أقام
الفنان الأمريكي روبرت وايلاند دعوى
قضائية فيدرالية يطالب فيها بتعويضات تصل إلى 25 مليون دولار ضد الاتحاد الدولي
لكرة القدم (فيفا) وعدد من الجهات المرتبطة بتنظيم بطولة
كأس العالم 2026، على
خلفية إزالة إحدى أشهر جدارياته الفنية في مدينة دالاس الأمريكية، في قضية تفتح
نقاشاً واسعاً حول حدود حقوق الفنانين في مواجهة مشاريع التطوير العمراني
والاستعدادات للأحداث الرياضية الكبرى.
وتتمحور الدعوى حول جدارية "حائط صيد
الحيتان 82" (Whaling Wall 82)،
التي ظلت تزين وسط مدينة دالاس لأكثر من ثلاثة عقود، وتحولت خلال تلك الفترة إلى
أحد أبرز المعالم الفنية والبيئية في المدينة، قبل أن تتم إزالتها ضمن أعمال إعادة
تطوير المنطقة المحيطة بالمرافق المرتبطة باستضافة مباريات كأس العالم المقبلة.
عمل فني تحول إلى معلم حضري
ويُعد روبرت وايلاند واحداً من أشهر
الفنانين الأمريكيين المعاصرين في مجال الفن البيئي، واشتهر عالمياً بسلسلة
جدارياته الضخمة المعروفة باسم "جدران صيد الحيتان"، والتي أطلقها منذ
ثمانينيات القرن الماضي بهدف لفت الانتباه إلى قضايا حماية المحيطات والثدييات
البحرية.
وتنتشر أعماله في مدن عديدة داخل الولايات
المتحدة وخارجها، حيث تحولت إلى رموز بصرية للحملات البيئية الداعية إلى حماية
الحيتان والكائنات البحرية من الصيد الجائر والتلوث.
أما جدارية دالاس، التي حملت الرقم 82 ضمن
هذه السلسلة، فقد أُنجزت قبل أكثر من ثلاثين عاماً على واجهة أحد المباني البارزة
في وسط المدينة، وأصبحت جزءاً من المشهد العمراني والثقافي المحلي.
اتهامات بالتدمير غير القانوني
ويستند وايلاند في دعواه إلى "قانون
حماية حقوق الفنانين البصريين" الأمريكي (VARA)، وهو تشريع اتحادي يمنح الفنانين حقوقاً
معنوية تتعلق بالحفاظ على أعمالهم ومنع تشويهها أو تدميرها إذا كانت تتمتع بمكانة
فنية معترف بها.
ويؤكد الفنان أن الجدارية أُزيلت دون الحصول
على موافقته أو اتباع الإجراءات القانونية اللازمة، معتبراً أن ما حدث يمثل
"تدميراً غير قابل للإصلاح" لعمل فني اكتسب قيمة ثقافية وتاريخية على
مدى عقود.
كما يجادل فريقه القانوني بأن الجدارية لم
تكن مجرد عنصر زخرفي تابع لمبنى، بل عملاً فنياً مستقلاً يتمتع بحماية قانونية
خاصة، الأمر الذي يجعل إزالة العمل أو إتلافه دون تنسيق مع صاحبه انتهاكاً للحقوق
التي يكفلها القانون الفيدرالي.
استعدادات المونديال تحت المجهر
وتأتي القضية في وقت تتواصل فيه الاستعدادات
المكثفة لاستضافة كأس العالم 2026، التي ستقام بشكل مشترك في الولايات المتحدة
وكندا والمكسيك، في أكبر نسخة من البطولة في تاريخها.
وشهدت عدة مدن أمريكية مستضيفة للمباريات
مشاريع إعادة تطوير واسعة للبنية التحتية والمناطق الحضرية المحيطة بالملاعب
ومراكز الاستقبال، وهو ما أثار في بعض الحالات مخاوف تتعلق بالحفاظ على المعالم
التاريخية والثقافية والفنية.
ويرى مراقبون أن الدعوى قد تتحول إلى اختبار
قانوني مهم بشأن مدى التوازن بين متطلبات استضافة الأحداث الرياضية العالمية وحقوق
الفنانين والمجتمعات المحلية في الحفاظ على إرثها الثقافي.
قيمة فنية تتجاوز الجدارية
ولا تتعلق القضية، بحسب متابعين، بالقيمة
المالية للعمل الفني فقط، بل بمبدأ أوسع يرتبط بمكانة الفن العام داخل المدن
الحديثة.
فالكثير من الجداريات والأعمال الفنية
المفتوحة للجمهور تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من الهوية البصرية للمدن، وتكتسب
قيمة رمزية تتجاوز ملكية المبنى أو الأرض المقامة عليها.
ومن هذا المنطلق، يرى المدافعون عن حقوق
الفنانين أن إزالة الأعمال الفنية التاريخية دون تشاور أو توثيق مناسب تمثل خسارة
ثقافية لا تقل أهمية عن خسارة المعالم المعمارية أو التراثية.
ماذا يطالب وايلاند؟
يطالب الفنان الأمريكي بتعويضات تصل إلى 25
مليون دولار، معتبراً أن الضرر الناتج عن إزالة الجدارية لا يمكن إصلاحه أو
استبداله.
كما يسعى من خلال الدعوى إلى تثبيت مبدأ
قانوني يؤكد ضرورة احترام الحقوق المعنوية للفنانين عند التعامل مع الأعمال الفنية
العامة، خاصة تلك التي اكتسبت اعترافاً واسعاً وأصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية
للمجتمعات المحلية.
وفي حال مضت القضية إلى مراحل متقدمة أمام
القضاء الفيدرالي، فقد تفرض سابقة قانونية جديدة على الجهات المنظمة للمشروعات
الكبرى والأحداث الدولية، وتجبرها على منح الاعتبارات الثقافية والفنية وزناً أكبر
عند تنفيذ خطط التطوير والتحديث العمراني.
وبينما تستعد الولايات المتحدة لاستضافة
واحدة من أكبر الفعاليات الرياضية في العالم، تذكّر هذه القضية بأن التحولات
العمرانية المصاحبة للأحداث الكبرى لا تتعلق فقط بالملاعب والطرق والمنشآت، بل
تمتد أيضاً إلى أسئلة أعمق تتصل بحماية الذاكرة الثقافية وحقوق المبدعين في الفضاء
العام.
اظهار أخبار متعلقة