أطلقت مدينة مانشستر البريطانية سلسلة
محاضرات سنوية لتخليد إرث المناضل الأمريكي فريدريك دوغلاس، أحد أبرز قادة حركة
إلغاء
العبودية في القرن التاسع عشر، وذلك بالتزامن مع مرور 180 عاماً على جولته
الشهيرة في المدينة، والتي شكّلت محطة مفصلية في مسيرته الفكرية والسياسية.
وتأتي المبادرة، التي تنظمها جمعية مانشستر
الأدبية والفلسفية بالتعاون مع منظمة كاريزما لبناء السلام وجامعة مانشستر، في وقت
لا تزال فيه المدينة تخلو من أي لوحة تذكارية تشير إلى إقامة دوغلاس فيها، رغم
المكانة التي احتلتها مانشستر في حياته، بحسب تقرير نشرته صحيفة "الغارديان".
من عبدٍ هارب إلى رمز عالمي
وصل دوغلاس إلى
بريطانيا عام 1845 وهو في
السابعة والعشرين من عمره، بعد فراره من العبودية في الولايات المتحدة، إثر نشر
سيرته الذاتية الشهيرة سيرة حياة فريدريك دوغلاس، العبد الأمريكي، التي كشفت
تفاصيل حياته تحت نظام الرق وجعلته هدفاً لملاحقة مالكه السابق.
وخلال جولة استمرت 19 شهراً في بريطانيا
وإيرلندا، اتخذ دوغلاس من مانشستر قاعدة رئيسية لتحركاته، وألقى عشرات المحاضرات
بين تموز/ يوليو 1846 وآذار/ مارس 1847 في قاعات المدينة وعدد من مدن شمال
إنجلترا، داعياً إلى إنهاء العبودية ومناصرة الحريات المدنية.
الحرية التي غيّرت مسيرته
وأكد المؤرخ البريطاني ديفيد أولوسوغا، في
المحاضرة الافتتاحية التي حملت عنوان "فريدريك دوغلاس: حياة عالمية"، أن
السنوات التي قضاها دوغلاس في بريطانيا منحته مساحة نادرة للتفكير والعمل بعيداً
عن خطر إعادة استعباده، وهو ما أسهم في تطوره الفكري والسياسي.
وقال أولوسوغا إن دوغلاس "أصبح ظاهرة
جماهيرية في بريطانيا، وأعاد إحياء قضية مناهضة العبودية بصورة لم يحققها أي متحدث
آخر"، مشيراً إلى أن تأثيره تجاوز الدفاع عن السود ليشمل دعم حقوق النساء
واستقلال إيرلندا.
شراء الحرية
وخلال وجوده في بريطانيا، تمكن دوغلاس،
بمساعدة
ناشطين من طائفة الكويكرز، من جمع الأموال اللازمة لافتداء حريته قانونياً
من مالكه السابق، كما حصل على تمويل لإطلاق صحيفته المناهضة للعبودية "نورث
ستار".
ورغم اعتراض بعض دعاة إلغاء العبودية في
الولايات المتحدة على فكرة "شراء الحرية"، معتبِرين أن الإنسان يولد
حراً ولا ينبغي دفع المال لمستعبديه، دافع دوغلاس عن القرار في رسالة كتبها من
مانشستر عام 1846، مؤكداً أن الهدف لم يكن تعويض مالك العبيد، بل تحريره من أي
ملاحقة قانونية قد تعيده إلى العبودية إذا عاد إلى الولايات المتحدة.
مانشستر.. بين القطن والعبودية
ويحمل تكريم دوغلاس دلالة خاصة في مانشستر،
التي كانت خلال القرن التاسع عشر القلب الصناعي لصناعة القطن العالمية، وهي صناعة
اعتمدت بصورة كبيرة على القطن الذي كان يزرعه ويحصدّه العبيد في الولايات المتحدة
والبرازيل.
ومع ذلك، شهدت المدينة أيضاً نشاطاً واسعاً
للحركات المناهضة للعبودية، كما وقف كثير من عمال القطن في لانكشاير إلى جانب قضية
تحرير العبيد خلال الحرب الأهلية الأمريكية، رغم ما تسبب به ذلك من خسائر اقتصادية
لهم.
إرث يتجاوز الماضي
وقال الدكتور دون داجي، أحد أمناء جمعية
مانشستر الأدبية والفلسفية، إن إطلاق المحاضرات السنوية يهدف إلى تعريف الأجيال
الجديدة بحياة دوغلاس، معتبراً أنه "ترك نموذجاً للنضال لا يزال العالم بحاجة
إليه حتى اليوم".
ويُعد فريدريك دوغلاس (1818-1895) من أبرز
الشخصيات الأمريكية في القرن التاسع عشر؛ فقد انتقل من العبودية إلى قيادة الحركة
المطالبة بإلغائها، قبل أن يصبح كاتباً وخطيباً ودبلوماسياً بارزاً، وأسهم في
الدفاع عن الحقوق المدنية وحق المرأة في التصويت.
وفي خطاب وداعه لبريطانيا عام 1847، لخّص
دوغلاس التحول الذي عاشه قائلاً: "جئت إلى هنا عبداً، وأغادر رجلاً حراً. جئت
شيئاً، وأعود إنساناً."