الإخفاق العربي بين الثورة والدين والدولة.. قراءة في كتاب رفيق عبد السلام

لا يقدم كتاب "الإخفاق العربي" وصفة جاهزة للخروج من المأزق العربي، لكنه يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الأزمة وأسبابها البنيوية.
يأتي كتاب "الإخفاق العربي: في الثورة والدين والدولة" للدكتور رفيق عبد السلام، الصادر مؤخرا عن دار "الأصالة" في إسطنبول، في لحظة عربية ما تزال فيها أسئلة الربيع العربي مفتوحة على احتمالات متناقضة؛ بين من يرى أن الثورات انتهت إلى هزيمة تاريخية، ومن يعتقد أنها دشنت مسارا طويلا من التحولات لم يبلغ منتهاه بعد. ومن هذه المنطقة الرمادية التي تتداخل فيها الهزيمة بالأمل، والتراجع بإعادة التشكل، ينطلق المؤلف لمحاولة تفسير المعضلة العربية الحديثة من خلال ثلاثة مفاتيح كبرى: الثورة، والدين، والدولة.

لا يتعامل الكتاب مع هذه القضايا بوصفها ملفات منفصلة، بل باعتبارها حلقات في أزمة تاريخية واحدة تتعلق بعجز المجال العربي عن بناء نظام سياسي مستقر وعادل وقادر على إنتاج القوة والتنمية في آن واحد. ومن هنا فإن عنوان "الإخفاق العربي" لا يحيل إلى حدث سياسي عابر، وإنما إلى مسار ممتد من التعثر التاريخي الذي رافق تشكل الدولة العربية الحديثة منذ نهاية الحقبة العثمانية وحتى اللحظة الراهنة.

ولا تنفصل أهمية هذا الكتاب عن المسار الفكري والسياسي لمؤلفه الدكتور رفيق عبد السلام، أحد أبرز الأسماء التي برزت في المشهد التونسي والعربي خلال مرحلة ما بعد ثورة 2011. فقد لمع اسمه على نطاق واسع إثر توليه حقيبة الشؤون الخارجية في حكومة الترويكا التي قادت المرحلة الانتقالية الأولى في تونس بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، حيث وجد نفسه في قلب التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد والمنطقة العربية خلال سنوات الربيع العربي.

غير أن حضور رفيق عبد السلام لا يقتصر على تجربته السياسية والحكومية، إذ ينتمي أساسا إلى جيل من المثقفين العرب الذين جمعوا بين التكوين الفلسفي والاهتمام بالشأن العام. فقد تخرج في قسم الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن يتابع مساره الأكاديمي في الجامعات البريطانية حيث أنجز دراساته العليا وحصل على درجة الدكتوراه، ما أتاح له الاطلاع المباشر على تقاليد الفكر السياسي الغربي المعاصر ومناهجه النقدية.

ويبدو أثر هذا التكوين المزدوج، الفكري والسياسي، واضحا في كتاب "الإخفاق العربي"، إذ لا يكتفي صاحبه بسرد الوقائع أو تسجيل المواقف السياسية، وإنما يحاول مقاربة الأسئلة العربية الكبرى من زاوية تجمع بين التأمل الفلسفي والخبرة العملية. ولذلك يقرأ القارئ في صفحات الكتاب صدى تجربة رجل عاش التحولات العربية من داخل مؤسسات الحكم، وفي الوقت نفسه ظل مشغولا بأسئلة الدولة والدين والحداثة والانتقال الديمقراطي بوصفها قضايا فكرية وتاريخية تتجاوز حدود التجربة التونسية الخاصة.

الربيع العربي.. هزيمة مؤقتة أم مخاض تاريخي؟


من أبرز الأفكار التي يطرحها المؤلف رفض القراءة التبسيطية التي تُرجع إخفاق الثورات العربية إلى أخطاء الفاعلين السياسيين الجدد فقط. فبرغم إقراره بوجود أخطاء في التقدير والممارسة، إلا أنه يضع هذه الأخطاء داخل سياق أوسع تحكمه موازين قوى داخلية وإقليمية ودولية كانت أكبر بكثير من قدرة النخب الثورية على التأثير فيها.

هذه المقاربة تحرر النقاش من النزعة الأخلاقية التي تحاكم الثورات من خلال نجاحها أو فشلها المباشر، وتعيد توجيهه نحو البنية العميقة للصراع. فالثورات العربية لم تواجه أنظمة محلية فحسب، بل اصطدمت بشبكات مصالح إقليمية ودولية رأت في نجاحها تهديدا مباشرا للتوازنات القائمة. ولذلك فإن الثورة المضادة لم تكن مجرد رد فعل داخلي، بل مشروعاً سياسياً متكاملاً حظي بدعم مالي وإعلامي وأمني واسع.

لكن المؤلف لا يعفي قوى الثورة من المسؤولية، إذ يشير إلى أنها وقعت في مأزق التردد الاستراتيجي. فلم تذهب إلى تسويات تاريخية حاسمة مع بقايا النظام القديم كما فعلت تجارب انتقالية ناجحة في العالم، ولم تمتلك في الوقت نفسه الإرادة أو القدرة على استكمال المسار الثوري إلى نهايته. ونتيجة لذلك وجدت نفسها في منطقة وسطى أفقدتها القدرة على الحسم.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في ضوء ما أظهرته التجارب العربية من أن الانتقال الديمقراطي لا يحدث في فراغ، وإنما في بيئات تتشابك فيها مؤسسات الدولة العميقة مع النفوذ الخارجي والانقسامات المجتمعية. ومن هنا فإن الدرس الأهم الذي يستخلصه الكتاب هو أن التغيير التاريخي عملية طويلة تتقدم بالتراكم، وأن ما جرى منذ عام 2011 ينبغي النظر إليه باعتباره بداية مسار لا نهايته.

الدولة والدين.. أزمة الهيمنة لا أزمة التدين


في باب المسألة الدينية، يقلب المؤلف واحدة من أكثر المسلمات شيوعا في الخطاب العربي الحديث. فالمشكلة، بحسب رؤيته، ليست في هيمنة الدين على الدولة كما يردد كثير من دعاة العلمنة، بل في هيمنة الدولة على الدين واستحواذها على فضائه المؤسسي والرمزي.

ويستند هذا الطرح إلى ملاحظة جوهرية تتمثل في أن أغلب الدول العربية، بما فيها تلك التي تقدم نفسها باعتبارها دولا علمانية أو حداثية، لم تسمح باستقلال الحقل الديني عن أجهزتها البيروقراطية. فالمؤسسات الدينية الرسمية غالبا ما تحولت إلى أدوات لإضفاء الشرعية على السلطة السياسية، الأمر الذي أفقدها جزءا كبيرا من استقلاليتها ووظيفتها الاجتماعية.

وفي هذا السياق يدافع المؤلف عن فكرة "الحياد الإيجابي" للدولة تجاه الدين؛ أي أن تكون الدولة ضامنة للحرية الدينية وحامية للسلم الأهلي دون أن تتحول إلى وصي عقائدي على المجتمع. وهي فكرة تتجاوز ثنائية الدولة الدينية والدولة العلمانية الصلبة، وتسعى إلى تأسيس علاقة أكثر توازنا بين المجال السياسي والمجال الديني.

وتبرز أهمية هذه المقاربة في كونها تنطلق من رؤية واقعية للسلطة. فالدولة، في النهاية، ليست مؤسسة أخلاقية مجردة، بل جهاز قوة يسعى بطبيعته إلى توسيع نفوذه. ولذلك فإن حماية الدين والمجتمع لا تتحقق عبر تسليمهما للدولة، وإنما عبر بناء فضاءات مستقلة ومؤسسات وسيطة قادرة على الحد من تغول السلطة السياسية.

الديمقراطية وحدود الفاعلية السياسية


في تناوله للقضية الديمقراطية، يحذر المؤلف من تحويل الديمقراطية إلى عقيدة خلاصية تُحمّل أكثر مما تحتمل. فالديمقراطية، مهما بلغت أهميتها، ليست عصا سحرية قادرة على معالجة جميع الاختلالات البنيوية التي تعاني منها المجتمعات العربية.

ويكتسب هذا التحذير أهمية مضاعفة في ظل الخطاب السائد الذي يربط تلقائيا بين الديمقراطية والتنمية والاستقرار. فالتجارب المعاصرة تشير إلى أن الديمقراطية تعمل داخل بيئات اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية محددة، وأن نجاحها يظل رهينا بوجود حد أدنى من التوازن المؤسسي والقدرة الوطنية.

ومن هنا تأتي ملاحظته اللافتة بشأن الإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة بعد الربيع العربي. فهو يرى أن مشكلتهم الأساسية لم تكن في رفض الديمقراطية أو التحايل عليها، وإنما في التعامل معها بمنطق نظري مجرد، بعيد عن طبيعة الصراع الواقعي. وبعبارة أخرى، لم يسقطوا لأنهم غير ديمقراطيين، بل لأنهم تعاملوا مع المجال السياسي بمنطق ديمقراطي في بيئة لم تكن ديمقراطية أصلا.

الدولة العربية وسؤال القوة المفقودة


ربما تكون أطروحة الكتاب الأكثر إثارة للنقاش هي تلك المتعلقة بالدولة العربية الحديثة. فالمؤلف يرى أن الإخفاق التنموي والحداثي العربي يرتبط ارتباطا وثيقا بحالة التشظي السياسي التي تعيشها المنطقة منذ أكثر من قرن.

لقد أفضت التجزئة إلى نشوء كيانات ضعيفة ومحدودة الموارد والقدرات، عاجزة عن بناء قواعد صلبة للنهضة العلمية والصناعية، فضلا عن عجزها عن فرض استقلالها الاستراتيجي في نظام دولي يقوم أساسا على موازين القوة.

ومن هذا المنطلق يدعو المؤلف إلى إعادة الاعتبار لفكرة العروبة بوصفها رابطة سياسية وحضارية لا أيديولوجية مغلقة. فالعروبة، في نظره، ليست بديلا عن الإسلام ولا نقيضا له، كما أنها ليست عقيدة قومية شاملة، بل إطار تعاون وتكامل ضروري لتجاوز حالة الضعف والتشرذم.

وتنطوي هذه الفكرة على نقد مزدوج؛ نقد للإسلاميين الذين تعامل بعضهم مع الانتماء العربي باعتباره منافسا للانتماء الإسلامي، ونقد للقوميين الذين حولوا العروبة إلى أيديولوجيا مغلقة فقدت قدرتها على التفاعل مع الواقع.

الحداثة بين الإعجاب والنقد


في الفصل الأخير، يقترب الكتاب من سؤال الحداثة بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحا في الفكر العربي المعاصر. فالغرب الحديث، كما يراه المؤلف، يمثل في الوقت نفسه مصدر إلهام ومصدر إشكال.

فمن جهة، لا يمكن إنكار ما حققه من تقدم علمي وتقني ومؤسسي هائل، ومن جهة أخرى يصعب تجاهل تناقضاته الأخلاقية وممارساته الاستعمارية ومعاييره المزدوجة في التعامل مع قضايا الشعوب الأخرى.

غير أن أهمية هذا الطرح لا تكمن في نقد الغرب بقدر ما تكمن في الدعوة إلى التحرر من مركزية النموذج الغربي باعتباره النموذج الوحيد الممكن للتقدم. فالمطلوب ليس رفض الحداثة ولا استنساخها بصورة ميكانيكية، بل إعادة التفكير فيها من داخل السياقات الثقافية والتاريخية الخاصة بالمجتمعات العربية والإسلامية.

وهنا يلتقي المؤلف مع تيارات نقدية عالمية سعت إلى تفكيك الادعاءات الكونية للحداثة الغربية وإعادتها إلى شروطها التاريخية الخاصة، دون أن يعني ذلك التخلي عن القيم الإنسانية المشتركة أو إنجازات العقل الحديث.

بعد صدور الكتاب بأيام، نشر مؤلفه الدكتور رفيق عبد السلام مقدمة تعريفية على صفحته في منصة "فيسبوك"، قدّم فيها خلفيات هذا العمل الفكري ومساره. وقد عبّر في تلك التدوينة عن رغبة كانت تراوده بأن يصدر كتابه من بلده تونس، وأن يُعرض ضمن فعاليات معرضها السنوي للكتاب، غير أن هذا الأمل لم يتحقق بسبب ما اعتبره ظروفا سياسية خانقة، وغياب الحد الأدنى من شروط حرية الرأي والتعبير. وهي إشارة تكشف أن هذا العمل، رغم طابعه الأكاديمي والتحليلي، لا ينفصل عن سياقه السياسي المباشر، وعن التوتر القائم بين إنتاج الفكر وبيئة اشتغاله في العالم العربي.



لا يقدم كتاب "الإخفاق العربي" وصفة جاهزة للخروج من المأزق العربي، لكنه يطرح أسئلة عميقة حول طبيعة الأزمة وأسبابها البنيوية. وهو بذلك يبتعد عن التفسيرات الاختزالية التي ترد كل شيء إلى الاستبداد أو الدين أو التدخل الخارجي، ليقدم رؤية أكثر تركيبا تتداخل فيها عوامل التاريخ والسياسة والثقافة والجغرافيا.

وفي زمن تتسابق فيه السرديات المتعارضة لتفسير ما جرى ويجري في العالم العربي، تبدو أهمية هذا الكتاب في أنه يدعو إلى التفكير في الإخفاق العربي بوصفه أزمة بناء تاريخي لم تكتمل شروطه بعد، لا مجرد سلسلة من الهزائم السياسية العابرة. ولذلك فإن السؤال الذي يظل مفتوحا بعد الفراغ من قراءته ليس لماذا فشلت الثورات العربية فقط، بل كيف يمكن للعرب أن يبنوا شروط النجاح في المستقبل.