أزمة رواية أم أزمة واقع؟ كيف تفسر إسرائيل تراجع مكانتها الدولية؟

توفر الدراسة مادة مهمة لفهم طبيعة النقاشات الدائرة حالياً داخل مراكز التفكير الإسرائيلية. فهي تكشف أن الصراع لم يعد يُقاس فقط بموازين القوة العسكرية أو الدبلوماسية، بل بات يُقاس أيضاً بموازين الشرعية والرمزية والقدرة على التأثير في الوعي العام.
في واحدة من أكثر الوثائق الإسرائيلية دلالة على التحولات التي أحدثتها حرب غزة في البيئة الدولية، تكشف دراسة حديثة صادرة عن "معهد دراسات الأمن القومي" في تل أبيب عن قلق متزايد داخل دوائر التفكير الإسرائيلية من التراجع الحاد في صورة "إسرائيل" عالمياً، إلى درجة اعتباره تهديداً للأمن القومي يستوجب تعبئة مؤسسات الدولة وإعادة بناء منظومة الدعاية والإعلام السياسي من جذورها.

وتكتسب الدراسة، التي حملت عنوان "تدهور صورة إسرائيل بوصفه إضراراً بالأمن القومي: خطة لإعادة تأهيل منظومة الإعلام/الدعاية الإسرائيلية"، أهمية خاصة لأنها لا تصدر عن جهة إعلامية أو سياسية عابرة، بل عن أحد أبرز مراكز التفكير المؤثرة في صناعة القرار الإسرائيلي. وقد أعدها الباحثان عكيفا تور وأوفير دايان، فيما ترجمها واختصرها الدكتور نهاد الشيخ خليل ضمن إصدار جديد لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.

من التفوق العسكري إلى أزمة الشرعية

تكشف الدراسة عن مفارقة لافتة في التفكير الإسرائيلي بعد أكثر من عامين على اندلاع الحرب في غزة؛ فبينما تتحدث المؤسسة الإسرائيلية عن إنجازات عسكرية وأمنية حققتها منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ترى الدراسة أن هذه الإنجازات لم تتحول إلى مكاسب سياسية أو أخلاقية على المستوى الدولي، بل حدث العكس تماماً.

ففي الوقت الذي نجحت فيه "إسرائيل" في فرض حضورها العسكري في الميدان، أخذت تخسر بصورة متسارعة معركة الشرعية والرأي العام العالمي. وهنا تظهر للمرة الأولى بوضوح داخل الأدبيات الإسرائيلية فكرة أن أزمة الصورة لم تعد مجرد إشكال دعائي أو إعلامي، بل أصبحت عاملاً مؤثراً في الأمن القومي ذاته.

ويعكس هذا التحول فهماً متزايداً داخل المؤسسات الإسرائيلية لطبيعة القوة في النظام الدولي المعاصر، حيث لم تعد القدرات العسكرية وحدها كافية لضمان النفوذ والاستقرار، بل باتت الشرعية الدولية والصورة الأخلاقية والقدرة على التأثير في الرأي العام جزءاً أساسياً من عناصر القوة الشاملة للدول.

مؤشرات القلق الإسرائيلي

تستعرض الدراسة مجموعة واسعة من المؤشرات التي تراها دليلاً على التدهور غير المسبوق في مكانة "إسرائيل" الدولية.

ومن بين هذه المؤشرات تصاعد الإجراءات القانونية ضد مسؤولين إسرائيليين في المحافل الدولية، واتساع حملات المقاطعة الأكاديمية والثقافية، وتراجع مستويات التأييد الشعبي لـ"إسرائيل" في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب ازدياد النظرة السلبية إليها في استطلاعات الرأي داخل المجتمعات الغربية.

ولا تنظر الدراسة إلى هذه الظواهر بوصفها أحداثاً منفصلة، بل باعتبارها حلقات في مسار واحد قد يقود في المستقبل إلى عزلة سياسية أوسع أو إلى إجراءات رسمية من جانب حكومات ومؤسسات دولية كانت تقليدياً ضمن المجال الداعم لـ"إسرائيل".

وتبدو المخاوف الإسرائيلية أكبر عندما يتعلق الأمر بالأجيال الشابة في الغرب، إذ تشير الدراسة إلى تنامي التأييد للقضية الفلسطينية داخل الجامعات والأوساط الطلابية والنخب الثقافية، وهو ما تعتبره تهديداً بعيد المدى قد يؤثر على مواقف صناع القرار في العقود المقبلة.

الأزمة كما تراها النخبة الإسرائيلية

لكن الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في الدراسة لا يتمثل في توصيف الأزمة بقدر ما يتمثل في تفسير أسبابها.

فبدلاً من ربط التراجع العالمي في صورة "إسرائيل" بالسياسات المتبعة في الأراضي الفلسطينية أو بحجم الدمار والخسائر البشرية التي خلفتها الحرب في غزة، تميل الدراسة إلى تفسير الأزمة باعتبارها نتيجة لفشل مؤسسات الدعاية والإعلام الإسرائيلي في إدارة الرواية وتقديمها بصورة فعالة للعالم.

وبحسب هذا المنظور، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في الوقائع ذاتها، بل في كيفية عرضها وتسويقها دولياً. ولذلك تركز الدراسة على ما تصفه بغياب القيادة المركزية للخطاب الإعلامي، وضعف التنسيق بين المؤسسات الرسمية، والعجز عن استثمار وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم القدرة على التأثير في البيئات الأكاديمية والثقافية الغربية.

وهنا تبرز إحدى السمات الأساسية للتفكير الاستراتيجي الإسرائيلي المعاصر، وهي الميل إلى التعامل مع تراجع الشرعية الدولية بوصفه أزمة اتصالية وإعلامية قبل أن يكون أزمة سياسية أو أخلاقية.

الحرب على الرواية

تكشف الوثيقة أن المعركة على السردية أصبحت في نظر كثير من الباحثين الإسرائيليين امتداداً مباشراً للمعركة العسكرية.

فإذا كانت الحروب التقليدية تدور حول السيطرة على الأرض والحدود، فإن الحروب الحديثة تشمل أيضاً السيطرة على التفسير والمعنى والرواية. ومن هذا المنطلق، تنظر الدراسة إلى الفضاء الرقمي والجامعات الغربية ووسائل الإعلام العالمية باعتبارها ساحات صراع لا تقل أهمية عن ساحات القتال التقليدية.

وتدعو الدراسة إلى بناء ما يشبه "قيادة مركزية للرواية"، تتولى تنسيق الرسائل الإعلامية والسياسية والقانونية، وتطوير استراتيجيات طويلة الأمد للتأثير في الرأي العام الدولي، خصوصاً بين الشباب والطلاب والأكاديميين.

كما تقترح تشكيل فرق متخصصة لمواجهة الاتهامات القانونية الموجهة إلى "إسرائيل"، وتوسيع شبكات المؤيدين في الجامعات الغربية، وإطلاق برامج تدريب وإعداد للناشطين القادرين على الدفاع عن السردية الصهيونية في الفضاءات العامة والإعلامية.

ما الذي تكشفه الوثيقة فعلاً؟

تتجاوز أهمية الدراسة مضمون توصياتها المباشرة، لأنها تكشف عن أزمة أعمق داخل العقل السياسي الإسرائيلي.

فالوثيقة تعكس إدراكاً متزايداً بأن التحولات التي شهدها الرأي العام العالمي منذ حرب غزة ليست عابرة أو ظرفية، بل قد تكون جزءاً من تغير بنيوي طويل الأمد في الطريقة التي يُنظر بها إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

كما تكشف عن قلق واضح من فقدان الاحتكار التقليدي للرواية في الغرب، خصوصاً مع صعود الإعلام الرقمي وتراجع قدرة المؤسسات الكبرى على التحكم في تدفق المعلومات والصور والشهادات القادمة من مناطق النزاع.

وفي هذا السياق، تبدو الدراسة أقرب إلى محاولة لإعادة بناء أدوات التأثير القديمة في عالم تغيرت قواعده بشكل جذري، حيث أصبح الأفراد ومنصات التواصل والمبادرات المدنية قادرين على إنتاج روايات منافسة للروايات الرسمية للدول.

بين أزمة الصورة وأزمة السياسات

وتبرز أهمية الملاحظات النقدية التي أرفقها مترجم الدراسة، إذ يشير إلى أن الوثيقة تنطلق من افتراض أساسي مفاده أن المشكلة تكمن في ضعف التسويق الإعلامي، لا في السياسات التي أنتجت الانتقادات الدولية.

وهنا يظهر الفارق بين مقاربتين مختلفتين للأزمة: الأولى ترى أن تراجع الصورة ناجم عن خلل في أدوات الاتصال والإقناع، والثانية تعتبر أن الصورة السلبية تعكس رد فعل متزايداً على ممارسات وسياسات أصبحت أكثر حضوراً في الوعي العالمي بفعل التطورات الميدانية والتكنولوجية.

ومن ثم، فإن السؤال المركزي الذي تطرحه الدراسة، ولو بصورة غير مباشرة، لا يتعلق فقط بكيفية استعادة "إسرائيل" لصورتها الدولية، بل أيضاً بحدود قدرة الدعاية السياسية على تغيير الانطباعات عندما تكون الوقائع نفسها محل جدل وانتقاد واسع.

وثيقة لفهم التحولات الجارية

بعيداً عن الموقف من مضامينها، توفر الدراسة مادة مهمة لفهم طبيعة النقاشات الدائرة حالياً داخل مراكز التفكير الإسرائيلية. فهي تكشف أن الصراع لم يعد يُقاس فقط بموازين القوة العسكرية أو الدبلوماسية، بل بات يُقاس أيضاً بموازين الشرعية والرمزية والقدرة على التأثير في الوعي العام العالمي.

ولهذا السبب، تبدو الوثيقة مؤشراً على انتقال القلق الإسرائيلي من إدارة الحرب إلى إدارة آثارها المعنوية والسياسية طويلة الأمد، ومن الدفاع عن الحدود إلى الدفاع عن الرواية، في لحظة تاريخية تشهد إعادة تشكل واسعة للمواقف الدولية من القضية الفلسطينية ومن مكانة "إسرائيل" في النظام العالمي المعاصر.