من خرائط الدولة إلى خرائط الحرب.. كيف يعيد الجيوبوليتيك تشكيل العالم المعاصر؟

إن الدولة الحديثة انبثقت من صميم إرادة الجماهير وخرجت من صلب المجتمعات التي تشكلت فيها. ومن ثم فإن ولادتها جاءت متسقة مع ثقافة تلك المجتمعات ومستوى تطورها السياسي ولم تكن مفروضة عليها من الخارج.
الكتاب: الجغرافية السياسية
الكاتب : د. شاهر الشاهر
الناشر:المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية،برلين ألمانيا، 2024، (عدد الصفحات 296من القطع الكبير).


في هذا الجزء الثالث والأخير من قراءة خاصة تنشرها "عربي21" لكتاب "الجغرافية السياسية" للباحث شاهر الشاهر، يقدّم الكاتب والباحث التونسي توفيق المديني خلاصة تحليلية مكثفة لأبرز مفاهيم تصنيف الدول وأنماط السيادة ونشأة الدولة الحديثة، وصولًا إلى جغرافية الحروب والتحولات الجيوبوليتيكية المعاصرة، مستعرضًا كيف انتقل التفكير الاستراتيجي العالمي من نظريات التوازن والقانون الدولي إلى منطق القوة والمجال الحيوي، في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتشكل خرائط النفوذ من جديد.

تصنيف الأقاليم السياسية

يتعرض المؤلف شاهر في الفصل الخامس إلى موضوع تصنيف الأقاليم، إِذْ يتساءل الكثير من الجغرافيين، وبعض المنظمات المتخصصة عن عدد دول العالم؛ حيث أثار تساؤلهم خلافاً كبيراً فيما بينهم، وفي عام 1998 أظهر إحصاء قام به مجموعة من الدارسين أن عدد دول العالم 230 دولة، من ضمنها الدول التي تتمتع بالحكم الذاتي وعددها 25 دولة، أما صحيفة الإيكونوميست قالت إن دول العالم تتراوح بين 168 و254 دولة، وتفصيل هذه الدول كالتالي: 46 دولة في قارة آسيا، 54 دولة في قارة إفريقيا من ضمنها الصحراء الغربية، 47 دولة في قارة أوروبا 27 دولة في قارة أمريكا الشمالية والوسطى، 12 دولة في قارة أمريكا الجنوبية، 19 دولة في قارة أستراليا.وتعد دولة الفاتيكان أصغر دولة؛ بحيث تبلغ مساحتها 0.44 كم مربع، وتليها موناكو، وتعد روسيا أكبر دولة من حيث المساحة.

ويستعرض المؤلف نظرية العوالم الثلاثة التي صاغها الزعيم الراحل الصيني دينغ شياو بينغ، وتبناها الزعيم الصيني الراحل ماوتسي تونغ في قمة الصراع الإيديولوجي بين القوتين الشيوعيتين الصين والاتحاد السوفياتي، زمن الحرب الباردة .

تم تقسيم العالم إلى ثلاثة عوالم، وهي:

العالم الأول أو المعسكر الرأسمالي أو المعسكر الغربي مفهوم برز خلال الحرب الباردة، حيث كان يستخدم لوصف الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة، تلك الدول كانت ديمقراطية ورأسمالية.

وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، تغير معنى مصطلح العالم الأول وأصبح معناه مرادفاً إلى حد ما مع الدول المتقدمة أو الدول المتقدمة جداً، وهي الدول التي تتمتع باقتصاد متقدم ومؤشرات تنمية بشرية عالية وذك بالمقارنة بالدول الأخرى. وقد عرفت هيئة الأمم المتحدة العالم الأول على حسب مقياس الناتج القومي الإجمالي.

يرى البعض أن جميع أعضاء منظمة الأمم المتحدة هي دول كاملة السيادة، مستندين إلى الفقرة الأولى من المادة الثانية من الميثاق، التي نصت على أن: الهيئة تقوم على مبدأ السيادة بين أعضائها. إلا أن التطور الذي حصل على مفهوم السيادة بفعل متغيرات استراتيجية دولية، قد جعلته يتصف بسمة المرونة والنسبية. فضلاً عما نلاحظه من تناقضات فيما بين النص القانوني الدولي المذكور وتطبيقاته العملية على أرض الواقع وخاصة من قبل الدول الكبرى راعية الميثاق نفسه والتي تعد أكثر الجهات الدولية اختراقاً لسيادة الدول الأخرى.
دول العالم الثاني أو المعسكر الشيوعي أو المعسكر الشرقي هي مجموعة الدول الداخلة تحت نطاق الاتحاد السوفييتي، أو تلك البلدان التي تتميز باقتصاد مخطط مسبقاً الاشتراكية، معارضة بذلك المنظومة الفكرية للعالم الأول.

استخدم مصطلح العالم الأول ومصطلح العالم الثالث بالإضافة إلى هذا المصطلح لتقسيم العالم إلى ثلاث فئات واسعة. وبعبارة أخرى فإن مصطلح العالم الثاني نشأ بسبب الحرب الباردة. وهذا المصطلح قد انخفض استخدامه بشكل كبير منذ ثورة 1989. على الرغم من ذلك فإنه لا يزال يستخدم لوصف الدول التي ما بين الفقر والرخاء، وكثير منها دول شيوعية ودول شيوعية سابقة.

وتتميز دول العالم الثاني عن دول العالم الأول برفضها للثقافة الليبرالية وللثقافة الرأسمالية المفتوحة، كما تتميز عن العالم الثالث بالمستوى التعليمي فيها وحجم دولها وبقوتها النسبية. والمعنى الفعلي لتلك المصطلحات قد تغير من كونها مبنية على الفكر السياسي وأصبحت تعتمد على النظام الاقتصادي في الدولة.

دول العالم الثالث يقصد بها الدول النامية، وهي التي تنتج المواد الأولية ولا تقوم بتحويلها إلى منتجات أخرى لأنها لا تملك القدرة المالية ولا التقنية ولا التدريبية. وهي تبيع السلع الأولية رخيصة إلى دول العالم المتقدم ثم تشتري المنتجات التي صنعت من سلعها الأولية بأغلى الأسعار من نفس الدول وهي مستغلة من الدول المتقدمة.

والدول النامية ينتشر فيها الأمية والفقر ومعظم شعبها يشتغل بالزراعة لأنهم لا يتقنون سواها، فأغلبهم أميون لم يتعلموا وليس عندهم أي تدريب أو تطوير فلا يجيدون سوى الزراعة أو الأعمال المشابهة لها.

وللأسف معظم الشعوب العربية، إن لم تكن كلها، هي من الدول النامية، وإن ركبوا أفخم السيارات وسكنوا أفخم القصور لأنهم لا يصنعون السلع ولا ينتجون التقنية، إنما يشترون المستهلك النهائي من العالم المتقدم، فنحن شعوب لا تنتج بل تستهلك فقط وهذا سبب تخلفنا.

أنواع الدولة من حيث السيادة:

تقسم الدول من حيث السيادة إلى نوعين هما: الدول كاملة السيادة، والدول ناقصة السيادة.

يقصد بالدولة كاملة السيادة على أنها الدولة التي تملك مباشرة جميع الاختصاصات التابعة من قواعد القانون الدولي العام، فالدولة تتصرف بحرية في شؤونها الداخلية والخارجية بدون تدخل أو اشراف من دولة أخرى.

يقول المؤلف شاهر: "فالدولة كاملة السيادة هي تلك الدولة التي تتمتع باستقلال تام في مباشرة شؤونها الداخلية والخارجية وممارسة سلطاتها، دون خضوعها لتأثير أو رقابة أو هيمنة أو توجيه دولة نافذة أخرى أو منظمة دولية. أي هي الدولة التي تتمتع بكافة حقوقها وتلتزم بكافة واجباتها الدولية، وهي في مباشرتها لذلك لا تخضع سلطتها لأي سلطات أخرى داخلية كانت أم خارجية، خضوعاً مقرراً بقاعدة قانونية، إلا ما تفرضه عليها قواعد القانون الدولي العام من قيود على حريتها في التصرف، أو ما قد تفرضه التزامات تعاهديه أو اتفاقية كانت قد أبرمتها الدولة بمحض إرادتها.

ومن مظاهر الاستقلال الداخلي، على سبيل المثال لا الحصر هي: حرية اختيار الحكام، واختيار نظام الحكم المناسب لشعب الدولة، وكتابة دستورها، واصدار القوانين والأنظمة واللوائح والقرارات التي تضمن تحقيق مصالح وأهداف الشعب الآنية والمستقبلية"(ص 227).

أما من مظاهر الاستقلال الخارجي، فهي: حرية الدولة في اقامة علاقاتها الدولية مع أشخاص القانون الدولي، وخاصة الدول والمنظمات الدولية والوكالات الدولية المتخصصة بدأ من الانتماء إليها مروراً في الاشتراك في أنشطتها وانتهاء في الانسحاب منها، إن قررت ذلك بإرادتها. ومن المظاهر الأخرى نجدها أيضاً في حرية الدولة بإعلانها الحرب أو وقفها وعقد الصلح، وفي عقد المعاهدات والاتفاقيات أو الانضمام إليها أو الانسحاب منها.

ويرى البعض أن جميع أعضاء منظمة الأمم المتحدة هي دول كاملة السيادة، مستندين إلى الفقرة الأولى من المادة الثانية من الميثاق، التي نصت على أن: الهيئة تقوم على مبدأ السيادة بين أعضائها. إلا أن التطور الذي حصل على مفهوم السيادة بفعل متغيرات استراتيجية دولية، قد جعلته يتصف بسمة المرونة والنسبية. فضلاً عما نلاحظه من تناقضات فيما بين النص القانوني الدولي المذكور وتطبيقاته العملية على أرض الواقع وخاصة من قبل الدول الكبرى راعية الميثاق نفسه والتي تعد أكثر الجهات الدولية اختراقاً لسيادة الدول الأخرى.

ويدخل ضمن إطار هذا التقسيم نوعين متميزين من الدول هما: الدول القومية أو الدول ذات النظام الموحد والدول الاتحادية.

أولاً ـ الدول القومية الدول الموحدة

تتفق معظم الآراء على أن أول اعتراف رسمي بالدولة الحديثة كان قد تحقق من خلال معاهدة ويستفاليا عام 1648م التي أنهت الحروب الدينية الطاحنة في أوروبا حرب الثلاثين عام، كما أنها قننت أسس التعامل بين الدول الأوروبية التي كانت تتكون منها الإمبراطورية الرومانية المقدسة، فضلاً عن كونها أرست معالم نظام دولي جديد قوامه الدولة القومية.

وهكذا، فقد ظهرت الدولة القومية في بعض دول أوروبا كمحصلة المسيرة التطور الاجتماعي والاقتصادي، والأحداث السياسية، ومن ثم انتشر هذا النمط من أنماط التنظيم السياسي إلى بقية أرجاء القارة.

إذاً، فالحديث عن الدولة الحديثة في دول العالم الغربي، إنما هو حديث عن الدولة القومية أو الدولة الأمة كشكل سياسي ـ قانوني متميز عن الأشكال التي سبقته.وفي واقع الأمر، لم يأت ظهور الدولة القومية من فراغ، بل إنه كان مصاحباً لعملية تحولات عميقة عدت بمثابة انتقال من عصر إلى آخر، من المجتمع الزراعي التقليدي الإقطاعي، إلى المجتمع الصناعي الحديث الرأسمالي وهو مجتمع أطلق تحولات اجتماعية ـ اقتصادية وثقافية ديناميكية.

الدولة كاملة السيادة هي تلك الدولة التي تتمتع باستقلال تام في مباشرة شؤونها الداخلية والخارجية وممارسة سلطاتها، دون خضوعها لتأثير أو رقابة أو هيمنة أو توجيه دولة نافذة أخرى أو منظمة دولية. أي هي الدولة التي تتمتع بكافة حقوقها وتلتزم بكافة واجباتها الدولية، وهي في مباشرتها لذلك لا تخضع سلطتها لأي سلطات أخرى داخلية كانت أم خارجية
فقد استطاعت الأمم والشعوب التي تطور فيها أسلوب الإنتاج الرأسمالي أن تسبق غيرها من الشعوب والأمم في بناء دولتها الحديثة، بعد أن استكملت وحدتها القومية، وإقامة المؤسسات التمثيلية والتنفيذية والبيروقراطية التي شكلت دعائم وأسس هذه الدولة. ومن ثم فإن حياتها السياسية قد تطورت بالتوازي مع اتساع الدائرة المدنية، وانفصل لديها ما هو سياسي عما هو ديني، من خلال إضعاف السطوة الشمولية للكنيسة، وتحقيق نوع من الاستقلال النسبي للأصعدة المتراكمة السياسية والثقافية والاقتصادية. في حين اعترف المجتمع المدني الذي تشكل كنقيض للدولة الإقطاعية وعلى أنقاضها بهذا الكيان وخضع له، على أنه نتاج طبيعي وممثل عضوي لأهدافه.

وبهذا المعنى، فإن الدولة الحديثة انبثقت من صميم إرادة الجماهير وخرجت من صلب المجتمعات التي تشكلت فيها. ومن ثم فإن ولادتها جاءت متسقة مع ثقافة تلك المجتمعات ومستوى تطورها السياسي ولم تكن مفروضة عليها من الخارج.

ثانياً ـ الدول الاتحادية أو التعاهدية

النظام الاتحادي: هو شكل من أشكال الأنظمة السياسية لجأت إليه كثير من الدول لتحقيق أهداف ومصالح مشتركة كالحاجة إلى تدعيم استقلالها وتنمية اقتصادياتها والاستفادة من عناصر التقارب، سواء في التركيب السكاني العرقي أو اللغوي أو الديني أو التشابه في الموارد والامكانيات التي يمكن استغلالها بسهولة. ومن مميزات هذا النظام توفير قسط الحماية ضد السلطة المركزية الزائدة للعاصمة القومية، ومحاولة استيعاب الاختلافات الاقليمية في الدولة والاستفادة من إيجابياتها.

والدول التعاهدية هي الدولة التي تتكون من دولتين أو أكثر أي هي مجموعة من الدول المترابطة أو المتحدة فيما بينها ضمن أشكال متعددة، والتي تتمثل في الاتحادات الكونفدرالية والاتحادات الفيدرالية، وسنقوم بالبحث في كل اتحاد من هاذين الاتحادين على حدة، وذلك في المطلبين التاليين:

وتنقسم الدول الاتحادية إلى عدة أنواع، أهمها نوعان:

ـ الدول الفدرالية:

ـ الدول الكونفدرالية أو التعاهدية:

أ ـ الدول الفدرالية:

الفدرالية نمط من أنماط التنظيم السياسي والمؤسساتي للدول، تتحد بموجبه مجموعة وحدات سياسية مستقلة دول، ولايات كانتونات... إلخ في دولة فدرالية واحدة، على أن تتمتع الوحدات السياسية باستقلالية واسعة في تدبير شؤونها وبهياكل مؤسساتية مستقلة تماماً عن الحكومة الفدرالية، مع أن العلاقة بين الطرفين يجب أن تبقى محكومة بمبدأ تقاسم السلطة والسيادة.
وفي النظام الفدرالي تتوفر الوحدات الفيدرالية على حكومات كاملة الصلاحيات في تدبيرها للشأن المحلي، في حين تؤول للحكومة المركزية السلطات المتعلقة بالسياسة الخارجية الدفاع، كما تتولى جميع الشؤون المالية كتحصيل الضرائب ووضع الميزانية الفدرالية، ويكون الوحدات السياسية الفدرالية نصيب من عائدات الضرائب والنشاط الاقتصادي والاستثماري لذي يتم على أراضيها.

ويُمكن القول إن الفدرالية وجدت على أرض الواقع قبل أن ينظر لها الفلاسفة في كتاباتهم، وبالتالي فهي تجربة سياسية واجتماعية حية أكثر منها نظرية فلسفية ألهمت خيارات سياسية لاحقاً. ففي عام 1291، قام عهد دفاعي بين كانتونين في سويسرا هما شويز وأنتروالد أسس لاحقاً لقيام الفدرالية السويسرية التي اعتمدت في البداية النظام الكونفدرالي القائم على اتحاد كيانات سياسية مستقلة، وتفويضها صلاحيات سياسية وتنفيذية لحكومة مركزية تمثل فيها تلك الكيانات. بيد أن الدولة الفدرالية كما هي معروفة اليوم قامت لأول مرة بموجب دستور الولايات المتحدة الأميركية الصادر في 1787.

جغرافية الحرب

يتناول المؤلف شاهر في الفصل الأخير من كتابه جغرافيا الحرب أو الجغرافية الحربية وتُعرف أحياناً بالجغرافية العسكرية، هي فرع في الجغرافية السياسية، يهتم في الأساس بالدور الحيوي الذي تلعبه العوامل المكانية والجغرافية في الحروب والنزاعات المسلحة.

على الرغم من أهمية الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك، إلا أن هنالك فترات تحدث فيها انقلابات، أو تغيرات مفاجئة ضمن الترتيب الجيوبوليتيكي الإقليمي ذي العلاقة بالوضع الجيوبوليتيكي العام، يُطلق عليها فترات الانتقال الجيوبوليتيكية، أو النقلة السريعة في تغير الحدث.
تدرس الجغرافيا الحربية أو العسكرية الاتجاهات المكانية للحروب العالمية والمحلية وتعليل حدوثها وتوزيعها الجغرافي، أي دراسة علاقة جغرافية المكان بكافة الأنشطة العسكرية، وذلك لفك شفرة النسق المكاني وتفعيل الخريطة الذهنية لدى أفراد القوات المسلحة. كذلك تهتم باهتمامات جيوبولتيكية كخطط المعارك، والتحليل الأرضي والجيوستراتيجي والمعدات الحربية والإمكانات التسليحية. فالتاريخ العسكري يحكي لنا بالضبط ما هي الأحداث وقعت، أما لجغرافية فهي المسؤولة عن تسليط الضوء على علامات الاستفهام حول لماذا، وكيف، وأين وقعت الحرب. وذلك لأن الجغرافية تلعب دوراً رئيساً في نتائج الحرب.

على الرغم من أهمية الجغرافيا السياسية والجيوبولتيك، إلا أن هنالك فترات تحدث فيها انقلابات، أو تغيرات مفاجئة ضمن الترتيب الجيوبوليتيكي الإقليمي ذي العلاقة بالوضع الجيوبوليتيكي العام، يُطلق عليها فترات الانتقال الجيوبوليتيكية، أو النقلة السريعة في تغير الحدث. ومن هذه المتغيرات المتسارعة على الساحة الدولية، منذ نهاية الحرب الباردة ولغاية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين :مثل سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، وأحداث الحادي عشر من أيلول 2001، وما يُسمى بثورات الربيع العربي2011، والحرب الروسية على أوكرانيا2022، والحشود العسكرية الصينية حول تايوان، وحرب الإبادة الجماعية الصهيونية -الأمريكية ضد الشعب الفلسطيني في غزَّة لتهجير سكان القطاع بالقوة بعد عملية طوفان الأقصى في 7أكتوبر 2023، والانتهاك الصارخ الأمريكي لسيادة فنزويلا، والضغوط السياسية الأميركية المتزايدة لضم غرينلاند في 2026، لتمثل كلها مؤشرات دالة على استعادة الجغرافيا السياسية بوصفها أداة للهيمنة، وإعادة ترسيم المجال الحيوي للدول الكبرى، في تراجع واضح لدور الشرعية الدولية.

فكل هذه الأحداث أو المتغيرات حدثت وفق عنصر المفاجأة، الذي لم يكن بوسع أي من الخبراء، ذوي النظرة الجيوبوليتيكية النافذة، التنبؤ بحدوثها أو إمكانية حدوثها بهذا الشكل الخارج عن مؤثرات العوامل الجغرافية، حتى وقعت بالفعل، وخلقت أوضاعاً جيوبوليتيكية محلية ودولية مغايرة جديدة، بل ونظاماً جيوبوليتيكياً جديداً في علاقات الدول وتكتلاتها بشكل يختلف بالكامل عما كان سائداً من نظم زمن سيادة النظريات الجيوبوليتيكية التقليدية، بل قد تخلق مشكلات جديدة لابد من معالجة عواقبها، وتندرج هذه الرؤية ضمن الجيوبوليتيك النقدية التي تقوم على تحليل سلوكيات الدول واستراتيجياتها السابقة للوصول إلى مواطن الفشل والخلل، والتي تعتمد على التحليل الجيوبوليتيكي، الذي يسهل من عملية تقدير واستشراف المناطق التي يحتمل جداً أن يحدث فيها تصادم في المصالح الدولية، وعلى ضوء التحليل الجيوبوليتيكي يمكن أيضاً إعداد السياسات والخطط التي تتضمنها الاستراتيجية العليا للوحدات السياسية.

يبدو أن هذه التحولات عكست ارتداداً واضحاً نحو فكر ساد في القرن التاسع عشر، حيث كانت القوة والجغرافيا السياسية في صميم الصراع العالمي، لكن المنهجية المعاصرة في استحضار هذا الفكر لم تقتصر على الإطار النظري أو التحليل الأكاديمي، بل تحولت إلى ممارسات سياسية وعسكرية تنتهجها الدول المتنافسة على النفوذ، غير آبهة بالقانون الدولي.

إقرأ أيضا: الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك.. دور المكان والقوة في صياغة النظام العالمي

إقرأ أيضا: الدولة ككائن حي.. الجغرافيا السياسية الألمانية وقوانين النمو المساحي