"الفم الأحمر".. رواية أيرلندية تستحضر ذاكرة الأرض وأسئلة الهوية والمناخ

تنطلق الرواية من اكتشافين داخل أحد المستنقعات في أيرلندا؛ الأول قرن ضخم لغزال أيرلندي منقرض، والثاني جثة فتاة قديمة محفوظة داخل الخث، لتصبح لاحقاً معروفة باسم "امرأة بيلروي".
تنطلق الرواية من اكتشافين داخل أحد المستنقعات في أيرلندا؛ الأول قرن ضخم لغزال أيرلندي منقرض، والثاني جثة فتاة قديمة محفوظة داخل الخث، لتصبح لاحقاً معروفة باسم "امرأة بيلروي".
شارك الخبر
تقدم رواية "الفم الأحمر" (The Red Mouth) للكاتبة الأيرلندية شيلا أرمسترونغ واحدة من أكثر المعالجات الأدبية عمقاً للعلاقة بين الإنسان والتاريخ والطبيعة، من خلال سرد يتجاوز الحبكة التقليدية ليطرح أسئلة فلسفية حول الزمن والهوية والتغير المناخي، مستلهماً طبيعة المستنقعات الأيرلندية التي تختزن آلاف السنين من الذاكرة الجيولوجية والإنسانية.

وفي مراجعة نقدية للكاتبة روث غيليغان، نشرتها اليوم في صحيفة "الغارديان"، وصفت الصحيفة الرواية بأنها تأمل أدبي عميق في "الزمن السحيق"، حيث تتحول المستنقعات إلى بطل خفي يحتفظ بأسرار الماضي ويعيد تشكيل مصائر الشخصيات التي تعيش على تخومه.

المستنقع بوصفه أرشيفاً للتاريخ

تنطلق الرواية من اكتشافين داخل أحد المستنقعات في أيرلندا؛ الأول قرن ضخم لغزال أيرلندي منقرض، والثاني جثة فتاة قديمة محفوظة داخل الخث، لتصبح لاحقاً معروفة باسم "امرأة بيلروي".

وترى "الغارديان" أن هذين الاكتشافين لا يؤديان وظيفة سردية فحسب، بل يشكلان مدخلاً لاستكشاف العلاقة بين الماضي السحيق والحاضر، إذ تتقاطع حياة أربعة أشخاص مع هذه الاكتشافات بطرق مختلفة، ليصبح المستنقع فضاءً يجمع بين التاريخ والذاكرة والخسارة.

الزمن العميق في مواجهة الحاضر

تعتبر المراجعة أن الفكرة المحورية في الرواية تتمثل في ما يعرف بـ "الزمن العميق" (Deep Time) ، وهو مفهوم يشير إلى الامتداد الجيولوجي الهائل لتاريخ الأرض، مقارنة بقصر عمر الإنسان.

وتجسد الرواية هذا المعنى عبر شخصية توماس، قاطع الخث، الذي يتساءل عن معنى "التنمية"، معتبراً أن التطور الحقيقي حدث عبر مئات آلاف السنين عندما تشكلت طبقات المستنقعات، وليس في المشاريع الحديثة التي تغير معالم المكان.

وترى الصحيفة أن هذا السؤال يضع الرواية في قلب النقاشات المعاصرة حول أزمة المناخ، إذ تواجه الأدبيات البيئية معضلة التوفيق بين إدراك بطء الزمن الجيولوجي، والإحساس بإلحاح الكارثة المناخية الراهنة.

الطبيعة ليست خلفية للأحداث

وتلفت "الغارديان" إلى أن أرمسترونغ لا تتعامل مع الطبيعة باعتبارها مجرد مسرح للأحداث، بل تمنحها حضوراً فاعلاً، إذ تتحول المستنقعات إلى كيان حي يحتفظ بآثار البشر والكائنات، ويعيد إنتاج الذاكرة عبر الزمن.

ويعزز هذا التصور أسلوب لغوي وصفته المراجعة بأنه شديد الشعرية، يمزج بين المصطلحات العلمية، والأساطير الأيرلندية القديمة، ومفردات اللغة الأيرلندية، في رسم مشاهد للطبيعة تتسم بكثافة بصرية وتأملية.

شخصيات تبحث عن معنى

تتنقل الرواية بين شخصيات متعددة، من بينها مهاجر عاد إلى أيرلندا وهو يعاني عزلة عميقة، وعالمة بيئة تجد نفسها أمام رهبة الموت الكامنة في المستنقعات، وقاطع خث يكافح للحفاظ على نمط حياته التقليدي، وعالم آثار يتحول اكتشاف الجثة القديمة إلى هاجس يطبع حياته المهنية والشخصية.

وترى المراجعة أن الشخصيات لا تخوض مغامرات استثنائية، بل تعيش خسارات يومية وأسئلة وجودية تتراكم بهدوء، تماماً كما تتراكم طبقات الخث في المستنقعات عبر آلاف السنين.

رواية تتجاوز الحبكة التقليدية

وتشير "الغارديان" إلى أن بعض القراء قد يرون أن الرواية تفتقر إلى الحبكة التقليدية أو الحوار المكثف، إلا أن هذا الخيار الجمالي يتوافق مع طبيعة العمل، الذي لا يبحث عن مفاجآت درامية بقدر ما يسعى إلى التقاط حركة الزمن البطيئة وتعقيد التجربة الإنسانية.

وتقارن الصحيفة تجربة قراءة الرواية برواية "أوربيتال" (Orbital) للكاتبة البريطانية سامانثا هارفي، الفائزة بجائزة "بوكر"، إذ تنطلق كلتاهما من تأمل حياة أفراد عاديين في مواجهة أفق كوني واسع؛ غير أن رواية هارفي تتأمل الكون من الفضاء، بينما تغوص رواية أرمسترونغ في أعماق الأرض.

أدب المناخ والذاكرة

وتخلص المراجعة إلى أن "الفم الأحمر" تنتمي إلى ما بات يعرف بـ"أدب المناخ"، لكنها تتجاوز الطرح البيئي المباشر، لتقدم تأملاً في العلاقة بين الإنسان والزمن والهوية والمكان.

وتؤكد أن الرواية تطرح سؤالاً مفتوحاً حول كيفية التعايش مع عالم يتغير باستمرار، حيث لا تقدم إجابات حاسمة، بل تجعل من عدم اليقين جزءاً من التجربة الإنسانية، في عمل وصفته بأنه "تأملي وعميق"، وقادر على إبقاء القارئ مشدوداً حتى الصفحة الأخيرة.

ما هو "أدب المناخ"؟

لم يعد الحديث عن "أدب المناخ" (Climate Fiction أو Cli-Fi) مجرد توصيف نقدي عابر، بل أصبح خلال العقدين الأخيرين أحد أبرز التصنيفات الأدبية المعاصرة، مع تصاعد الاهتمام العالمي بأزمة التغير المناخي.

ويشير هذا المصطلح إلى الأعمال الروائية والقصصية التي تجعل من المناخ والبيئة والتحولات الإيكولوجية عنصراً محورياً في البناء السردي، سواء من خلال استشراف مستقبل الكوكب، أو رصد آثار الاحتباس الحراري والكوارث البيئية، أو مساءلة علاقة الإنسان بالطبيعة واستنزافه لمواردها.

ولا يقتصر أدب المناخ على الروايات التي تتناول الكوارث البيئية مباشرة، بل يشمل أيضاً الأعمال التي تستحضر ما يسميه النقاد "الزمن العميق"؛ أي النظر إلى تاريخ الأرض بوصفه إطاراً لفهم الحاضر، وهو ما يجعل رواية "الفم الأحمر" تنتمي إلى هذا الاتجاه من خلال ربطها بين المستنقعات الأيرلندية والذاكرة الجيولوجية وأسئلة الهوية والبيئة.

ومن أبرز الأسماء العالمية المرتبطة بهذا التيار الكنديّة مارغريت أتوود، ولا سيما في ثلاثيتها MaddAddam، والبريطاني كيم ستانلي روبنسون في روايته The Ministry for the Future، والأمريكي ريتشارد باورز في رواية The Overstory، إضافة إلى الهندي أميتاف غوش الذي أسهم، عبر كتابه The Great Derangement، في التنظير لفكرة أن الأدب التقليدي تأخر طويلاً في استيعاب أزمة المناخ بوصفها قضية وجودية وإنسانية، وليست مجرد موضوع علمي أو سياسي.

وماذا عن الرواية العربية؟

في المقابل، لا يزال أدب المناخ في الرواية العربية في طور التشكل، ولم يتحول بعد إلى تيار نقدي واضح أو تصنيف أدبي راسخ، رغم وجود أعمال تناولت البيئة والتصحر وشح المياه والتحولات البيئية بوصفها جزءاً من أسئلتها السردية. ويرى نقاد أن الرواية العربية انشغلت تاريخياً بقضايا الاستعمار والدولة والهوية والتحولات الاجتماعية، بينما ظل البعد البيئي حاضراً غالباً بوصفه خلفية للأحداث، لا محوراً مستقلاً للسرد.

ومع ذلك، بدأت تظهر خلال السنوات الأخيرة قراءات نقدية تتحدث عن "السرد البيئي" أو "الإيكولوجيا الأدبية" في الأدب العربي، في ضوء تصاعد تأثيرات التغير المناخي على المنطقة العربية، من الجفاف والتصحر إلى ندرة المياه والهجرة البيئية. ويذهب بعض الباحثين إلى أن السنوات المقبلة قد تشهد تبلور هذا الاتجاه بصورة أوضح، مع تحول قضايا البيئة والمناخ من موضوعات هامشية إلى تحديات تمس الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في العالم العربي، بما يمنح الرواية العربية مادة جديدة لإعادة التفكير في علاقة الإنسان بأرضه وبيئته ومستقبله.
التعليقات (0)

خبر عاجل