بعد نحو عقد على رحيله، يعود
الناقد والكاتب
والفنان البريطاني جون برغر إلى الواجهة عبر
سيرة جديدة تحاول ألا تكتفي بتوثيق
حياته، بل أن تعيد بناء الطريقة التي نظر بها إلى الفن والسياسة والمجتمع والذاكرة.
الكتاب الجديد، "جون برغر: من الحياة" (John Berger: From Life) ، للكاتب والقيّم الفني توم أوفرتون، يقدم صورة متعددة الطبقات للرجل
الذي تجاوز حدود النقد الفني التقليدي ليصبح واحدًا من أكثر المثقفين البريطانيين
تأثيرًا في النصف الثاني من القرن العشرين.
ويأتي الكتاب في لحظة لا يبدو فيها برغر
مجرد شخصية من أرشيف الثقافة البريطانية، بل كصوت لا يزال حاضرًا في النقاشات
المتعلقة بصورة الإنسان، والهجرة، والطبقة، والرأسمالية، ودور الفن في تشكيل وعينا
بالعالم.
وترى مراجعة صحيفة "الغارديان"
التي نشرتها اليوم للكتاب أن أوفرتون نجح في تقديم سيرة "حيوية" للرجل
الذي اشتهر خصوصًا بسلسلة "طرائق الرؤية" (Ways of Seeing) التي بثتها
هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" عام 1972، وحولت برغر إلى ما يشبه
نجمًا ثقافيًا في عالم النقد الفني.
لكن أهمية السيرة الجديدة لا تكمن في إعادة
الاحتفاء بذلك العمل الشهير وحده، بل في محاولة وضعه داخل المسار الفكري والسياسي
والأدبي الأوسع لصاحبه.
من أرشيف في صناديق إلى سيرة كاملة
تبدأ علاقة أوفرتون ببرغر قبل وفاة الأخير
بسنوات. ففي عام 2009،
تبرع برغر بأرشيفه الأدبي إلى المكتبة البريطانية، وكان الأرشيف يضم صناديق
متراكمة من الرسائل والمذكرات والدفاتر والرسومات والنصوص.
ومن منزله في جبال الألب، شارك برغر في
ترتيب محتويات الأرشيف مع أوفرتون، الذي كان يعمل أمينًا على المجموعة، واستعاد
معه القصص المرتبطة بالوثائق والرسائل والأعمال.
وعندما طلب أوفرتون إذن برغر لكتابة سيرته،
طلب منه الناقد أن ينتظر بضع سنوات.
كان برغر يعرف أن الموت يغير علاقة الكاتب
بموضوع سيرته. فطالما انشغل
الرجل بالعلاقة بين الأحياء والأموات، وبين الحاضر والماضي، وبين الأعمال التي
تنتقل من زمن إلى آخر والأشخاص الذين يعيدون تفسيرها.
وبعد وفاة برغر عام 2017 عن 90 عامًا، أصبح
أوفرتون قادرًا على العودة إلى الأرشيف ليس بوصفه مجرد مجموعة وثائق، بل بوصفه
أثرًا حيًا لصاحبه.
وهكذا تحولت الصناديق التي رتبها برغر بنفسه
إلى مادة لسيرة يحاول مؤلفها إعادة بناء الرجل من خلالها.
"جون" لا "برغر"..
سيرة تكسر المسافة التقليدية
من أبرز سمات الكتاب أن أوفرتون لا يتعامل
مع برغر باعتباره شخصية تاريخية بعيدة. فهو يسميه
غالبًا "جون" بدلًا من "برغر"، وينتقل بين ضمير الغائب
والمخاطب، وبين الماضي والحاضر، وأحيانًا داخل الجملة نفسها. إنها محاولة مقصودة لتفكيك المسافة التقليدية بين كاتب
السيرة وموضوعها.
ويستعير أوفرتون، في ذلك، شيئًا من أسلوب
برغر نفسه في برنامج "طرائق الرؤية"، عندما كان يذكّر المشاهد بأن
الصورة التي أمامه ليست نافذة محايدة على العالم، وإنما شيء مصنوع له ظروفه
ووسائطه وحدوده.
بمعنى آخر، لا يريد أوفرتون إخفاء "الأسلاك"
التي تقف خلف صناعة السيرة. إنه يذكّر
القارئ باستمرار بأنه يقرأ كتابًا، وأن الرجل الذي يتحدث عنه لم يعد موجودًا، وأن
الصورة التي تتشكل عنه تمر عبر ذاكرة الكاتب وأرشيفه واختياراته.
وهذا يتناسب مع إحدى الأفكار المركزية لدى
برغر: لا توجد رواية واحدة نهائية لأي قصة، لأن كل راوٍ يعيد تشكيلها من موقعه
الخاص.
"طرائق الرؤية"..
العمل الذي غيّر علاقة الجمهور بالفن
رغم اتساع تجربة برغر، تبقى شهرته الأكبر
مرتبطة بسلسلة "طرائق الرؤية". ففي عام 1972،
قدم برغر سلسلة تلفزيونية من أربعة أجزاء لصالح "بي بي سي"، استندت
جزئيًا إلى كتاب يحمل العنوان نفسه.
كان المشروع خروجًا واضحًا عن اللغة
التقليدية للبرامج التي تتناول تاريخ الفن. لم يكن برغر يريد أن يقف أمام الأعمال الفنية باعتباره
خبيرًا يصدر الأحكام من موقع أعلى، وإنما أراد أن يجعل المشاهد طرفًا في عملية
النظر.
كان السؤال بالنسبة إليه ليس فقط: ماذا نرى؟ بل أيضًا: من جعلنا نرى هذا الشيء بهذه الطريقة؟ ومن يملك الصورة؟
ومن المستفيد من الطريقة التي نفهم بها ما نراه؟
وكان ذلك جزءًا من مشروع فكري أوسع يرى الفن
بوصفه نتاجًا اجتماعيًا وسياسيًا، وليس مجرد إبداع فردي منفصل عن ظروف إنتاجه. ولهذا رفض برغر ما كان يسميه ضمنيًا أسطورة "الرجل
العظيم" في الفن، وهي النظرة التي تتعامل مع الفنان بوصفه عبقريًا منفصلًا عن
المجتمع.
وفي مواجهة هذا التصور، كان يدعو إلى النظر
في علاقة اللوحة بالسوق والطبقة والثروة والسلطة. فاللوحات الزيتية، مثلًا، لم تكن عنده مجرد أعمال جميلة،
وإنما يمكن أن تكون أيضًا علامات على الثروة والمكانة الاجتماعية.
أما تصوير الأجساد العارية، فلم يكن بريئًا
من وجهة نظره، إذ رأى فيه انعكاسًا لنظرة ذكورية تشكلت تاريخيًا داخل المجتمع. وهكذا أصبحت عملية النظر نفسها فعلًا سياسيًا.
حين يصبح الناقد نجمًا
كانت "طرائق الرؤية" انقلابًا في
أسلوب تقديم النقد الفني للجمهور. ظهر برغر على
الشاشة باعتباره مثقفًا ماركسيًا، حادًا ومتحمسًا، يرتدي قمصانًا مفتوحة العنق
ومزخرفة، ويتحدث مباشرة إلى المشاهد.
وفي واحدة من أشهر تقنياته، كان يخاطب
مشاهدي التلفزيون مباشرة، ويكسر الجدار الرابع ليقول، في معنى كلامه، إن المشاهد
لا يستطيع الرد عليه عبر الشاشة.
لم يكن ذلك مجرد أسلوب تلفزيوني. كان جزءًا من الحجة نفسها: الوسيط الذي يقدم المعرفة ليس
محايدًا. حتى التلفزيون
الذي يشاهد من خلاله الجمهور الفن له قواعده، وزواياه، وإمكاناته وحدوده. وبهذه الطريقة، جعل برغر النقد الفني أقرب إلى فعل تفكيك
سياسي وثقافي.
لقد أراد أن يعلّم المشاهد ليس فقط كيف ينظر
إلى اللوحة، وإنما كيف يسأل عن النظام الذي جعل اللوحة ممكنة، وعن النظام الذي
جعلها ذات قيمة، وعن موقعه هو كمشاهد داخل تلك العملية.
الفن عند برغر ليس جزيرة منفصلة
لكن أوفرتون، بحسب "الغارديان"،
يرفض اختزال مسيرة برغر في "طرائق الرؤية". فالسلسلة التلفزيونية كانت، في نظره،
مشروعًا سياسيًا وثقافيًا واحدًا ضمن سلسلة طويلة من المشاريع التي خاضها الرجل. فبرغر كان كاتبًا وروائيًا وشاعرًا وكاتب سيناريو
وفنانًا وناقدًا ومذيعًا. وكان يفضل أن
يصف نفسه بأنه "راوٍ".
هذا التعريف سمح له بالانتقال بين أجناس
أدبية مختلفة، لكنه كان أيضًا تعبيرًا عن تصوره للكتابة بوصفها عملية مستمرة في
إعادة وصل الناس والأزمنة والتجارب. ولم يكن النقد
الفني بالنسبة إليه ممارسة أكاديمية مغلقة، بل وسيلة للانتقال من العمل الفني إلى
العالم الذي أنتجه. فاللوحة
بالنسبة إليه يمكن أن تكون بوابة بين زمنين ومكانين. والصورة تستطيع أن تجعل الماضي حاضرًا. والعمل الفني لا ينتهي عندما يخرج من يد الفنان، بل يبدأ
في الدخول إلى حيوات جديدة عندما يراه أشخاص آخرون.
من لندن إلى "العالم الآخر"
ولد برغر ونشأ في لندن، وكان طفلًا خلال
الحرب العالمية الثانية، قبل أن يمر بتجارب المدرسة الداخلية والخدمة العسكرية. لكن التحول الحاسم في علاقته بالفن جاء، بحسب السيرة،
بعد زيارة معرض لأعمال بابلو بيكاسو. كان لذلك
المعرض أثر هز عالمه الطبقي والفكري، وفتح أمامه طريقة جديدة في فهم الفن. مارس برغر الرسم وحقق فيه قدرًا من النجاح، لكنه حقق
شهرة أوسع من خلال الكتابة.
أما رواياته، فقد منحته تقديرًا أدبيًا
مهمًا، ومن أبرزها رواية **«G»** التي فازت
بجائزة بوكر عام 1972. ومع ذلك، كان
برغر، بحسب أوفرتون، أكثر قوة وإقناعًا عندما يستخدم أعمال الآخرين نقطة انطلاق
إلى أسئلة أعمق. كان العمل
الفني بالنسبة إليه لا يمثل نهاية التفكير، بل بدايته.
برغر والطبقة والرأسمالية
كان الموقف السياسي حاضرًا في كل جوانب
مشروعه تقريبًا. فبرغر كان
ماركسيًا صريحًا، وكان يرى أن الثقافة لا يمكن فصلها عن البنية الاقتصادية
والاجتماعية التي تنتجها.
لكن تجربته الشخصية جعلت هذا الموقف أكثر
تعقيدًا. فهو كتب بغضب
وتعاطف عن الهجرة القسرية، وفقدان المجتمعات الريفية القديمة، واقتلاع الناس من
أماكنهم. وفي الوقت
نفسه، عاش هو نفسه في نوع من المنفى الاختياري، متنقلًا بين فرنسا وسويسرا، وبين
منازل وعلاقات متعددة.
وهنا تبرز إحدى نقاط القوة في سيرة أوفرتون:
فهو لا يحاول تحويل برغر إلى قديس فكري. بل يكشف
التناقضات التي طبعت حياته. الرجل الذي
دافع عن المجتمعات المهددة بالاقتلاع عاش بعيدًا عن بلده. والمفكر الماركسي حمل معه، في بعض جوانب شخصيته، ما
يقترب من تقاليد محافظة بريطانية. والكاتب الذي
جعل اللغة وطنًا محتملًا للإنسان اكتشف أن اللغة نفسها ليست ثابتة.
وفي أواخر حياته، بدأت لغته الإنجليزية
تتأثر بالبنى النحوية الفرنسية نتيجة سنوات طويلة من العيش في البيئة الفرنكوفونية.
اللغة هي الوطن الإنساني
من أكثر أفكار برغر إثارة للاهتمام تصوره
للغة باعتبارها ربما "الوطن الإنساني الحقيقي" الوحيد. فإذا كان الإنسان يستطيع أن يفقد وطنه، وأن يُقتلع من
مكانه، فإن اللغة توفر مساحة أخرى للانتماء.
لكن برغر لم يتعامل مع هذه الفكرة بصورة
رومانسية. فاللغة نفسها
قابلة للاختراق والتغيير. وهي ليست
ملكية ثابتة. يمكن للغات أن
تختلط، ويمكن للمنفي أن يحمل لغته إلى مكان جديد، ويمكن للمكان الجديد أن يعيد
تشكيل لغة المنفي. ومن هنا تصبح
تجربة برغر الشخصية جزءًا من مشروعه الفكري. فهو لم يكتب عن المنفى من الخارج فقط، بل عاشه بطريقة
خاصة.
"الرجل في
الأرشيف" أكثر حضورًا من الرجل العجوز
يقدم أوفرتون أيضًا صورة أقل مثالية لبرغر
في سنواته الأخيرة. فعندما بدأ
العمل على الأرشيف، كان برغر قد تقدم في العمر وبدأت صحته تتدهور. ويستعيد الكاتب لقاءاتهما القريبة في لندن وباريس، في
مشاهد لا تخفي تراجع الجسد أو الروائح أو آثار المرض.
وتصل المفارقة إلى حد القول إن برغر في
الواقع كان "أقل حضورًا" من برغر الموجود داخل الأرشيف. وهذه ملاحظة تتجاوز الشخص نفسه. فالأرشيف يحفظ غالبًا أفضل ما في الإنسان: كتاباته،
ورسائله، وأفكاره، ورسوماته، والصور التي اختار أن يتركها. أما الجسد فيتقدم في العمر ويتراجع.
وإذا كان الفنان قد وضع أفضل ما لديه في
اللوحة أو الكتاب أو الشاشة، فإن ذلك هو المكان الذي يعود إليه الأجيال اللاحقة، في الماض،. في العمل، في الأثر.
الماضي والحاضر.. الفكرة التي ربطت مشروعه
كله
إذا كان ثمة خيط واحد يصل بين مشاريع برغر
المتعددة، فهو انشغاله بالعلاقة بين الماضي والحاضر. كان يرى أن الأحياء والأموات يعتمد بعضهم على بعض. وأن المجتمع يصبح أكثر صحة كلما كان الرابط بينهما أقوى. ولهذا لم يكن المتحف بالنسبة إليه مجرد مكان لحفظ
الأعمال القديمة. فاللوحة
العظيمة تتيح للإنسان أن يسافر عبر الزمن. لكن الأشخاص أنفسهم يمكن أن يصبحوا، في بعض الحالات،
جسورًا بين الأزمنة.
ويستشهد أوفرتون بكتاب برغر "رجل محظوظ (A Fortunate Man)" الصادر عام 1967، الذي احتفى فيه بالطبيب الريفي جون
ساسال، الذي كان يعمل في منطقة فورست أوف دين.
كان برغر يرى الطبيب بوصفه وسيطًا بين عالم
الأحياء وعالم الموتى، شخصًا يلامس حدودًا بينية يصعب تفسيرها بالكامل. وقد يكون هذا الوصف، كما يوحي أوفرتون، صالحًا أيضًا
لوصف وظيفة الفنان أو الناقد أو أمين الأرشيف. كل هؤلاء يعملون في منطقة تقع بين ما كان وما هو موجود
الآن.
هل يعيد كاتب السيرة اختراع بطله؟
يسأل أوفرتون سؤالًا جوهريًا: هل يعيد كتاب
السير دائمًا تشكيل موضوعاتهم وفق صورتهم هم؟ الإجابة الضمنية هي نعم، إلى حد ما. لكن العلاقة ليست من طرف واحد. فالماضي أيضًا يؤثر في الحاضر. والميت لا يختفي تمامًا من حياة من يكتب عنه. أوفرتون نفسه أصبح كاتبًا، كما يقول، جزئيًا بسبب قراءته
لبرغر.
ومن ثم فإن كتابته عنه ليست مجرد عملية جمع
معلومات، بل امتداد لعلاقة فكرية بدأت بالقراءة ثم تحولت إلى عمل في الأرشيف، ثم
إلى لقاء شخصي، ثم إلى سيرة.
لهذا يطمح المؤلف إلى إقناع القارئ بأن برغر
يجلس أمامه، يقرأ كل كلمة، ويشارك في عملية الكتابة. وفي بعض لحظات الكتاب، ينجح بالفعل في خلق هذا الشعور.
برغر لم يمت تمامًا
توفي جون برغر في عام 2017 عن 90 عامًا. لكن موته لم ينهِ حضوره. فأعماله لا
تزال تعاد طباعتها، ومقاطع "طرائق الرؤية" لا تزال متداولة على
الإنترنت، كما لا يزال كتابه يثير اهتمام أجيال جديدة من الكتاب والفنانين
والباحثين.
وهنا تكمن المفارقة التي تجعل السيرة
الجديدة أكثر من مجرد كتاب عن شخصية راحلة. برغر كان مفتونًا طوال حياته بفكرة الحوار بين الماضي
والحاضر. كان يتحدث من
الحاضر إلى الماضي، محاولًا استعادة أصواته وفهم أعماله وإعادة تفسيرها.
أما اليوم، فإن الأجيال الجديدة تفعل العكس
تقريبًا: تستعيد برغر من الماضي، وتستخدم أفكاره لفهم حاضرها. في عالم تتجدد فيه النقاشات حول الهجرة والطبقة
والرأسمالية والصورة والتمثيل والسلطة، تبدو أسئلة برغر أقل تاريخية مما قد يُفترض.
ففكرته الأساسية بأننا "لا ننظر إلى
شيء واحد أبدًا، بل ننظر دائمًا إلى العلاقة بين الأشياء وبين أنفسنا" تظل
صالحة في زمن الصورة الرقمية ووسائل التواصل والخوارزميات. بل ربما تصبح أكثر إلحاحًا.
فإذا كان برغر قد علّم مشاهدي التلفزيون أن
يسألوا عن الطريقة التي تُصنع بها الصورة، فإن السؤال نفسه يمكن نقله اليوم إلى
عالم المنصات الرقمية: من يختار ما نراه؟ وكيف تُرتب الصور؟ وما المصالح التي تقف
وراءها؟ وكيف تغير الوسيلة نفسها معنى الصورة؟
من "طرائق الرؤية" إلى "طرائق
النظر إلى العالم"
تكمن أهمية جون برغر في أنه لم يكن يريد
تعليم الناس تاريخ الفن بقدر ما كان يريد تغيير طريقة نظرهم إلى العالم.. كانت اللوحة
لديه مدخلًا إلى الطبقة. والجسد مدخلًا
إلى السلطة. والسوق مدخلًا
إلى فهم الفن. والصورة
مدخلًا إلى السياسة. والأرشيف
مدخلًا إلى الذاكرة.. واللغة مدخلًا
إلى المنفى، والموت مدخلًا
إلى فهم العلاقة بين الأحياء والماضي.
ومن هذه الزاوية، يبدو كتاب توم أوفرتون
محاولة لاستكمال المشروع نفسه بوسيلة مختلفة. فكما كان برغر يرفض إخفاء الظروف التي صنعت العمل الفني،
يرفض أوفرتون إخفاء الظروف التي صنعت سيرته عن برغر.
إنه لا يقدم "الرجل العظيم" في
صورة متماسكة ومصقولة، وإنما يقدم إنسانًا مليئًا بالتناقضات، يترك وراءه أعمالًا
وأفكارًا وصداقات وخلافات وأرشيفًا ضخمًا. وربما تكون هذه هي الطريقة الأكثر وفاءً لإرث برغر نفسه. فهو لم يكن يحب الإجابات المغلقة. كان يحب فتح الأبواب. والكتاب الجديد يفعل الشيء نفسه: لا يعيد برغر إلى
الماضي بقدر ما يعيد الماضي، من خلال برغر، إلى الحاضر.
جون برغر مات، لكن صوته لم يصمت
إنه لا يزال يتحدث عبر الكتب والشاشات
والأرشيفات، والأهم أنه لا يزال يجبر القارئ والمشاهد على طرح السؤال الذي جعل منه
أحد أكثر نقاد الفن تأثيرًا في القرن العشرين: ماذا نرى عندما ننظر؟ ومن أين جاءت الطريقة التي تعلمنا
بها أن نرى؟