معاناة المرأة الفلسطينية بعيدا عن الخطاب النسوي المنافق.. قراءة في كتاب

كتاب "المرأة الفلسطينية زمن الحرب" وثيقةً مرجعيةً مهمّة، نظراً لجمعه بين التأصيل التاريخي والتحليل الميداني المعاصر في ظل واحدة من أعنف الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين.
الكتاب: المرأة الفلسطينية زمن الحرب بين: تحديات الواقع الإنساني وتحولات الدور الاجتماعي (دراسة حقلية)
الكاتبان: منصور أبو كريم ونورا زقوت
الناشر: منشورات مركز فينيق للبحوث والدراسات الحقلية، ط1 غزة فلسطين، 2026
عدد الصفحات: 290

ـ 1 ـ


تكشف الوقائع الدولية اليوم، في إيران وفينزويلا وفلسطين الوجه القبيح المرائي للقانون الدولي ولما يدّعيه من قيم الكونية عابرة. ولعلّ معاناة المرأة الفلسطينية، في عالم يجعل من حريةِ المرأةِ معيارا لتمدن الشعوب وتسخر منظماته "جهودها" للتصدي لما تواجهه من قيودٍ اجتماعيةٍ وسياسية شتى، ثم يغضُّ الطرفَ عن مأساة المرأة الفلسطينية حين تُسلبُ أرضَها، وتُقتلُ ذريتُها، ويُهدمُ فوقَ رأسِها سقفُ بيتها، تبرز حجم هذا الرياء. فعالم المتمدن جدا يلوذُ بالصمتِ المطبقِ أمامَ أبشعِ أنواعِ الاستعبادِ والقهرِ الذي يمارسُهُ الاحتلالُ الصهيونيُّ بواسطةِ آلتهِ العسكريةِ المدمرة.

والقانون الدولي يتناسى أنَّ الحقَّ في الحياةِ هو أصلُ الحقوقِ وأولُها، فلا معنى لحريةِ الرأيِ أو المشاركةِ السياسيةِ لامرأةٍ يطاردُها الموتُ في كلِّ زاويةٍ من زوايا مأواها، وتُحرمُ من أبسطِ مستلزماتِ الرعايةِ الصحيةِ والنظافةِ الشخصيةِ في ظلِّ حصارٍ خانقٍ يهدفُ إلى كسرِ إرادتِها وتحطيمِ كبريائِها. وأكثر من ذلك تلاحق المرأة نفسها حين توثق الانتهاكات ضد نساء غزة وتتهم بالتحيّز وتتعرض تصريحاتها وتقاريرها المهنية للانتقادات لأنها تكشف ما يمارس على المرأة الفلسطينية من إجرام، كما هو الشأن بالنسبة إلى حالة ماريس غيموند ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في فلسطين.

"ما تواجهه المرأة الفلسطينية اليوم ليس مجرد معاناة إنسانية؛ بل هو امتداد لمعركة وجود، تستنزف فيها المرأة طاقتها لتحمل أعباء مضاعفة في سبيل البقاء والمقاومة" (ص 23)، وإلى أنّها تظل حارسة شعلة النضال التي لا تنطفئ. فالواقع التاريخي يثبت أن: "المرأة الفلسطينية شكّلت منذ فجر التاريخ الحديث فاعلاً روحياً ونضالياً في المشهد الفلسطيني، متجاوزة في أحيان كثيرة الأطر التقليدية للأدوار الاجتماعية"..
في هذا السياق يظهر الكتاب "المرأة الفلسطينية زمن الحرب بين: تحديات الواقع الإنساني وتحولات الدور الاجتماعي لتوثق تجربة النسوة في قطاع غزة بين عامي 2023 و2025، وليُقدّم قراءةً تحليليّةً مستندة إلى دراسة ميدانية (حقلية) ومنظور تاريخي واجتماعي شامل.

ـ 2 ـ

أولاً ـ مقدمة الفصول الأربعة وسياقها الفكري والسياسي الراهن

تنطلق فصول هذه الدراسة من واقعٍ إنسانيٍّ استثنائيٍّ يفرضه العدوان الإسرائيلي المستمر، بالنظر إلى أن الحرب لم تكن مجرد أزمة عابرة؛ بل مثلت زلزالاً بنيوياً أعاد صياغة الأدوار الاجتماعية والسياسية. يبرز السياق الفكري الراهن أهمية دراسة المرأة لا بصفتها ضحيةً سلبيةً للنزاعات المسلحة، وإنما باعتبارها فاعلاً أساسياً وحارسةً للهوية والنسيج المجتمعي في ظل انهيار المؤسسات الرسمية.

سياسياً، تأتي هذه الفصول لتسلط الضوء على "الإبادة الجماعية" التي تستهدف الوجود الفلسطيني، وتجعل من جسد المرأة وحياتها اليومية ساحةً للمقاومة والبقاء، متموضعةً في قلب الصراع الوطني التحرري. إن الفصول الأربعة تترابط لترسم مساراً يبدأ من الجذور التاريخية للنضال النسوي، مروراً بمرارة الواقع الاقتصادي والصحي في الحرب، وصولاً إلى نتائج ميدانية كمية تعكس حجم التحولات العميقة في وعي ومكانة المرأة الغزية.

ـ 3 ـ

يعود الكتاب إلى ما يشبه التأريخ لملامح الوعي النضالي للمرأة الفلسطينية. فقد تشكلاً مبكراً منذ بواكير عهد الانتداب البريطاني بين عامي 1917 و1948، وعمل على مجابهة تمدد المشروع الصهيوني في الأرض الفلسطينية عبر تأسيس أول جمعية للسيدات العربيات في القدس عام 1921. فبلور عبرها سعيه إلى نقل الجهد النسائي إلى فضاء العمل المنظم والمؤسساتي الرصين.

وسريعا ما تجاوز هذا النشاط حدود العمل الخيري التقليدي، وعمل على دفع المرأة نحو الانخراط المباشر في الثورات الشعبية، فكان حضورها لافتاً في ثورة عام 1936 الكبرى. ثم تمددت قاعدة المشاركة النسوية تمدداً واسعاً شمل خمس عشرة جمعية في المدن الرئيسة مثل نابلس وغزة ويافا بحلول عام 1947. أما نكبة 1948 فقد أحدثت منعرجا جوهريا في مسار هذا النضال النسوي. فوجهت المرأة الفلسطينية بوصلتها داخل مخيمات اللجوء نحو حراسة الهوية الوطنية التي تواجه المحو والذات الفلسطينية التي تواجه التطهير العرقي.

ومثل ما بعد حرب 1967مرحلة النهوض وفق الباحثيت. فظهرت الأطر النسوية الفاعلة التابعة لفصائل منظمة التحرير الفلسطينية، وصولاً إلى التميز النضالي الفريد إبان الانتفاضة الكبرى عام 1987، فبرزت تضحياتهن في اللجان الشعبية والمواجهة الميدانية. ومع قيام السلطة الفلسطينية، دخل العمل النسوي مرحلة المأسسة. وكان يهدف على ضبط التوازن الدقيق بين المطالبة بالحقوق الاجتماعية واستحقاقات التحرر الوطني. استمر هذا المسار النضالي في ظل الحصار الجائر والمطبق على قطاع غزة، صاقلاً خبرات المرأة في فنون إدارة الأزمات وتدبير البقاء.

ينتهي الفصل الأول إلى أنّ "ما تواجهه المرأة الفلسطينية اليوم ليس مجرد معاناة إنسانية؛ بل هو امتداد لمعركة وجود، تستنزف فيها المرأة طاقتها لتحمل أعباء مضاعفة في سبيل البقاء والمقاومة" (ص 23)، وإلى أنّها تظل حارسة شعلة النضال التي لا تنطفئ. فالواقع التاريخي يثبت أن: "المرأة الفلسطينية شكّلت منذ فجر التاريخ الحديث فاعلاً روحياً ونضالياً في المشهد الفلسطيني، متجاوزة في أحيان كثيرة الأطر التقليدية للأدوار الاجتماعية" (ص 24).

ـ 4 ـ

ثم يعرض الباحثان ما حلّ بالفلسطينيين بقطاع غزة إثر عملية طوفان الأقصى. فقد أفضى القصف الممنهج إلى انهيار شامل في البنية التحتية الاقتصادية، مخلّفاً واقعاً مأساوياً طال كافة مناحي الحياة. وترتب عليه فقدان الفلسطيني للمعيل، وأضحى انعدام الأمن الغذائي شبحاً يطارد الجميع، وكان على الأمهات أن يعملن على تقنين الوجبات وتجويع أنفسهن لضمان بقاء أطفالهن على قيد الحياة.

وتجاوز العدوان حدود القتل العشوائي ليصل إلى استهداف "القدرة الإنجابية" للمجتمع الفلسطيني من خلال الاستهداف المباشر والمركز للنساء والأطفال، بغرض التطهير العرقي وتصفية وجود فلسطينيين ديموغرافيا. فضاعفت ضغوط النزوح القسري من مرارة الواقع، بعدما جُرّدت النساء من ممتلكاتهن ووسائل إنتاجهن البسيطة، بالتزامن مع انهيار شبكات الحماية الاجتماعية التقليدية والمؤسساتية التي كانت تساندهن سابقاً. فوجدت المرأة نفسها تحت وطأة أعباء "الرعاية غير المدفوعة" داخل مراكز الإيواء المكتظة، وسط ظروف تفتقر لأدنى مقومات الكرامة الإنسانية والخصوصية. وتكرست ظاهرة "فقر النساء" بوصفها نتيجة حتمية لسنوات الحصار الطويل التي بلغت ذروتها في حرب الإبادة الحالية، مما جعل استعادة التوازن الاقتصادي أمراً شديد الصعوبة.

وينبه الكتاب إلى خطورة هذا المشهد الإنساني المرير موضحاً أن: "حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023 نقطة مفصلية في تاريخ استهداف النساء.. عبر ممارسة الإبادة الإنجابية" (ص 93). ويعزو تردي الأوضاع المعيشية إلى تضافر العوامل القهرية مبيناً أن: "غياب المعيل والنزوح المتكرر يؤدي إلى تعميق حالة الفقر والبطالة زمن الحرب، مما يعزز من انعدام الاستقرار" (ص 123).

ـ 5 ـ

ومن نتائج العدوان الإسرائيلي الانهيار التام للمنظومة الصحية. فتوقفت أغلب المستشفيات عن تقديم خدماتها، الأمر الذي أدى إلى تفاقم معاناة النساء الحوامل اللواتي فَقَدْنَ الرعاية الأولية واضطُررن للولادة وسط ظروف تفتقر للأمان الصحي. انتشرت الأمراض الجلدية والمعدية في الخيام جراء انعدام النظافة وغياب المياه الصالحة للشرب. ويعرض الكتاب وجوها مختلفة من هذه الأزمة الصحية. ف"انعدام الخصوصية في مراكز الإيواء يسهم في زيادة الانكشاف والتعرض للانتهاكات، وأجبر النساء على تقييد احتياجاتهن الجسدية والبيولوجية" (ص 180). 

"حرب الإبادة الجماعية المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023 نقطة مفصلية في تاريخ استهداف النساء.. عبر ممارسة الإبادة الإنجابية" (ص 93). ويعزو تردي الأوضاع المعيشية إلى تضافر العوامل القهرية مبيناً أن: "غياب المعيل والنزوح المتكرر يؤدي إلى تعميق حالة الفقر والبطالة زمن الحرب، مما يعزز من انعدام الاستقرار"
أما على المستوى السيكولوجي فقد تصاعدت حدة الاضطرابات بصورة مفزعة. فــ"ـأظهرت الدراسات ارتفاعاً ملحوظاً في اضطرابات الصدمة والقلق المزمن بين النساء، خصوصاً اللواتي فقدن أفراداً من أسرهن" (ص 185). وظهرت أعراض اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب المزمن نتيجة التأثيرات العميقة لفقدان الأبناء والأقارب، وهي خسارات هزت أركان التوازن النفسي للمرأة الفلسطينية. وفاقم من هذا التدهور غيابُ الخدمات المتخصصة للصحة النفسية والدعم الاجتماعي المستدام خلال أوقات القصف. وجعل النزوح المتكرر ومشاهد الدمار المروعة، النساء يتحملن صدمات مركبة.

ـ 6 ـ

استندت مخرجات الفصل الرابع إلى دراسة ميدانية رصينة شملت عينة قوامها أربعمائة امرأة من شتى مناطق قطاع غزة، بغية ضمان التمثيل الجغرافي الشامل وفهم تباينات المعاناة بين المحافظات. كشفت هذه النتائج الإحصائية عن واقع صحي مأساوي. فـ"ـنسبة 86.5% من المشاركات أكدن عدم حصولهن على رعاية صحية مناسبة، وهو ما يشير إلى انهيار المنظومة الصحية لا سيما في خدمات الرعاية الأولية" (ص210). توازى هذا التدهور الصحي مع معاناة الغالبية العظمى من مرارة النزوح القسري وفقدان المأوى الخاص، إضافة إلى التقييم السلبي لعدالة توزيع المساعدات الإنسانية التي شابتها الفوضى نتيجة غياب الرقابة والمؤسسات الفاعلة.

لقد أدى انشغال المرأة التام في القطاع بتدبير متطلبات البقاء اليومي وتأمين لقمة العيش إلى تراجع ملحوظ في انخراطها السياسي داخل مراكز صنع القرار فـ"تشير النتائج إلى أن 69.3% من النساء يشعرن بتهميش دورهن في مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية" (ص 228). ومع ذلك، وبرغم هذه الظروف القاسية، أظهرت الدراسة روحاً وثابة لدى النساء، فقد أبدت ستون بالمائة من المشاركات رغبة جامحة في تعزيز دورهن السياسي عقب انقضاء تجربة الحرب، مع حدوث تحول جوهري في الأولويات نحو التمكين الاقتصادي الفعلي واستعادة مقومات الحياة الطبيعية. يختم الفصل بتسليط الضوء على صلابة الوعي الوطني الذي ظل صامداً لم ينكسر أمام هول التحديات الإنسانية والمعيشية المفروضة.

ـ 7 ـ

يُعد كتاب "المرأة الفلسطينية زمن الحرب" وثيقةً مرجعيةً مهمّة، نظراً لجمعه بين التأصيل التاريخي والتحليل الميداني المعاصر في ظل واحدة من أعنف الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. تبرز قيمة العمل في منهجيته العلمية التي لم تكتفِ بسرد القصص الفردية، بل حولت المعاناة الإنسانية إلى بيانات إحصائية وحقائق بنيوية تكشف حجم الاستهداف الممنهج للمرأة الفلسطينية. من خلاله عمل الباحثان على تقديم صورة بانورامية تظهر المرأة في دور "الفاعل القوي" الذي يدير شؤون الأسرة والمجتمع وسط الركام، متجاوزاً بذلك الصورة النمطية للضحية السلبية.

بالنظر إلى الجانب السياسي، يضع الكتاب صانع القرار والمؤسسات الدولية أمام مسؤولياتهم القانونية والأخلاقية، موضحاً أن استعادة عافية المجتمع الفلسطيني تبدأ من تمكين المرأة وحمايتها. تتجلى رصانة العمل في قدرته على ربط الحاضر بالماضي، مبيناً أن صمود المرأة الغزية اليوم هو نتاج إرث نضالي طويل بدأ منذ بدايات القرن العشرين.

فضلا عن ذلك، سعى الكتاب، على عادة البحوث المشرقية، إلى عرض مجمل من التوصيات في ختام الدراسة، أراد لها أن تكون خارطة طريق واقعية للانتقال من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى التعافي المستدام، مع التركيز على الصحة النفسية والتمكين الاقتصادي. وحاول أن يجمع بين الدراسة البحثية ذات النبرة الهادئة التي توثق مرحلة فارقة من تاريخ الشعب الفلسطيني، وتؤكد ضرورة دمج النساء في كافة عمليات إعادة الإعمار وصنع القرار السياسي المستقبلي. والصراخ في وجه نظام عالمي ومختل وقانون دولي منتهك وقيم "أخلاقية" مرائية.