غير العنيفة إلى الكفاح المسلح بعد مجزرة شاربفيل، مع التركيز على جدلية العمل المسلح والسياسي، ودور الحزب الشيوعي والمؤتمر الوطني الإفريقي، وتأسيس "أومكونتو وي سيزوي" (رمح الأمة)، واستراتيجية "الأركان الأربعة للنضال" (العمل المسلح، التعبئة الجماهيرية، العمل السياسي، الدعم الدولي)، وصولا إلى المفاوضات ورفع الحظر.

إن هذا الكتاب يسعى إلى تأسيس مقاربة علمية رائدة تضع المقاومة الفلسطينية في سياقها الطبيعي كجزء من حركات التحرر الوطنية والعالمية، بدلا من النظر إليها كظاهرة معزولة أو استثنائية، وينطلق العمل من فرضية مركزية مفادها أن فهم المقاومة الفلسطينية، بامتداداتها التاريخية واستراتيجياتها المعاصرة، لا يتكامل إلا من خلال وضعها في إطار المقارنة مع تجارب نضالية كبرى في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.
ويقدم الباحث البرازيلي برونوليما بياكليني  قراءة في" مسارات الاستقلال في أمريكا اللاتينية" عبر استعراض حلقات مركزية من نضالات الاستقلال في أمريكا اللاتينية، من حرب الغواراني-المبشرين، وثورات توباك أمارو وتوباك كاتاري، وثورة هايتي ضد الاستعمار الفرنسي، وحرب المكسيك المناهضة للاستعمار، وصولا إلى ملحمة سيمون بوليفار ورابطة الشعوب الحرة، ويستخلص ثوابت ومتغيرات حروب الاستقلال.

ويختتم الكتاب بمقالة المحررين عز الدين عبد المولى - الحاج محمد الناسك: "جدلية الخصوص والعموم في حركات التحرر: المقاومة الفلسطينية في سياق النضال العالمي ضد الاستعمار"، وهي عبارة عن خلاصات مقارنة شاملة، تستخلص أوجه التشابه والاختلاف بين حركات التحرر المختلفة، وبنية الاستعمار واستراتيجياته، ودور النخب بعد الاستقلال، ويخلص المقال إلى أن المقاومة الفلسطينية، رغم خصوصيتها، تندرج ضمن الإطار العام لحركات التحرر العالمي، وتستفيد من دروسها، وتقدم في الوقت نفسه نموذجا معاصرا فريدا في مواجهة استعمار استيطاني حديث.

والخلاصة:

إن هذا الكتاب يسعى إلى تأسيس مقاربة علمية رائدة تضع المقاومة الفلسطينية في سياقها الطبيعي كجزء من حركات التحرر الوطنية والعالمية، بدلا من النظر إليها كظاهرة معزولة أو استثنائية، وينطلق العمل من فرضية مركزية مفادها أن فهم المقاومة الفلسطينية، بامتداداتها التاريخية واستراتيجياتها المعاصرة، لا يتكامل إلا من خلال وضعها في إطار المقارنة مع تجارب نضالية كبرى في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا.

وهكذا سعى المؤلفون إلى كشف أوجه التشابه والاختلاف بين مسارات المقاومة الفلسطينية ونماذج تاريخية مثل الثورة الجزائرية، والمقاومة الريفية بقيادة الخطابي، وحرب فيتنام للتحرير، ونضال جنوب إفريقيا ضد الفصل العنصري، وحركات الاستقلال في أمريكا اللاتينية، كما يحلل الكتاب الجديد في الخطاب المقاوم، عبر دراسة معمقة لخطابات الناطق باسم كتائب القسام "أبو عبيدة"، باعتباره نموذجا متطوراً للغة المقاومة وسلطتها الرمزية.