الشعر العربي الحديث بين التحول والمنهج.. قراءة جديدة في كتاب تأسيسي

يمكن القول إن نازك الملائكة تمثل بدايات الانقلاب الإبداعي في الشكل الشعري، بينما تمثل سلمى خضراء الجيوسي تأطير هذا الانقلاب وقراءته ضمن سياقه الحضاري الأوسع.. عربي21
يمكن القول إن نازك الملائكة تمثل بدايات الانقلاب الإبداعي في الشكل الشعري، بينما تمثل سلمى خضراء الجيوسي تأطير هذا الانقلاب وقراءته ضمن سياقه الحضاري الأوسع.. عربي21
شارك الخبر
عاد إلى رفوف المكتبات وإلى أيدي الباحثين واحد من أكثر الكتب تأثيراً في مسار دراسة الشعر العربي الحديث، وهو كتاب "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث" للناقدة والباحثة سلمى خضراء الجيوسي، في طبعة جديدة تعيد إحياء نصّ نقدي ظلّ لعقود بمثابة مرجع تأسيسي لا يمكن تجاوزُه في قراءة تحولات القصيدة العربية منذ بدايات القرن العشرين. ولا تأتي هذه العودة بوصفها إعادة نشرٍ فحسب، بل باعتبارها استعادة لعمل نقدي شكّل لحظة مفصلية في تاريخ الدراسات الأدبية العربية، حين نقل الشعر الحديث من حيّز الانطباع الذوقي إلى فضاء التحليل البنيوي والتاريخي المتكامل.

الطبعة الجديدة من الكتاب لا تُقدَّم كإعادة إنتاج ميكانيكية لعمل سابق، بل كإعادة إحياء لنصّ نقدي ظلّ حيّاً في خلفية النقاشات الأكاديمية العربية، سواء في الجامعات أو في دراسات النقد المقارن. إذ يتعامل الكتاب مع الشعر العربي الحديث بوصفه حركة ديناميكية لا يمكن اختزالها في أسماء أو مدارس منفصلة، بل باعتبارها سيرورة فنية وفكرية تشكّلت عبر تفاعل مع التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية في العالم العربي، من بدايات النهضة إلى ما بعد الحداثة.

تكمن أهمية هذه الطبعة الجديدة في أنها تعيد فتح سؤال المنهج في النقد العربي: كيف يمكن قراءة الشعر الحديث بعيداً عن التقسيمات المدرسية الصارمة، وكيف يمكن فهم العلاقة بين الشكل الشعري والتحولات التاريخية الكبرى؟ وهي أسئلة ظلّت سلمى خضراء الجيوسي تطرحها بإلحاح نقدي منذ أعمالها المبكرة، حيث انشغلت بإعادة بناء خريطة الشعر العربي بوصفه مجالاً حيّاً تتقاطع فيه التجربة الجمالية مع الوعي التاريخي.

ويُظهر الكتاب في صيغته الجديدة قيمة إضافية تتمثل في إعادة إبراز التحليل المقارن الذي اعتمدته الجيوسي، حيث لم تكتفِ بتتبع تطور الشعر داخل حدوده العربية، بل وضعته في حوار واسع مع التيارات الشعرية العالمية، الأمر الذي منح الكتاب بعداً يتجاوز النقد المحلي إلى فضاء الدراسات الأدبية المقارنة. ومن هنا، اكتسب العمل مكانته بوصفه جسراً بين التجربة الشعرية العربية ونظيراتها العالمية، دون أن يفقد خصوصيته الثقافية أو حساسيته التاريخية.

أما في ما يتعلق بمسيرة النقد الشعري العربي، فإن عودة هذا الكتاب تمثل لحظة مراجعة ضرورية لمفاهيم ظلّت مهيمنة لعقود، مثل “الشعر الحر” و“القصيدة الحديثة” و“التيارات التجديدية”، إذ يقدّم الكتاب قراءة لا تتعامل مع هذه المفاهيم بوصفها قوالب جاهزة، بل كتحولات متداخلة تتشكل داخل سياقات اجتماعية وفكرية معقدة. وهو ما يجعل منه مرجعاً لا يزال قادراً على إضاءة أسئلة الراهن الشعري العربي، لا مجرد توثيق مرحلة تاريخية انتهت.

وتبرز أهمية هذا الإصدار أيضاً في كونه يعيد تسليط الضوء على المشروع النقدي المتكامل لصاحبته، التي لم تتعامل مع الشعر بوصفه نصوصاً منفصلة، بل بوصفه تعبيراً عن وعي جمعي وتحولات حضارية. فقد سعت الجيوسي في أعمالها إلى إعادة تعريف وظيفة الناقد، من قارئ للنصوص إلى مؤرخ للوعي الجمالي العربي، وهو ما جعل مشروعها النقدي أحد أبرز المشاريع التي أعادت تشكيل حقل الدراسات الأدبية الحديثة في العالم العربي.

في ضوء ذلك، لا تبدو إعادة إصدار "الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث" حدثاً نشرّياً عادياً، بل عودة إلى لحظة تأسيسية في النقد العربي الحديث، وإعادة فتح نقاش لم يُحسم بعد حول طبيعة الشعر العربي وحدود تحوّلاته. كما تمثل هذه العودة فرصة جديدة للباحثين لإعادة قراءة تاريخ الشعر العربي الحديث من منظور أكثر تركيباً وعمقاً، يعترف بتعدد الأصوات والتيارات، ويضع التجربة الشعرية العربية في سياقها الإنساني الواسع.

واحدة من أبرز الأسماء المؤسسة في حقل الدراسات الأدبية العربية الحديثة


تُعدّ الناقدة والباحثة العربية سلمى خضراء الجيوسي واحدة من أبرز الأسماء المؤسسة في حقل الدراسات الأدبية العربية الحديثة، وهي من مواليد مدينة صفد في فلسطين عام 1926، ما منحها منذ بداياتها ارتباطاً عميقاً بالتحولات التاريخية والثقافية التي شهدتها فلسطين والعالم العربي في القرن العشرين، وانعكس لاحقاً على مشروعها النقدي الذي مزج بين الحسّ التاريخي والرؤية الجمالية.

نشأت الجيوسي في بيئة عربية متعددة الامتدادات الثقافية، ثم تلقت تعليمها العالي في جامعات غربية، ما أتاح لها تكويناً أكاديمياً مزدوجاً جمع بين المناهج النقدية الحديثة في الغرب والتقاليد الأدبية العربية، وهو ما ظهر بوضوح في كتاباتها التي اتسمت بالصرامة العلمية والانفتاح المنهجي في آنٍ واحد.

برز اسمها بشكل خاص من خلال مشروعها النقدي حول الشعر العربي الحديث، حيث سعت إلى إعادة قراءة تطور القصيدة العربية بوصفه حركة تاريخية وفكرية متصلة، لا مجرد تراكم نصوص أو مدارس منفصلة. ويُعد كتابها المرجعي «الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث» من أبرز إنجازاتها في هذا السياق، إذ شكّل محاولة تأسيسية لرسم خريطة شاملة لتطور الشعر العربي الحديث في ضوء تحولات المجتمع والثقافة والسياسة.

كما اضطلعت الجيوسي بدور محوري في التعريف بالأدب العربي عالمياً، من خلال مشاريع ترجمة ومختارات أدبية قدّمت الشعر والنثر العربي إلى القارئ الغربي في إطار علمي رصين، أسهم في ترسيخ حضور الأدب العربي في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الدولية، بعيداً عن التبسيط أو التمثيل السطحي.

وتتميّز مسيرتها الفكرية بقدرتها على الربط بين النص الأدبي وسياقه الحضاري، إذ لا تنظر إلى الشعر بوصفه تعبيراً فردياً منعزلاً، بل كجزء من حركة ثقافية وتاريخية أوسع تعكس تحولات الإنسان العربي وأسئلته الوجودية والجمالية.

وبذلك، تمثل سلمى خضراء الجيوسي أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تطوير النقد الأدبي العربي الحديث، وإعادة صياغة أدواته ومفاهيمه، عبر مشروع نقدي وثقافي متكامل جمع بين البحث الأكاديمي والرؤية الإنسانية الواسعة.

بين سلمى خضراء الجيوسي ونازك الملائكة


يمثّل كلٌّ من الناقدة والشاعرة سلمى خضراء الجيوسي والشاعرة العراقية نازك الملائكة محطّتين محوريتين في مسار الحداثة الأدبية العربية، لكن من زاويتين مختلفتين: الأولى ناقدة ومؤرخة للظاهرة الشعرية، والثانية شاعرة مؤسسة للمنجز الإبداعي نفسه.

تُعرف نازك الملائكة بأنها من أوائل من دشّنوا تجربة الشعر الحر في الأدب العربي، من خلال نصوصها الشعرية التي كسرت البنية التقليدية للقصيدة العمودية، وفتحت الباب أمام تحولات شكلية وإيقاعية عميقة في بنية الشعر العربي الحديث. كان مشروعها في جوهره مشروعاً إبداعياً داخلياً، ينطلق من النص الشعري ذاته، ومن البحث عن شكل جديد للتعبير عن التجربة الإنسانية في عالم متغير.

في المقابل، جاءت سلمى خضراء الجيوسي من موقع مختلف؛ إذ لم تكن شاغلها الأساسي إنتاج الشعر بقدر ما كان تفكيك حركة الشعر الحديث ورسم خرائطه الفكرية والتاريخية. فهي تنظر إلى التجربة الشعرية بوصفها ظاهرة حضارية ممتدة، تتقاطع فيها السياسة بالمجتمع والثقافة، وتسعى إلى فهم “كيف تشكّل الشعر الحديث” لا “كيف يُكتب”.

هذا الاختلاف في الموقع أنتج اختلافاً في المنهج:

نازك الملائكة اشتغلت من داخل النص الشعري، فكانت شاعرة تنظّر لتجربتها ولتجربة جيلها، بينما اشتغلت الجيوسي من خارج النص، كناقدة ومؤرخة تسعى إلى بناء إطار شامل يفسّر التحولات لا مجرد المشاركة فيها.

ومع ذلك، يلتقي الاسمان في نقطة مركزية: كسر القطيعة مع الجمود الكلاسيكي في الشعر العربي. فنازك فعلت ذلك عبر الإبداع والتجريب الشعري، والجيوسي فعلت ذلك عبر إعادة قراءة التاريخ الشعري نفسه، وإظهار أن الحداثة ليست لحظة انفصال، بل مسار طويل من التفاعل والتحول.

كما أن كلاهما أسهم، بطريقة مختلفة، في إعادة تعريف موقع المرأة في المشهد الأدبي العربي: نازك بوصفها صوتاً شعرياً مؤسساً في لحظة كان الحضور النسائي فيها محدوداً، والجيوسي بوصفها ناقدة ومؤرخة أعادت الاعتبار للمنهج العلمي في دراسة الأدب، وفتحت المجال أمام مقاربة أكثر شمولاً وتوازناً للتجربة الشعرية العربية.

بهذا المعنى، يمكن القول إن نازك الملائكة تمثل بدايات الانقلاب الإبداعي في الشكل الشعري، بينما تمثل سلمى خضراء الجيوسي تأطير هذا الانقلاب وقراءته ضمن سياقه الحضاري الأوسع، وهو ما يجعل العلاقة بينهما علاقة تكامل في تاريخ الحداثة الشعرية العربية، أكثر من كونها مجرد تقاطع أسماء في مشهد واحد.
التعليقات (0)

خبر عاجل