الكتاب: فلسطينيو 48 وحرب الإبادة على غزة، مساءلة الصمت والفاعلية
السياسية.
الكاتب: مجموعة من المؤلفين
تحرير: همت زعبي وعرين هواري.
الناشر: مدى الكرمل، المركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية،
عام2025م.
لم تكن الحرب الإٍسرائيلية الأخيرة على الشعب
الفلسطيني في قطاع غزة،
سوى مرحلة من مراحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ولكنها هذه المرة كانت الأشرس
والأوسع انتقاماً، ليس ضد أبناء قطاع غزة وحدهم، ولكنها طالت الكل الفلسطيني سواء
في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م، أو عام 1967م، فعمليات الإخلاء ومحاولات
التهجير القسري طالت الجميع في قطاع غزة ومخيمات الضفة الغربية، ارتكبت فيها
إسرائيل أبشع جرائم الإبادة ضد الإنسانية، التي بثت على مرأى من العالم، وأحدثت
تضامن عالمي واسع مؤيد لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
قدمت فصول هذا الكتاب تشخيص لآثر الحرب على غزة على فلسطينيي
ال48وعلى فاعليتهم السياسية أو غيابها، وهو محاولة لوصف الانكفاء والانخراط لا
كموقفين متقابلين، بل كساحتين متداخلتين في صراع الوعي والسياسة بين الخوف والغضب،
بين الصمت والرغبة في الفعل، بين إعادة انتاج شروط الإخضاع والبحث عن أفق سياسي
جديد، وهو ما أظهرته دراسات هذا الكتاب التي جاءت متناغمة في
العرض، والتحليل،
والاستقصاء، للوصول للمعلومات المطروحة أمام القراء.
فقد كتبت د. إلهام شمالي عن الحرب على غزة، إبادة للإنسان والمكان،
أن الحرب وضعت الفلسطينيين في غزة حيال تحديات كبيرة، وصعوبات جمة، على المستوى
الأمني، والاجتماعي، والصحي، والنفسي، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وزيادة حدة
الفقر والبطالة، وازدادت معدلات الفقر والبطالة، التي رافقها ارتفاع واضح في الاضطرابات
النفسية لدى الأطفال والنساء مع تنامي شعور الخوف والقلق على المستقبل، مع نزوح
أكثر من مليون ونصف فلسطيني تقريباً، داخل كل واحد منهم رواية فلسطينية عن النزوح
والتشريد، الذي ترافق مع شطب عائلات كاملة من السجل المدني لأربعة أجيال، وتضيف
شمالي" يعاني الغزيون والغزوايات من الجوع بينما تلقى المساعدات من الجو،
ليصل بعضها إلى خارج حدود قطاع غزة، أو يغرق في البحر، فتذوب تلك المساعدات في
الماء قبل أن تصل إلى أيديهم، يتحول الطعام إلى سراب، وتغرق معها أحلام أطفال
ينتظرون آباءهم، الذين قد لا يعودون أمام طيران يتربص بهم".
ماذا يعني أن نكون فلسطينيين؟ هل الهوية الفلكورية، والفعل الثقافي، والأدبي، والمقاهي الثقافية، وارتداء الحطة الفلسطينية، وقلادة حنظلة، والمشاركة في مسيرة العودة، والانتشاء الوطني عند سماع الأناشيد الوطنية، تكفي لأن تكون فلسطينياً؟
أما على الصعيد الاقتصادي؛ أوضحت الكاتبة أن اقتصاد قطاع غزة انتقل
اقتصاد قطاع غزة من الاقتصاد المدمر إلى الاقتصاد المنكوب؛ فهو اقتصاد متوقف إلى
أجل غير معروف، وكل ما بقي هو اقتصاد البقاء على قيد الحياة، من غير الواقعي ولا
المجدي الحديث عن مجمل الخسائر الاقتصادية، أمام عملاق عسكري يحركه اقتصاد حجمه
خمسة عشر ضعفاً مما لدى الطرف الفلسطيني.
تساءل د. مهند مصطفى، عن فلسطينيي 48 والحرب المكان والمكانة، وبدأ
دراسته بسؤال استفهامي حول: أين عرب 48 مما يجري في غزة؟ في إشارة واضحة بأن هناك
صمتا غير مبرر لمن يملكون زمام الأمور في الداخل الفلسطيني، ثم أتبعه بسؤال
استنكاري، هل تعلم أن هناك إبادة في قطاع غزة؟ هل تخافون دفع ثمن، في ظل القتل
الجماعي والتدمير المنهجي لقطاع غزة؟.
يضيف مصطفى: ليس هناك تفسير لسياسة الصمت إلا الخوف، لم يكن هذا الصمت
مقاومة، ولم يكن الصمت تعبيراً عن الحكمة كما سيبرر له القادة الصامتون، لقد كان
خوفاً، هل الخوف شعور شرعي؟ يجيب: "لا أعتقد ذلك، ولا يمكن اجبار الناس على عدم
الخوف في ظل نخب صامتة، ولكن هذا الخوف يبرر حالة التكيف مع الإبادة؟ والجواب هنا:
لا".
ماذا يعني أن نكون فلسطينيين؟ هل الهوية الفلكورية، والفعل الثقافي،
والأدبي، والمقاهي الثقافية، وارتداء الحطة الفلسطينية، وقلادة حنظلة، والمشاركة
في مسيرة العودة، والانتشاء الوطني عند سماع الأناشيد الوطنية، تكفي لأن تكون
فلسطينياً؟
اعتبر مصطفى كل ذلك ممارسات تعويضية، وفائض يعوض عن نقص المشروع
السياسي، وغياب المشروع السياسي، الذي مازال المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل يكتوي
به.
أمطانس شحادة في إطلالته حول "مواقف المجتمع العربي تجاه الحرب
على غزة وإسقاطاتها السياسية"، أشار بأن الحكومة الإسرائيلية وصناع قرار،
وصفوا الحرب على غزة بأنها حرب وجودية، لكن لهذا التعريف إسقاطات ودلالات كثيرة
على جميع المستويات؛ فهو أساس التبرير الإسرائيلي للهجوم على غزة وأهلها، والإشهار
بإلغاء أي حواجز أو ضوابط في هجومه على غزة، وتبرير حرب الإبادة، إلى جانب ذلك،
ثمة إسقاطات سياسية وأمنية لهذا التوصيف، منها إقامة حكومة طوارئ وضبط التصدع
السياسي الداخلي في إسرائيل، والعمل على إسكات وكتم الانتقادات الداخلية، وتجييش
وتجنيد المجتمع والإعلام في إسرائيل(ص27).
يضيف شحادة "علاوة على التحريض والترهيب تجاه المجتمع العربي،
شرعت المؤسسة الأمنية في حملة ملاحقة استباقية واسعة داخل المجتمع العربي، لمنع أي
تعاطف أو دعم لغزة، حتى لو كانت تغريدات في وسائل التواصل الاجتماعي ضد قتل
الأبرياء والدمار...الأدوات المستخدمة في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين وقت
الحرب توضح أن المؤسسة الإسرائيلية تتعامل معهم في أوقات الأزمات الأمنية الحادة
على أنهم أعداء، أو على الأقل أعداء محتملون، وبذا يمكن وصف ما يحدث بعودة غير
معلنة إلى الحكم العسكري، فترة الحرب حالة تعطيل شبه تام للأدوات الديمقراطية الشكلية
المستعملة في إسرائيل، من بينها حرية التعبير عن الرأي والحق في التظاهر ومعارضة
الحرب، وتصعيداً خطيراً في تعامل الدولة والمؤسسات الأمنية والمجتمع الإسرائيلي
تجاه المواطنين الفلسطينيين، وبذلك كشفت الحرب على غزة هشاشة المواطنة الممنوحة
للفلسطينيين في إسرائيل وخواءها، وخضوعها التام للدوافع والاحتياجات الأمنية
ولاجتياحات الإجماع الصهيوني وشروطه (ص28).
يمكن القول إن تعامل مؤسسات الدولة تجاه المواطنين العرب منذ اليوم
الأول للحرب، وحملات الترهيب والإسكات والاعتقالات، والأجواء العامة التي سادت في
البلاد منذ السابع من أكتوبر 2023م، وهو واقع لم يجربه المجتمع العربي منذ عقود،
لا من حيث طبيعة الهجوم الذي قامت به حماس، ولا من حيث ردة الفعل الإسرائيلية ولا
من حيث الأدوات التي استعملتها المؤسسة تجاه المجتمع العربي، والتهديدات التي صدرت
عن قيادات سياسية أو أمنية تجاههم(ص43).
بين قبضة الملاحقة ومحدودية الفاعلية:
تتبع الكاتب يوسف طه في محور دراسته الملاحقة السياسة والممارسات
القمعية التي واجهتها الطالبات الفلسطينيات والطلاب الفلسطينيون من مناطق الـ 48م،
في الجامعات الإسرائيلية خلال فترة حرب الإبادة على قطاع غزة، التي اندلعت عقب
السابع من أكتوبر 2023م، التي تراوحت بين التهديد بالفصل والتحويل إلى لجان
الطاعة، والاعتقال؛ مما أسهم في احباط قدرة الحركات الطلابية على التصدي بفاعلية للهجمة الشرسة
التي اشتدت بعد حرب الإبادة على قطاع غزة.
عرض الفلسطينيون في إسرائيل لحملة شاملة تعززت فيها سياسات كم الأفواه والترهيب التي تمارس ضدهم، في محاولات لإسكات أي صوت معارض للحرب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب في غزة والضفة الغربية.. بعد السابع من أكتوبر جاءت تهديدات قائد الشرطة العام بطرد الفلسطينيين إلى غزة لمجرد أن يعلنوا تضامنهم مع غزة، فعملية الطرد مرهونة بمحاولة التعبير عن الانتماء إلى الجماعة السياسة الأخرى، الجوهر واحد هو الطرد، والقيم التأسيسية واحدة، والعدو واحد، في عام 1948م الهوية الإٍسرائيلية لم تحم الفلسطينيين داخل إسرائيل من الطرد.
ينبه طه أنه في السنوات الأخيرة، لم تنجح الحركات الطلابية في الحفاظ
على ذات الحضور والنشاط القوي، لأسباب مختلفة؛ منها مجاراة هيمنة الجامعات
واتحادات الطلاب الإسرائيلية في قضايا تقديم الخدمات الطلابية، حيث أسهم تفوق هذه
المؤسسات اقتصادياً، تغييب لجان الطلاب العرب والاتحاد القطري للطلاب الجامعيين،
فضلا عن حظر الحركة الإسلامية الشمالية والحركة الطلابية " إقرأ" (ص76).
بين مواطنة العدو والمواطنة العارية:
يعبر الفلسطيني؛ بنظر إسرائيل، عن جوهر واحد بمعزل عن مسألة مكانته
القانونية "العدو"، هذا الجوهر ساري المفعول على جميع الفلسطينيين في
جميع أماكن وجودهم، كتبت هذه الكلمات وسط أبشع وأفظع حرب في التاريخ الحديث على
قطاع غزة، ضمن إبادة ممنهجة من المحو والإزالة المادية، والرمزية تستهدف الإنسان
والحيز والتاريخ والمستقبل، كما تعرض الفلسطينيون في الضفة الغربية كذلك للعنف
الدولة السيادي الذي تمثله بحملات عسكرية منظمة من قبل الجيش، فضلا عن خلق حيز من
الفوضى من خلاله يتغطى العنف السيادي بغطاء مدني؛ إذ تحول الآلاف ممن يعتبرون
المدنيين إلى جنود غير رسميين، يجوبون الشوارع بأسلحتهم و يحرضون على قتل العرب،
يمارسون دور الجيش بكافة مستوياته (ص 111).
يضيف الكاتب: تعرض الفلسطينيون في إسرائيل لحملة شاملة تعززت فيها
سياسات كم الأفواه والترهيب التي تمارس ضدهم، في محاولات لإسكات أي صوت معارض
للحرب وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب في غزة والضفة الغربية.. بعد
السابع من أكتوبر جاءت تهديدات قائد الشرطة العام بطرد الفلسطينيين إلى غزة لمجرد أن يعلنوا تضامنهم مع غزة، فعملية الطرد مرهونة بمحاولة
التعبير عن الانتماء إلى الجماعة السياسة الأخرى، الجوهر واحد هو الطرد، والقيم
التأسيسية واحدة، والعدو واحد، في عام 1948م الهوية الإٍسرائيلية لم تحم
الفلسطينيين داخل إسرائيل من الطرد.
"المواطنة الممنوحة للفلسطيني في إسرائيل تنطبق في عدم انطباقها، تعبر
عن ذاتها في فعل اللاشيء، ليس الفلسطيني خارج النظام الإٍسرائيلي، ولكنه متضمن فيه
من خلال استبعاده منه، على العكس من المواطن الألماني، على سبيل المثال، إن
المواطنة المعطاة للفلسطيني تحافظ على علاقتها به عن طريق عدم انطباقها عليه، عن
طريق تخليها عنه، هجرها له، انسحابها منه، وهو ما يعني أن المواطنة فقد
صلاحيتها(المؤقتة أصلاً)، وبالتالي يستحيل أن نكون محميين بواسطتها، بل نكون
مطرودين من حمايتها" (ص127).
الأطباء الفلسطينيون في المستشفيات الإسرائيلية
يشكل الفلسطينيون 21% من القوى العاملة في مجال الرعاية الصحية
الإسرائيلية، الذين لم يسلموا من الانتهاكات الإسرائيلية خلال الحرب، فقد جرى
تجريم أطباء فلسطينيين، وغيرهم من مقدمي الرعاية الصحية الإسرائيلي، لمجرد تعبيرهم
عن تعاطفهم مع الضحايا المدنيين في غزة بسبب انتقاداتهم ممارسات إٍسرائيل وانتهاكات
الحقوق الإنسان في قطاع غزة.
كشفت الكاتبة غادة المجادلة عن كمية الملاحقات التي تعرض لها الأطباء
في المستشفيات الإسرائيلية، بمجرد
نشر
محتوى على موقع الفيسبوك يعبر فيه عن دعمه لإبناء قطاع غزة، فقد سعت الدولة
الإسرائيلية إلى تقويض انخراطهم المتزايد من خلال اتباع استراتيجيتين متوازيتين،
الترهيب والاحتواء، وخلقت هذه السياسة التي روج لها على أنها اندماج اقتصادي، بنية
من التبعية الاقتصادية للفلسطينيين في إسرائيل، ولكن دون منحهم اندماجاً سياسياً
كاملاً، هذا الدور قامت به السياسات النيوليبرالية منذ ثمانينيات القرن العشرين في
تحويل اقتصاد إسرائيل مستخدمة ذريعة التحديث، يضمن الجمع بين الدمج الاقتصادي
والسيطرة السياسية القدرة على السيطرة والضبط المدروس لأي تقدم قد يحرزه المواطنون
الفلسطينيون بما يتماشى مع مصالح الدولة، تبرز هذه الاستراتيجية المزدوجة الهدف
المزدوج القائم من وراء هذه السياسات: تعزيز الأهداف الاقتصادية القومية
والاستجابة إلى طلب السوق على القوى العاملة، مع ضمان الولاء السياسي وقمع
المقاومة لدى العرب الفلسطينيين في إسرائيل، ومن هنا يتحقق الدمج الاقتصادي على
حساب القمع السياسي(ص218).
تضيف المجادلة: "كانت سياسات الدولة الرامية إلى دمج السكان
المهمشين في هذا النظام مدفوعة بدوافع اقتصادية وسياسية، ويعكس العدد المتزايد من
الأطباء والطبيبات والممرضات والممرضين الفلسطينيين الذي ارتفع من 9% عام 2010م
إلى نحو 25% عام 2022م، إلى نجاح هذا النهج المزدوج " (ص219)، لكن على الرغم
من دمج مقدمي الرعاية الصحية الفلسطينيين في النظام الصحي والاعتراف بإسهاماتهم،
يظل إدراجهم هذا مشروطا باحتوائهم سياسياً، وهو ما يتضح على نحو خاص من ملاحقتهم
واسكاتهم بعد السابع من أكتوبر؛ أي أن هذا النظام يعمل كآلية للسيطرة على القوى
العاملة الفلسطينية؛ إذ هو يوفر فرصاً اقتصادية في وقت يحد فيه من التعبير
السياسي، وذلك كجزء من استراتيجية الاحتواء التي تنتهجها الدولة على نطاق أوسع.
أما العنصرية والتمييز العنصري فتعشش منذ فترة طويلة داخل الإطار
القانوني والمؤسساتي لنظام الرعاية في إسرائيل، ولكن منذ السابع من أكتوبر، يجد
الفلسطينيون صعوبة متزايدة في تحديها ومقاومتها، وهو ما يزيد شعورهم بالعجز
والاغتراب والعزلة، وتبعاً لذلك، تفاقمت معايشة العنصرية الآن أكثر بسبب فقدان
الوسائل المحدودة التي كانت متوافرة لديهم من قبل لمعارضتها.
يتخذ نزع الإنسانية في إسرائيل شكلين أساسيين، الشكل الأول: نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين في غزة، الذين يعتبرون غير جديرين بالتعاطف، حتى من قبل الإسرائيليين المتخصصين في الرعاية الصحية، وذلك كصدى لسردية الدولة الأوسع التي تحط من قيمة حياة الفلسطينيين وتتجاهل معاناتهم، الشكل الثاني: أن الأطباء الفلسطينيين العاملين في إسرائيل يتعرضون لنزع إنسانيتهم
"يعمل نظام الرعاية الصحية الإسرائيلي في إطار القومية الصهيونية
الإقصائية التي تمحو على نحو منهجي الهوية السياسية الفلسطينية، ويتجلى هذا المحو
في الطريقة التي يتعامل من خلالها مع الأطباء الفلسطينيين في المستشفيات
الإسرائيلية، حيث يجري تجاهل ذاتيتهم السياسة أو إعادة صياغتها تحت مسميات نحو
العرب الإسرائيليين؛ الوسط العربي".
العسكرة في الوسط الصحي:
تحمل عسكرة نظام الرعاية الصحية جانبين؛ أولهما بنيوي، وثانيهما
شكلي، وهما يسبقان أحداث السابع من أكتوبر، فهناك جنود من الاحتياط الدائمين في
الجيش، وقد صرحت المستشفيات علنا بدعمها للمجهود الحربي، وكذلك ينتقل عدد كبير من
مقدمي الرعاية الصحية باستمرار بين الخدمة الاحتياطية، وعملهم في المستشفيات،
وتعمل نقابة الأطباء الإسرائيلية، التي دعمت سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية
المحتلة، على نحو نشط للتأثير على الرأي العام العالمي منذ السابع من أكتوبر، ذلك
من خلال نشر المقالات وإصدار رسائل إلى المنظمات الدولية التي تعارض حرب إسرائيل
على غزة (ص234).
لا نقابة عمالية مستقلة للأطباء الفلسطينيين في إسرائيل، فالأطباء
الفلسطينيين لا يتمتعون بتمثيل مؤثر في نقابة الأطباء الإسرائيلية، على الرغم من
ادعائها أنها هيئة مهنية تمثل جميع الأطباء في البلاد؛ إذ تتماهى نقابة الأطباء
الإٍسرائيلية مع مصالح الدولة، وغالباً ما يكون ذلك على حساب الأخلاقيات الطبية
والقانون الدولي، كما أنها تصنف على نحو انتقائي بعض النشاطات على أنها نشاطات
سياسية...فهي متسامحة مع الدبلوماسية المؤيدة لإسرائيل والمساعدة العسكرية التي
يقدمها الأطباء، فيما هي تقدم على إدانة أنشطة أخرى مثل تأييد المقاطعة الأكاديمية
باعتبارها تجاوزاً سياسياً، ويعزز هذا النهج حقيقة كون نظام الرعاية الصحية، ومن
خلال الهيئات القيادية مثل نقابة الأطباء الإسرائيلية، كياناً غير محايد، بل
كياناً يسهل انتاج الدولة للعنف وتهميش الأصوات الفلسطينية في المجتمع الطبي(ص236).
يطلق مسمى "العرب الإسرائيليون" على الفلسطينيين، ويأخذ مضامين عدة، فهو المصطلح الأكثر إنكاراً للهوية الفلسطينية، الذي يعمد إلى
التقليل من وجودهم ليصبح شكلاً من أشكال الدمج الرمزي الذي لا يحمل أي وزن سياسي،
يضمن نظام الرعاية الصحية قدرتهم على الإسهام مهنياً، ولكنهم لا يستطيعون حشد
قدراتهم سياسياً، ولا يمتلكون القدرة على إثارة القضايا التي تخص مجتمعهم، وقد
تفاقم هذا المحو السياسي من خلال تجريم التعاطف بعد السابع من أكتوبر، حيث أصبح أي
تعبير عن التعاطف مع الضحايا المدنيين في غزة بمثابة دعم الإرهاب يستوجب أن يعاقب
مرتكبوه.
يتخذ نزع الإنسانية في إسرائيل شكلين أساسيين، الشكل الأول: نزع
الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين في غزة، الذين يعتبرون غير جديرين بالتعاطف، حتى
من قبل الإسرائيليين المتخصصين في الرعاية الصحية، وذلك كصدى لسردية الدولة الأوسع
التي تحط من قيمة حياة الفلسطينيين وتتجاهل معاناتهم، الشكل الثاني: أن الأطباء
الفلسطينيين العاملين في إسرائيل يتعرضون لنزع إنسانيتهم من خلال حرمانهم من
القدرة على الفعل؛ إذ لا يمنعهم النظام من تقديم المساعدة الطبية للمرضى فحسب، بل
كذلك يجرم الأمر قدرتهم المبدئية عن التعبير عن أنفسهم.