من هوميروس إلى تيك توك.. كيف يستعيد الشعر جمهوره في العصر الرقمي؟

نيكيتا غيل وهشام الجخ وتميم البرغوثي.. أسماء شعرية أعادة للقصيدة وهجها في الدواوين ووسائل التواصل الاجتماعي..
نيكيتا غيل وهشام الجخ وتميم البرغوثي.. أسماء شعرية أعادة للقصيدة وهجها في الدواوين ووسائل التواصل الاجتماعي..
شارك الخبر
لم يعد الحديث عن "موت الشعر" في سوق الكتاب البريطاني أكثر من نبوءة مؤجلة. فبعد عقود بدا فيها الشعر محاصرا في دوائر أكاديمية ونخبوية ضيقة، تشهد بريطانيا في 2026 انتعاشا لافتا في مبيعات الدواوين، تدفعه هذه المرة مفارقة ثقافية لافتة: فيلم هوليوودي ضخم عن ملحمة يونانية عمرها نحو ثلاثة آلاف عام، إلى جانب جيل جديد من الشعراء الذين صنعوا جماهيرهم عبر إنستغرام وتيك توك ومنصات الفيديو القصير.

وساهم فيلم المخرج البريطاني كريستوفر نولان، "الأوديسة" (The Odyssey) ، في إعادة ملحمة هوميروس إلى واجهات المكتبات. ووفقا لبيانات نقلتها صحيفة "الغارديان"، ارتفعت مبيعات نسخ *الأوديسة* في بريطانيا بنحو 1400 بالمئة في الأسابيع المحيطة بطرح الفيلم، بينما تجاوزت مبيعات الشعر في البلاد 8 ملايين جنيه إسترليني خلال أول 30 أسبوعا من العام، بزيادة قدرها 13.3 بالمئة عن الفترة نفسها من 2025. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي مبيعات الشعر البريطاني قد يتجاوز 15 مليون جنيه هذا العام، وربما يصل إلى 17 مليونا.

ولم يكن تأثير الفيلم محصورا في هوميروس؛ فقد وصلت مبيعات نسختي الأوديسة والإلياذة مجتمعتين إلى نحو 980 ألف جنيه إسترليني، وهو رقم يعادل قرابة 12 بالمئة من سوق الشعر البريطاني، بحسب البيانات التي أوردتها "الغارديان".

نولان يعيد هوميروس إلى الواجهة


وصل فيلم نولان إلى دور العرض في يوليو/تموز 2026، في عمل ضخم يضم مات ديمون وتوم هولاند وآن هاثاواي وزيندايا وروبرت باتينسون، ويعيد سرد رحلة أوديسيوس الطويلة للعودة إلى إيثاكا بعد حرب طروادة.

ولم يكن نجاح الفيلم تجاريا عاديا؛ إذ حقق في عطلة افتتاحه العالمية نحو 264 مليون دولار، متجاوزا افتتاح فيلم نولان السابق "أوبنهايمر"، في واحدة من أكبر افتتاحيات الأفلام الأصلية خلال السنوات الأخيرة.

وهكذا تحولت ملحمة شعرية قديمة إلى ظاهرة ثقافية معاصرة: جمهور يدخل قاعات السينما لمشاهدة أوديسيوس، ثم يتجه بعضه إلى المكتبات بحثا عن النص الذي استند إليه الفيلم.

وفي الولايات المتحدة أيضا سجلت مبيعات الأوديسة قفزة كبيرة، مع ارتفاع مبيعات النسخ المطبوعة بنحو 76 بالمئة وفقا للبيانات التي أوردتها "الغارديان"، فيما شهدت بعض المكتبات والمكتبات العامة ارتفاعا حادا في الطلب، خصوصا على ترجمة إميلي ويلسون.

لكن المفارقة الأهم أن هذه العودة إلى الشعر الكلاسيكي تتزامن مع ازدهار نوع آخر تماما من الشعر: قصائد قصيرة، مباشرة، عاطفية، تنتشر عبر الهواتف الذكية قبل أن تصل إلى رفوف المكتبات.

الشعر الذي خرج من الورق إلى الهاتف


خلال السنوات الماضية، ظهر جيل من الشعراء لم ينتظر دور النشر الكبرى كي يصل إلى جمهوره. فقد بدأت أسماء مثل نيكيـتا غيل وروبي كور وغيرهما على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يمكن للقصيدة أن تنتشر خلال ساعات إلى ملايين القراء.

وكانت الكندية من أصول هندية روبي كور إحدى أبرز الشخصيات التي دشنت هذه الموجة. فقد حققت مجموعتها "Milk and Honey" نجاحا استثنائيا منذ 2014، وأصبحت نموذجا لما بات يعرف على نطاق واسع بـ"شعر إنستغرام".

لكن نجاح هذا النوع من الشعر أثار جدلا أدبيا حادا. فقد رأى بعض النقاد أن القصائد القصيرة ذات اللغة المباشرة تختزل الشعر إلى عبارات قابلة للمشاركة وإعادة النشر، فيما اعتبرها آخرون دليلا على أن الشعر وجد أخيرا طريقا إلى قراء لم يكونوا يدخلون عالمه من بوابة المؤسسات الأدبية التقليدية. واللافت أن الجدل لم يمنع الجمهور من الاستمرار في الشراء.

بل إن سوق الشعر البريطاني، وفقا للبيانات التي نقلتها "الغارديان"، يسجل عاما قياسيا تلو الآخر منذ ثلاث سنوات، في اتجاه يشير إلى أن الظاهرة ليست مجرد انعكاس عابر لفيلم نولان.

من لوكاس جونز إلى نيكيـتا غيل


من أبرز الأسماء التي تقف في قلب هذه الموجة الشاعر والممثل ونجم تيك توك "لوكاس جونز"، الذي أصبحت مجموعته  "ما زلت أؤمن بالمعجزات" "I Still Believe in Miracles" من أبرز عناوين الشعر مبيعا في بريطانيا خلال 2026.

تدور قصائده حول موضوعات واسعة وسهلة التماس مع القارئ: الرجولة، والإيمان، والحياة والموت والحب، مع اعتماد لغة مباشرة تسعى إلى تحويل التجربة الشخصية إلى معنى جماعي.

وإلى جانبه تبرز "دونا أشوورث"، التي أصبحت من الأسماء المتكررة في قوائم الأكثر مبيعا، مستفيدة من قاعدة جماهيرية رقمية واسعة ومن شعر يقوم في جزء كبير منه على التأمل في الحياة اليومية، والحب، والفقد، والعلاقات الإنسانية.

أما "نيكيـتا غيل"، فتملك قاعدة جماهيرية ضخمة على إنستغرام، وتعيد في قصائدها استخدام الأساطير والحكايات والخرافات، ولا سيما من زاوية نسوية، لتناول الحب والقوة والهوية والتحرر. وتُظهر تجربتها كيف يمكن للمنصات الاجتماعية أن تتحول من مجرد وسيلة للترويج للكتاب إلى جزء أساسي من عملية إنتاج الشاعر لجمهوره.

وتشير "الغارديان" إلى أن هؤلاء الشعراء، وغيرهم، لا يكتفون ببيع الكتب؛ فبعضهم ينتقل من المنصات الرقمية إلى جولات شعرية ضخمة وحفلات كاملة العدد، في مسار يعيد وصل الشعر بالأداء الحي بعد أن ارتبط في أذهان كثيرين بالكتاب الصامت.

هولي مكنيش: الشعر حين يصبح أداء


ومن الأسماء البارزة أيضا الشاعرة البريطانية "هولي مكنيش"، الفائزة بجائزة تيد هيوز، والتي تناولت في أعمالها موضوعات الجنس والأمومة والرغبة والسياسة والسلطة والحب.

وتكتسب تجربتها أهمية خاصة لأنها توضح أن الصعود الجماهيري للشعر الحديث لا يعني بالضرورة التخلي عن الجوائز الأدبية أو المكانة النقدية. فالشاعر يمكن أن يتحرك في الوقت نفسه بين المنصة الرقمية، والمهرجان الأدبي، والمسرح، وسوق الكتب.

وهذا المزج بين الكتابة والأداء يغير طبيعة العلاقة بين الشاعر والجمهور. فالقصيدة لا تُقرأ فقط؛ بل تُسمع وتُرى، وتصبح نبرة الشاعر ووقفاته وحضوره جزءا من التجربة.

لِمن سيسي و"صناعة الضوء"


ويحتل الشاعر البريطاني "لِمن سيسي" موقعا مختلفا داخل هذا المشهد. فقد أصبح كتابه "دع النور يتدفق" "Let the Light Pour In" من أكثر أعمال الشعر رواجا، ووصفه ناشره بأنه من الكتب التي وصلت إلى قائمة "صنداي تايمز" للأكثر مبيعا. ويقوم الكتاب على قصائد قصيرة كتبها سيسي على مدى سنوات عند بزوغ الفجر، وتدور حول الصمود والأمل ومواجهة العتمة.

وتعكس تجربة سيسي أحد أهم اتجاهات الشعر الجماهيري الجديد: تحويل القصيدة إلى ممارسة يومية يمكن للقارئ أن يستعيدها في لحظة شخصية، بدلا من التعامل معها بوصفها نصا أدبيا يحتاج إلى معرفة مسبقة بالمناهج النقدية أو التاريخ الأدبي.

لين بيني.. اللغة المحلية تدخل السوق


أما "لين بيني"، فتقدم نموذجا آخر لانتشار الشعر خارج المركز الأدبي التقليدي. فالشاعرة الاسكتلندية تكتب بالإنجليزية وباللغة الاسكتلندية، وتتناول في أعمالها اللغة والعار والوصمة والمعاناة والنجاة والنظام الأبوي والحب.

ويبرز كتابها "بويومس أناو" "Poyums Annaw" بوصفه مثالا على قدرة الشعر على تحويل اللهجة واللغة المحلية إلى مصدر للهوية، لا إلى حاجز أمام الانتشار.

وهذا الجانب مهم في فهم التحول الجاري؛ فالشعر الجماهيري الجديد لا يصدر من صوت واحد أو من طبقة اجتماعية واحدة. ثمة شعراء يتحدثون عن الأمومة، وآخرون عن الرجولة والإيمان، وآخرون عن الأساطير والنسوية، وآخرون عن اللغة والهوية.

ما الذي يجمعهم بهوميروس؟


قد يبدو من الغريب وضع شعراء تيك توك وإنستغرام إلى جانب هوميروس، لكن ثمة قاسما مشتركا أعمق مما يبدو للوهلة الأولى.

فـ "الأوديسة" نفسها لم تبدأ بوصفها كتابا مغلقا على رف مكتبة. كانت ملحمة شفوية تُروى وتُنشد وتنتقل من شخص إلى آخر، قبل أن تستقر في شكل مكتوب. وما يصل إلى القارئ اليوم هو النسخة الأكثر ثباتا لنص كان، في أصله، جزءا من ثقافة الأداء والمشاركة الجماعية.

وهنا تكمن مفارقة العصر الرقمي: التكنولوجيا التي تبدو في ظاهرها مسؤولة عن تفكيك الانتباه وإغراق المستخدم في تدفق لا ينتهي من المحتوى، أتاحت في الوقت نفسه للشعراء استعادة إحدى أقدم وظائف القصيدة، وهي جمع الناس حول صوت واحد وحكاية واحدة.

فالفيديو القصير يمكن أن يحول الشاعر إلى مؤدٍ، والتعليق يمكن أن يتحول إلى حوار، والمشاركة إلى وسيلة لنقل القصيدة من شخص إلى آلاف أو ملايين الأشخاص.

وبذلك لا تبدو عودة الشعر عبر وسائل التواصل انقطاعا كاملا عن الماضي، بل يمكن النظر إليها بوصفها عودة إلى جذور أقدم من الكتاب نفسه.

من "النخبة" إلى التجربة الشخصية


كان الشعر في جزء كبير من الثقافة الحديثة محاصرا بين صورتين متناقضتين: فن نخبوي يصعب الوصول إليه، أو كلمات عاطفية تُستخدم في بطاقات المناسبات.

أما الموجة الجديدة فتسعى إلى كسر هذه الثنائية. فهي تستخدم لغة يومية، وتتناول تجارب يمكن للقارئ التعرف إليها مباشرة: الحب، الفقد، الوحدة، الأمومة، الخوف، الإيمان، الهوية، الصداقة، الأمل والموت.

ولهذا يرى أنصارها أن نجاحها لا يرتبط فقط بسهولة اللغة، وإنما بقدرتها على جعل القارئ يشعر بأن القصيدة "تتحدث إليه".

وفي المقابل، يوجه النقاد انتقادات تتعلق بالتبسيط والمباشرة وتكرار الأفكار، بل إن بعض الشعراء الشعبيين واجهوا اتهامات بالاقتراب من أدب التنمية الذاتية أو إعادة تدوير عبارات وأفكار موجودة من قبل.

لكن هذه الانتقادات لا تلغي حقيقة اقتصادية وثقافية واضحة: "هناك جمهور جديد يشتري دواوين الشعر".

هل نحن أمام نهضة شعرية حقيقية؟


من المبكر القول إن الارتفاع الحالي يمثل تحولا دائما في سوق الكتاب. فقد يكون جزء من الزيادة مرتبطا بالظاهرة السينمائية التي صنعها نولان، وقد تتراجع مبيعات هوميروس بعد انحسار زخم الفيلم.

لكن البيانات السابقة على "الأوديسة" تجعل من الصعب اختزال القصة كلها في فيلم واحد. فالسوق كان ينمو بالفعل، والشعراء الذين صعدوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي كانوا قد بنوا قواعد جماهيرية واسعة قبل أن يصل نولان إلى الشاشة الكبيرة.

الأرجح، إذن، أن ما يحدث هو التقاء موجتين: موجة ثقافية قديمة أعادتها السينما إلى الواجهة، وموجة شعرية جديدة صنعتها المنصات الرقمية. الأولى أعادت القراء إلى هوميروس؛ والثانية أعادت الشعراء المعاصرين إلى القراء.

والنتيجة أن الشعر، الذي ظل لعقود يُعامل باعتباره ابن العم الفقير لصناعة النشر، بات قادرا على منافسة الأنواع الأدبية الأكثر شعبية في قوائم المبيعات.

الشعر يعود إلى وظيفته الأقدم


المفارقة الأكبر أن صعود الشعر في 2026 لا يبدو ثورة على الماضي بقدر ما هو استعادة لبعض وظائفه القديمة. فالشعر منذ بداياته كان وسيلة لحفظ الذاكرة، وسرد الحكايات، والتعبير عن الحزن والحب والخوف والأمل، وجمع الجماعة حول تجربة مشتركة. وهذا بالضبط ما تفعله القصيدة الحديثة الناجحة على الهاتف: تمنح تجربة فردية صيغة يستطيع آلاف الأشخاص أن يقولوا عنها "هذا أنا".

من هوميروس إلى تيك توك، تغيرت الأدوات، لكن الحاجة الإنسانية لم تتغير كثيرا. ولعل هذا هو السبب في أن "موت الشعر" الذي جرى الحديث عنه كثيرا يبدو، مرة أخرى، مبالغة في تشخيص مستقبل فن لم يتوقف أصلا عن البحث عن جمهور جديد.

ففي الوقت الذي يعيد فيه كريستوفر نولان تقديم أوديسيوس إلى جمهور القرن الحادي والعشرين، يصعد شعراء مثل لوكاس جونز، ونيكيتا غيل، وهولي مكنيش، ولِمن سيسي، ولين بيني إلى قوائم المبيعات والجولات الجماهيرية. الشعر لا يموت، كما يبدو؛ إنه يغيّر المنصة فقط.

لماذا يبدو الشعر مختلفا في بريطانيا عن العالم العربي؟


وإذا كانت عودة دواوين الشعر إلى قوائم المبيعات البريطانية تبدو اليوم حدثا لافتا، فإن المشهد يكتسب دلالة مختلفة تماما عند مقارنته بمكانة الشعر في الثقافة العربية. فالشعر في بريطانيا ظل، خلال عقود طويلة، يُعامل في سوق الكتاب باعتباره جنسا أدبيا متخصصا، بينما احتل الشعر في الثقافة العربية موقعا أكثر مركزية، إلى درجة أن وصفه بأنه "ديوان العرب" لم يكن مجرد استعارة أدبية، بل تعبيرا عن وظيفة اجتماعية وثقافية امتدت قرونا.

من المعلقات إلى المتنبي وأبي تمام والمعري، لم يكن الشاعر العربي مجرد كاتب ينتظر قارئا يشتري ديوانه من المكتبة؛ كان صوته جزءا من المجال العام، ووسيلة لحفظ التاريخ والأنساب والقيم، ومدح الجماعة أو هجائها، والتعبير عن الحب والحرب والفقد والمنفى والسلطة. وحتى في العصر الحديث، ظل الشعر أحد أكثر الأشكال الأدبية قدرة على الوصول إلى الجمهور خارج المؤسسات الثقافية، سواء عبر الأمسيات أو الصحافة أو الإذاعة والتلفزيون، ثم عبر المنصات الرقمية.

وهنا تكمن مفارقة المقارنة: ما يبدو في بريطانيا اليوم عودة للشعر إلى المجال الجماهيري، له في الثقافة العربية جذور أعمق بكثير، وإن كانت أشكاله ووسائطه قد تغيرت.

لكن ذلك لا يعني أن الشعر العربي يعيش بالضرورة وضعا أفضل من نظيره البريطاني. فالمكانة الرمزية العالية للشعر لا تتطابق دائما مع قوة سوقه التجارية. وبينما تكشف أرقام السوق البريطانية عن قدرة بعض الشعراء المعاصرين على تحويل الشعبية الرقمية إلى مبيعات بملايين الجنيهات، لا يزال المشهد العربي أكثر تشتتا بين دور نشر وأسواق وطنية مختلفة، مع محدودية التوزيع وارتفاع كلفة الكتاب وتراجع حضور الكتاب الورقي في أجزاء واسعة من المنطقة.

كما أن العلاقة بين الشعر والجمهور تغيرت في العالم العربي أيضا. فقد انتقلت القصيدة من الديوان إلى الصحيفة، ومن المنبر إلى التلفزيون، ومن الأمسية الشعرية إلى يوتيوب وإنستغرام وتيك توك. وبرز شعراء وكتّاب شباب يستخدمون اللهجات المحلية واللغة اليومية، كما عادت قصيدة الإلقاء والأداء إلى الواجهة، في امتداد حديث لتقليد شفهي قديم.

وهذا يجعل المقارنة بين هوميروس والشعراء البريطانيين الجدد أكثر إثارة حين نضعها بجوار التراث العربي. فالأوديسة نفسها نشأت في ثقافة شفوية قبل أن تستقر في نص مكتوب، والشعر العربي الكلاسيكي نشأ كذلك في بيئة كان فيها الإنشاد والحفظ والرواية جزءا أساسيا من حياة القصيدة. وفي الحالتين، لم تكن القصيدة في أصلها مجرد نص صامت؛ كانت صوتا يؤديه شخص أمام جماعة، ثم ينتقل من ذاكرة إلى ذاكرة.

ولعل وسائل التواصل الاجتماعي لا تقضي على هذا الإرث، وإنما تعيد إنتاجه بتقنيات جديدة. فالهاتف الذكي حل في بعض الحالات محل المجلس، ومقطع الفيديو محل المنبر، وملايين المشاهدات محل جمهور الأمسية؛ لكن العلاقة الأساسية بقيت كما هي: شاعر يقول، وجمهور يصغي، ثم يعيد نشر ما سمعه لأنه وجد فيه شيئا من تجربته الخاصة.

ومن هذه الزاوية، فإن قصة الشعر البريطاني في 2026 لا تتعلق فقط بعودة هوميروس أو بصعود شعراء جدد إلى قوائم الأكثر مبيعا. إنها تطرح سؤالا أوسع عن مستقبل الشعر نفسه: هل يحتاج الشعر إلى أن يصبح أكثر جماهيرية حتى يثبت حيويته؟

ربما الإجابة تكمن في التجربتين معا. ففي بريطانيا، يبدو الشعر وكأنه يعيد اكتشاف جمهوره عبر السينما ووسائل التواصل والأداء الحي. وفي العالم العربي، يستند إلى إرث طويل جعل القصيدة جزءا من الذاكرة الثقافية، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحدي تحويل هذه المكانة الرمزية إلى حضور أقوى في سوق الكتاب وفي حياة الأجيال الجديدة.

وبين هوميروس والمتنبي، وبين القصيدة التي كانت تُنشد أمام القبيلة والقصيدة التي تنتشر اليوم على شاشة الهاتف، يبدو أن ما يتغير هو "الوسيط والجمهور وأسلوب الوصول"، لا الحاجة الإنسانية إلى الشعر.

فقد تتغير القصيدة، وقد تتغير المنصة، وقد ينتقل الشاعر من المجلس إلى المسرح ثم إلى تيك توك؛ لكن الإنسان، في النهاية، لا يزال يبحث عن الكلمات التي يستطيع أن يرى نفسه فيها.

القصيدة تكتشف جمهورها على الهاتف


وليس التحول البريطاني بعيدا عن المشهد العربي كما قد يبدو للوهلة الأولى. فخلال العقد الأخير، أنتجت المنصات الرقمية جيلا من الشعراء العرب الذين لم ينتظروا الصحيفة الثقافية أو دار النشر أو المؤسسة الأدبية كي يصلوا إلى الجمهور، بل ذهبوا مباشرة إلى الهاتف، حيث تحولت القصيدة إلى فيديو قصير، والإلقاء إلى محتوى قابل للمشاركة، والشاعر نفسه إلى جزء من تجربة التلقي.

ومن أبرز النماذج المصرية "هشام الجخ"، الذي لا يحتاج إلى كثير من التقديم في هذا السياق، لأنه وصف نفسه صراحة بأنه "صناعة السوشيال ميديا". فقد قال في مقابلة سابقة إن شهرته على مواقع التواصل، منذ 2009 و2010، كانت السبب في انتقاله إلى الظهور التلفزيوني، مؤكدا أن هدفه لم يكن فقط إصدار الدواوين، وإنما استعادة شعبية الشعر. وفي مسيرته مثال واضح على انتقال القصيدة من الصفحة إلى المنصة ثم إلى المسرح، وعلى قدرة الشاعر على بناء جمهور واسع قبل أن يصبح الكتاب هو نقطة الاتصال الأساسية معه.

ويقدم عمرو حسن نموذجا آخر، أكثر قربا من فكرة "الشاعر الذي يصنع جمهوره رقميا". فقد انتشرت قصائده على مواقع التواصل الاجتماعي وحصدت آلاف المشاركات والإعجابات، بالتوازي مع إصداره دواوين مثل "المهنة بارقص" و"ناس كافيه" و"سيلفي". ولم يبق هذا الحضور في العالم الافتراضي؛ إذ انتقل إلى حفلات وأمسيات شعرية جماهيرية، بل قدم تجارب تجمع الشعر بالموسيقى والأوركسترا.

أما "تميم البرغوثي" فيمثل مسارا مختلفا: شاعر لم تصنعه المنصات الرقمية، لكنه أظهر مبكرا كيف يمكن للإلقاء المصوّر أن يحوّل القصيدة إلى ظاهرة تتجاوز حدود الكتاب والأمسية. فقصائد مثل "في القدس" و"قالوا لنا" و"البردة" انتشرت على نطاق واسع عبر التسجيلات المصورة، قبل أن تصبح المنصات الرقمية أرشيفا مفتوحا لقراءاته ومحاضراته. وله حضور رقمي رسمي يضم آلاف المتابعين ومئات المواد المصورة، بما في ذلك قناة يوتيوب.

وهؤلاء الثلاثة يكشفون عن ثلاثة مسارات مختلفة للعلاقة بين الشاعر والمنصة: شاعر تصنعه السوشيال ميديا، وشاعر يحوّل الانتشار الرقمي إلى جمهور للكتاب والمسرح، وشاعر يستخدم المنصة لتوسيع أثر قصيدة كانت قد خرجت أصلا من المؤسسة الشعرية التقليدية.

ولا تقتصر الظاهرة على مصر أو على الشعراء المعروفين سلفا؛ ففي الخليج أيضا أتاحت المنصات للشعر النبطي أن يجد جمهورا جديدا، فيما شهدت الساحة العربية خلال السنوات الأخيرة نقاشا متزايدا حول الشعراء الشباب الذين يستخدمون وسائل التواصل لنشر القصيدة والتفاعل المباشر مع المتلقين. وفي ندوة أدبية بالشارقة عام 2024، أشار شعراء وأدباء إلى أن هذه المنصات خلقت تفاعلا فوريا بين الشاعر والجمهور، وغيّرت وظيفة الشعر ليصبح أكثر التصاقا بتفاصيل الحياة اليومية وهموم الأجيال الجديدة.

لكن التجربة العربية تطرح سؤالا إضافيا لا يظهر بالحدة نفسها في الحالة البريطانية: هل تعني شعبية القصيدة على الهاتف بالضرورة انتصار الشعر؟

فالمنصات تكافئ القصيدة القابلة للاقتباس والمشاركة، والجملة التي يمكن فصلها عن سياقها، والإلقاء الذي يستطيع جذب الانتباه خلال ثوان. وهذا قد يدفع بعض الشعراء إلى تكثيف اللغة العاطفية والمباشرة، أو إلى كتابة نصوص تتلاءم مع منطق المنصة أكثر مما تتلاءم مع منطق الديوان.

ومع ذلك، فإن اختزال الظاهرة في هذا الجانب سيكون ظلما لها. فقد أتاحت المنصات لشعراء لم يكونوا يملكون في السابق منفذا سهلا إلى الجمهور أن يجربوا، ويقرأوا، ويؤدوا، ويتلقوا ردود الفعل مباشرة. وأعادت، في الوقت نفسه، إلى القصيدة واحدا من أقدم عناصر قوتها: الصوت.

وهنا تلتقي التجربة العربية مع هوميروس بصورة لافتة. فقبل أن تكون القصيدة نصا مطبوعا، كانت صوتا وإيقاعا وذاكرة وأداء. والشاعر كان يقف أمام جماعة، فينصت الناس إليه، ويحفظون ما يقول، ثم ينقلونه إلى آخرين. وبعد قرون طويلة من هيمنة الكتاب، أعادت التكنولوجيا هذه العلاقة إلى الواجهة، لكن بأدوات مختلفة: لم يعد الشاعر بحاجة إلى مجلس أو مسرح كي يصل إلى آلاف المستمعين؛ يكفي أن يضغط زر التسجيل.

لذلك، فإن صعود الشعر على المنصات العربية لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره ظاهرة "سوشيال ميديا"، بل باعتباره تحولا في اقتصاد الانتباه الشعري: من يملك القدرة على جذب المستمع، وإبقائه حتى نهاية القصيدة، وتحويله من مستمع عابر إلى متابع ثم قارئ أو حاضر في أمسية، يمتلك فرصة أكبر لإعادة الشعر إلى المجال العام.

وبهذا المعنى، فإن ما يحدث في بريطانيا والعالم العربي قد يكون وجهين لظاهرة واحدة: الشعر يحاول استعادة جمهوره، لا بالتخلي عن طبيعته، وإنما بالعودة إلى واحدة من أقدم خصائصه؛ أن يكون فنا يُسمع ويُتداول ويُحفظ ويُشارك، قبل أن يكون كتابا يوضع على الرف.
التعليقات (0)