أعلن المغني البريطاني بوي جورج انسحابه من
المشاركة في العرض
المسرحي الغنائي "جيزس كرايست سوبرستار"، المقرر
تقديمه في مسرح لندن بالاديوم في حي ويست إند الشهير، وذلك بعد موجة انتقادات
أثارتها أغنية جديدة أصدرها وتضمنت مواقف مؤيدة لإسرائيل في حربها على قطاع غزة.
وكان من المقرر أن يؤدي المغني، البالغ من
العمر 65 عاماً، دور الملك هيرودس في العرض المقرر تقديمه في لندن بين 3 و15
آب/أغسطس المقبل، قبل أن يعلن مدير أعماله بول كيمسلي أن بوي جورج لن يشارك في
العروض.
وقال كيمسلي، في منشور عبر وسائل التواصل
الاجتماعي، إن المغني "لن يشارك في عرض جيزس كرايست سوبرستار على مسرح لندن
بالاديوم"، موضحاً أن قرار الانسحاب جاء في سياق
الجدل الذي رافق الأغنية
الجديدة وما أثارته من ردود فعل.
وتعود خلفية الجدل إلى إصدار بوي جورج هذا
الأسبوع أغنية بعنوان "وي وِل دانس أغين" (سنرقص مجدداً)، وهي عبارة
ارتبطت في إسرائيل بالتعبير عن التضامن مع الإسرائيليين عقب هجوم حركة حماس على
إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وتتضمن الأغنية مواقف صريحة مؤيدة لإسرائيل،
من بينها عبارات تقول: "تقولون إبادة جماعية، أقول حرب"، و"عندما
تتعرضون لهجوم، فهذا هو دور الجيش"، في إشارة إلى الجدل الدائر حول توصيف
الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما إذا كانت ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وهو
توصيف تتبناه جهات حقوقية وأممية وأكاديمية، فيما ترفضه إسرائيل بشدة.
وأثارت الأغنية انتقادات واسعة في أوساط
متابعين، خصوصاً في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما خلفته من
أعداد كبيرة من القتلى والجرحى والدمار، وسط مطالبات متزايدة بوقف الحرب ومحاسبة
المسؤولين عن الانتهاكات بحق المدنيين.
وفي خضم الجدل، قال بوي جورج، في منشور عبر
حسابه على منصة "إنستغرام"، إن الأغنية "أُنتجت باستخدام الذكاء
الاصطناعي"، في توضيح يتعلق بطريقة إنتاج العمل، بينما واصل في منشور آخر طرح
أسئلة حول استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية".
وتساءل المغني: "لماذا لا نستخدم كلمة
إبادة جماعية في أغنية؟ لماذا يشعر الناس فجأة بعدم الارتياح تجاه هذه الكلمة؟"،
في إشارة إلى الجدل السياسي والإعلامي المتصاعد حول المصطلح في سياق الحرب على غزة.
ولم يعلن بوي جورج، وفق المعطيات المتاحة،
أنه تراجع عن مواقفه التي عبّر عنها من خلال الأغنية، بل جاء الانسحاب من العرض
المسرحي في أعقاب تصاعد الانتقادات المرتبطة بها، في وقت حاول فيه مدير أعماله
تقديم القرار باعتباره خطوة تهدف إلى حماية العرض من التحول إلى ساحة للصراع
السياسي.
وقال مدير أعماله بول كيمسلي: "لم يخشَ
جورج يوماً التمسك بقناعاته الشخصية، ولطالما احترمته لذلك"، مضيفاً: "في
هذه الحالة، شعرتُ أنه من الصواب التنحي جانباً، حتى يظل العرض هو محط التركيز".
ويضع هذا القرار الفنان البريطاني أمام
مفارقة لافتة، إذ إن بوي جورج، المعروف منذ عقود بمواقفه الجريئة وشخصيته الفنية
المثيرة للجدل، كان يستعد للظهور في أحد أشهر العروض الموسيقية في
بريطانيا، قبل
أن تتحول أغنية ذات مضمون سياسي إلى سبب في انسحابه من العمل.
ويُعد "جيزس كرايست سوبرستار"
واحداً من أشهر الأعمال المسرحية الغنائية في تاريخ المسرح البريطاني، وقد كتب
موسيقاه أندرو لويد ويبر وكلماته تيم رايس، وتتناول الأيام الأخيرة من حياة المسيح
عليه السلام، في عمل يجمع بين الموسيقى والاستعراض والدراما.
وكان من المنتظر أن يؤدي بوي جورج شخصية
الملك هيرودس، وهي شخصية تظهر في أحد أكثر مشاهد المسرحية شهرة، بما يجعل مشاركته
جزءاً بارزاً من العرض المنتظر في مسرح لندن بالاديوم.
ويأتي انسحاب المغني في وقت تشهد فيه الساحة
الثقافية البريطانية، كما هو الحال في عدد من الدول الغربية، نقاشاً متزايداً حول
حدود التعبير الفني في القضايا السياسية، ولا سيما الحرب على غزة والصراع
الإسرائيلي
الفلسطيني.
وخلال الأشهر الماضية، تحولت المسارح
والجامعات والمهرجانات والفعاليات الثقافية في بريطانيا وأوروبا إلى ساحات للنقاش
حول المواقف من الحرب، حيث واجه فنانون ومثقفون ومنظمون ضغوطاً وانتقادات متبادلة
على خلفية تصريحاتهم أو مواقفهم من إسرائيل والفلسطينيين.
وفي المقابل، يرى مؤيدو حرية التعبير أن
الفنانين يجب أن يكونوا قادرين على التعبير عن مواقفهم السياسية، حتى عندما تكون
مثيرة للجدل، بينما يعتبر منتقدون أن استخدام المنابر الثقافية للترويج لمواقف
سياسية في ظل حرب دامية قد يساهم في تبرير العنف أو تجاهل معاناة المدنيين.
ويكتسب الجدل حول أغنية بوي جورج حساسية
إضافية بسبب ارتباطها المباشر بالحرب على غزة، التي أصبحت واحدة من أكثر القضايا
استقطاباً في المشهد السياسي والثقافي العالمي. فمنذ اندلاع الحرب، انقسمت الأوساط
الفنية بشكل واضح بين من أعلن دعمه لإسرائيل، ومن تبنى الرواية الفلسطينية وطالب
بوقف الحرب، وبين فنانين اختاروا الصمت خشية الانخراط في جدل سياسي واسع.
وتثير مثل هذه المواقف أسئلة تتجاوز حدود
الفن نفسه، حول قدرة الفنان على الفصل بين عمله الإبداعي ومواقفه السياسية، وحول
ما إذا كان الجمهور يتعامل مع الفنان بوصفه صاحب أعمال فنية فقط، أم بوصفه شخصية
عامة يتحمل مسؤولية مواقفه وتأثيرها.
وفي حالة بوي جورج، يبدو أن الجدل لم يتوقف
عند مضمون الأغنية، بل امتد إلى مشاركته في عمل مسرحي يرتبط اسمه بشخصية دينية
وتاريخية ذات رمزية عالمية، الأمر الذي جعل قرار الانسحاب أكثر إثارة للاهتمام في
المشهد الثقافي البريطاني.
وبحسب مدير أعماله، فإن الهدف من التنحي كان
إبقاء التركيز على المسرحية نفسها، ومنع الجدل السياسي المرتبط بالأغنية من طغيان
على العمل الفني. لكن انسحاب المغني من العرض أدى، في المقابل، إلى منح القضية
مزيداً من الاهتمام الإعلامي، وأعاد طرح سؤال العلاقة بين المواقف السياسية
للفنانين ومشاركتهم في الأعمال الثقافية العامة.
ويأتي ذلك في وقت باتت فيه الحرب على غزة
حاضرة بقوة في المشهد الثقافي العالمي، حيث لم يعد الجدل مقتصراً على الحكومات
والمنظمات الدولية، بل امتد إلى الفنانين والموسيقيين والممثلين والكتاب، وأصبح
التعبير عن الموقف من الحرب جزءاً من النقاش العام حول المسؤولية الأخلاقية للفنان
ودور الثقافة في أوقات الأزمات.
وبينما يصر بوي جورج على حقه في التعبير عن
قناعاته، اختار في المقابل الانسحاب من المسرحية حتى لا يتحول العرض إلى امتداد
للجدل السياسي الدائر حول أغنيته، في قرار يسلط الضوء مجدداً على الحدود المتداخلة
بين الفن والسياسة، وعلى الكلفة التي قد يدفعها الفنانون عندما يختارون إعلان
مواقفهم في القضايا الأكثر انقساماً وحساسية.
وهكذا، تحولت أغنية "وي وِل دانس أغين"
من عمل موسيقي ذي موقف سياسي إلى قضية ثقافية أثارت جدلاً واسعاً، وانتهت بانسحاب
صاحبها من أحد أبرز العروض المسرحية في لندن، لتفتح من جديد النقاش حول مسؤولية
الفنان، وحدود حرية التعبير، وموقع الفن في خضم الحروب والصراعات التي تتجاوز حدود
المسرح والموسيقى.
اظهار أخبار متعلقة