أثار رحيل
الكاتبة والرسامة والسينمائية
الإيرانية الفرنسية مرجان ساترابي
موجة واسعة من الحزن داخل الأوساط الثقافية الإيرانية والعالمية، باعتبارها واحدة
من أبرز الشخصيات التي نجحت في نقل التجربة الإيرانية الحديثة إلى العالم بلغة
فنية وإنسانية تجاوزت الحدود السياسية والأيديولوجية.
وكتبت الروائية الإيرانية المعروفة دينا نايري مقالاً
مؤثراً في صحيفة "الغارديان" أمس الخميس رثت فيه ساترابي، معتبرة أن
صاحبة "برسيبوليس" لم تكن مجرد كاتبة أو فنانة، بل كانت "المتحدثة
الأكثر بلاغة" باسم جيل كامل من الإيرانيات اللواتي عشن التحولات العاصفة
التي أعقبت الثورة الإيرانية عام 1979 والهجرة إلى الغرب لاحقاً.
من السيرة الذاتية إلى الذاكرة الجماعية
ولدت ساترابي عام 1969 في مدينة رشت ونشأت في طهران داخل أسرة علمانية
منخرطة في الشأن السياسي. وعاشت طفولتها خلال سنوات الثورة الإيرانية والحرب
العراقية الإيرانية وما رافقها من تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، قبل أن تغادر
إلى النمسا في سن المراهقة ثم تستقر لاحقاً في فرنسا حيث أنجزت أبرز أعمالها
الفنية.
واكتسبت شهرتها العالمية من خلال كتابها
المصور" برسيبوليس"
الذي صدر بداية الألفية الجديدة، وتحول لاحقاً إلى فيلم سينمائي حاز إشادة دولية
واسعة. وقدمت من خلاله سردية شخصية عن الحياة في إيران بين الثورة والمنفى، إلا أن
العمل سرعان ما تجاوز حدود السيرة الذاتية ليصبح مرجعاً ثقافياً لفهم المجتمع
الإيراني المعاصر.
ترجمة إيران إلى العالم
تكمن أهمية ساترابي، وفق كثير من النقاد، في
قدرتها على تفكيك الصورة النمطية التي ترسخت في المخيال الغربي عن الإيرانيين. فقد
قدمت إيران بوصفها مجتمعاً معقداً ومتعدداً، لا تختزله السلطة السياسية ولا
الشعارات الأيديولوجية.
وفي أعمالها المختلفة، ومنها "التطريزات" و"المرأة"، "الحياة"،
"الحرية"، سعت إلى الكشف عن الحياة اليومية للإيرانيين، وعن التناقضات
التي يعيشونها بين المجالين العام والخاص، وبين متطلبات السلطة ورغبات الأفراد،
خاصة النساء اللواتي شكلن محوراً أساسياً في تجربتها الإبداعية.
وبعد احتجاجات "المرأة، الحياة،
الحرية" التي اندلعت إثر
وفاة مهسا أميني عام
2022، عادت ساترابي لتؤكد أن الأجيال الجديدة من الإيرانيين لم تعد مستعدة للعيش
بازدواجية بين ما تفكر فيه وما يُسمح لها بإظهاره في المجال العام، معتبرة أن جوهر
مطالبهم يتمثل في الحرية الفردية وحق الإنسان في التعبير عن ذاته.
الأدب بوصفه مقاومة للصور النمطية
لم تنظر ساترابي إلى الفن باعتباره ممارسة
جمالية فحسب، بل اعتبرته أداة لمقاومة التبسيط الثقافي والاختزال السياسي. وكانت
تنتقد باستمرار النظرة الغربية التي تحصر إيران في صور الفقر أو الاستبداد أو
التخلف، مؤكدة أن المجتمع الإيراني يعيش تعقيدات الحداثة نفسها التي تعرفها
المجتمعات الأخرى، وإن في سياقات مختلفة.
ومن هنا جاءت أهمية أعمالها بالنسبة لأبناء
الجاليات الإيرانية في أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث وفرت لهم لغة جديدة لفهم
ذواتهم وتاريخهم وتجاربهم الشخصية بعيداً عن الشعور بالدفاع الدائم عن هويتهم أو
الاعتذار عنها.
رحيل يتجاوز حدود الأدب
ويبدو أن الحزن الذي رافق خبر وفاة ساترابي
لم يكن مرتبطاً فقط بمكانتها الأدبية والفنية، بل أيضاً بالدور الرمزي الذي أدته
على امتداد أكثر من عقدين بوصفها جسراً ثقافياً بين إيران والعالم.
فبالنسبة لكثير من الإيرانيين، خاصة أولئك
الذين عاشوا تجربة المنفى أو الاغتراب الثقافي، لم تكن ساترابي مجرد فنانة ناجحة،
بل شاهدة على مرحلة تاريخية كاملة، وصوتاً استطاع أن يحول الذاكرة الفردية إلى
سردية إنسانية عالمية.
وبرحيلها، لا تفقد إيران واحدة من أبرز
مبدعاتها المعاصرات فحسب، بل تفقد أيضاً شخصية لعبت دوراً استثنائياً في إعادة
تعريف صورة الإيرانيين لدى الرأي العام العالمي، وفي الدفاع عن حقهم في أن يُنظر
إليهم باعتبارهم بشراً لهم أحلامهم وآلامهم وتعقيداتهم، لا مجرد موضوعات للصراع
السياسي أو الجيوسياسي.
الأدب الإيراني بين الداخل والمنفى.. سردية
الانقسام والبحث عن الذات
يُعد الأدب الإيراني المعاصر من أكثر الآداب
غير العربية ثراءً وحيوية في منطقة الشرق الأوسط، غير أن تطوره خلال العقود
الأربعة الأخيرة ارتبط إلى حد كبير بالتحولات السياسية والاجتماعية التي أعقبت
الثورة الإيرانية عام 1979. فمنذ ذلك التاريخ، تشكل مشهد أدبي منقسم بين كتّاب
يعيشون داخل إيران ويكتبون تحت تأثير القيود السياسية والثقافية والدينية، وبين
كتّاب المنفى الذين وجدوا في أوروبا وأمريكا الشمالية فضاءً أوسع للتعبير عن قضايا
الهوية والذاكرة والحرية والاغتراب.
في الداخل الإيراني، اتجه كثير من الأدباء
إلى الكتابة الرمزية والاستعارات التاريخية والاجتماعية للتحايل على الرقابة
ومناقشة قضايا السلطة والدين والمجتمع. وقد برزت أسماء مثل محمود دولتابادي و شهرنوش
بارسيبور وصادق هدايت بوصفها علامات
أساسية في تطور الرواية الإيرانية الحديثة.
أما أدب المنفى، فقد انشغل بأسئلة مختلفة،
أبرزها تجربة الاقتلاع من الوطن، والانتماء المزدوج، وصعوبة التوفيق بين الثقافة
الإيرانية الأصلية وقيم المجتمعات الغربية. وفي هذا السياق برزت أعمال كتّاب مثل أزار نفيسي و دينا نايري ومارجان
ساترابي الذين حولوا تجربة المنفى إلى مادة أدبية عالمية تجاوزت حدود الجغرافيا
الإيرانية.
وقد أسهم هذا الانقسام بين الداخل والخارج
في خلق أدبين متوازيين: أحدهما يسعى إلى التعبير عن المجتمع الإيراني من داخله،
والثاني يقدمه إلى العالم من زاوية الذاكرة والهجرة والاغتراب الثقافي. ومع ذلك،
يظل القاسم المشترك بينهما هو الانشغال الدائم بسؤال الحرية والهوية والعلاقة
المعقدة بين الفرد والسلطة.
الأدب النسوي الإيراني.. من الاحتجاج
الاجتماعي إلى العالمية
يحتل الأدب النسوي مكانة بارزة في المشهد
الثقافي الإيراني المعاصر، إذ تحولت الكتابة لدى كثير من الكاتبات إلى وسيلة لفهم
التحولات التي طرأت على أوضاع المرأة الإيرانية ومقاومة الصور النمطية المرتبطة
بها.
وقد بدأت ملامح هذا التيار في التبلور منذ
النصف الثاني من القرن العشرين، لكنه اكتسب زخماً أكبر بعد الثورة الإيرانية، حيث
وجدت الكاتبات أنفسهن أمام واقع اجتماعي وقانوني جديد دفعهن إلى مساءلة قضايا
الجسد والحرية والهوية والعلاقة بين المرأة والسلطة.
ومن أبرز الأصوات النسائية الإيرانية سيمين دانيشوار، أول
روائية إيرانية تحقق حضوراً واسعاً، ثم شهرنوش
بارسيبور التي أثارت أعمالها جدلاً واسعاً بسبب تناولها قضايا المرأة والجسد،
وصولاً إلى أسماء معاصرة مثل أزار نفيسي و مارجان
ساترابي ودينا نايري.
وما يميز الأدب النسوي الإيراني أنه لا
يقتصر على المطالبة بالحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك
البنى الثقافية العميقة التي تشكل وعي المجتمع الإيراني. كما أن كثيراً من هذه
الأعمال نجح في الوصول إلى القارئ العالمي لأنه قدم المرأة الإيرانية بوصفها
إنساناً يعيش تناقضات الحداثة والتقاليد والسلطة والمنفى، لا مجرد ضحية أو رمز
سياسي.
وفي هذا الإطار، تُعد مرجان ساترابي واحدة
من أبرز ممثلات هذا التيار؛ إذ نجحت من خلال أعمالها المصورة في الجمع بين السرد
الشخصي والنقد الاجتماعي والسياسي، مقدمة نموذجاً جديداً للأدب النسوي الإيراني
القادر على مخاطبة جمهور عالمي دون أن يفقد جذوره المحلية.