الكتاب: الجغرافية السياسية
الكاتب :د. شاهر الشاهر
الناشر:المركز الديمقراطي العربي للدراسات
الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية،برلين ألمانيا، 2024، (عدد الصفحات 296 من
القطع الكبير).
هذا هو الجزء الثاني من القراءة التي يكتبها
الباحث التونسي توفيق المديني خصيصًا لـ "عربي21"، حيث يتناول فيها كتاب
"الجغرافية السياسية" للدكتور شاهر الشاهر، مركزًا على المدارس الفكرية
والنظريات الاستراتيجية للدولة، مع التركيز على مساهمات الألمان في تأسيس علم
الجيوبوليتيك، وفكرة المجال الحيوي التي ربطت بين توسع الدولة وقوانين النمو
المساحي، وكيف أثرت هذه الأفكار في صياغة استراتيجيات السيطرة العالمية، وما يترتب
عليها من آثار سياسية وجغرافية على المجتمعات والدول.
المدارس الفكرية والنظريات الاستراتيجية
للدولة
إذا كانت النظريات الجيواستراتيجية تنطلق من
الإقليم الذي تتواجد فيه الدولة والذي يؤثر على حركتها السياسية، فإن النظريات
الجيوسياسية تنطلق من الإقليم الذي يؤثر في القوى العالمية ويكون موضع استقطاب
وجذب لهذه الحركة، بما ينطوي عليه من خصائص ومزايا تطلعاً نحو السيطرة العالمية،
وليس بالضرورة أن تكون هذه القوى متواجدة فيه.
ومن الناحية البنيوية تشكل الدولة وحدة
التحليل الأساسية في النظرية الجيوبوليتيكية، في حين يشكل الإقليم محور البناء
الفكري للنظرية الجيواستراتيجية، أما من الناحية الوظيفية، فالنظرية
الجيوبوليتيكية تركز على وظيفة الدولة كوحدة متحركة بسبب من قابليتها الذاتية في
انطلاقتها نحو السيطرة العالمية، مبتلعة أقاليم ومجالات حيوية تتميز بخصائصه
الاستراتيجية، بينما تركز النظرية الجيواستراتيجية على وظيفة الإقليم بسبب من
مزاياه وخصائصه الاستراتيجية، وأثر ذلك على حركة القوى في السيطرة عليه لإتمام
سيطرتها العالمية.
يقول المؤلف شاهر: "ينبغي أن نؤكد أن
مفهوم الإقليم لا يقتصر على مساحة محددة من الأرض كما يمكن أن يفهم على العموم،
فقد يكون هذا الإقليم مجالاً بحرياً كما يمكن أن يكون أيضاً مجالاً جوياً، وعلى
هذا الأساس، فقد كان كبار الجيوبوليتيكيين ولا يزالون ـ يتجادلون حول ما إذا كان
النفوذ الأرضي أكثر أهمية من النفوذ البحري أو العكس من أجل السيطرة العالمية، كما
جادل بعض منهم في أهمية كلا المجالين البري والبحري نتيجة للتطور التكنولوجي
الحاصل ـ كونهما لا يحملان أهمية بالغة إذا ما قورنا بأهمية المجال الجوي ثم
الفضائي ـ في تحقيق السيطرة العالمية(ص64)..
لقد كان للألمان الفضل في وضع أسس الجغرافية السياسية في صورة الجيوبولتيكا، فكان من بين هؤلاء أبو الجغرافية السياسية الحديثة ومؤسسها هنريك فون تريسك 1724 1804، الذي نادى بتوسيع رقعة الدولة عن طريق الفتح العسكري، ويعدُّ كارل ريتر واحداً من الذين أسهموا في تطوير هذا الموضوع، فكان يرى أن القارات أعضاء رئيسة لكائن حي عظيم، ألا وهو الكرة الأرضية الحية.
ثم يستعرض المؤلف أربع مدارس للفكر
الجيوسياسي في الدول الغربية انكلترا ـ ألمانيا ـ فرنسا ـ الولايات المتحدة
الأمريكية، ظهرت في وقت واحد تقريباً، وقد استندت كل مدرسة من هذه المدارس إلى
المنهج الفكري لكل بلد من هذه البلدان وطبيعته القومية"
لقد كان للألمان الفضل في وضع أسس الجغرافية
السياسية في صورة الجيوبولتيكا، فكان من بين هؤلاء أبو الجغرافية السياسية الحديثة
ومؤسسها هنريك فون تريسك 1724 1804، الذي نادى بتوسيع رقعة الدولة عن طريق الفتح
العسكري، ويعدُّ كارل ريتر واحداً من الذين أسهموا في تطوير هذا الموضوع، فكان يرى
أن القارات أعضاء رئيسة لكائن حي عظيم، ألا وهو الكرة الأرضية الحية.
لقد أخذت فكرة المجال الحيوي تتطور لدى
الباحثين الألمان، خصوصاً بعد انتصار ألمانيا على فرنسا عام 1870، وظهورها كدولة
منافسة لبريطانيا في مجال الصناعة والتجارة.
ويُعَدُّ الألماني فردريك راتزل أول من درس
وعالج المكان والموقع، معالجة منسقة ووازن بها بين الدول، ثم تبعه كيلن وهاوس
هوفر، ورد عليهم من المدرسة البريطانية ماكيندر وألفرد ماهان من المدرسة
الأمريكية، لتأتي في آخر الاجتهادات لتطوير الفكر الجيوبولوتيكي المدرسة الفرنسية.
ويتطرق المؤلف شاهر إلى المرتكزات الفكرية
لهذه المدارس على النحو الآتي:
ـ المدرسة الألمانية: تُعدُّ المدرسة
الألمانية من أهم المدارس الفكرية الجيوسياسية، إذ برز العديد من المفكرين
الجغرافيين والسياسيين الذين عالجوا مواضيع متعددة في الجغرافية السياسية قبل
ابتكار لفظ الجيوبوليتيك، ومن هؤلاء فريدريك ليست، وكارل ريتر، ويمكن القول إن
المدارس الفكرية الألمانية للجيوبوليتيك، تُعَدُّ المقدمة النظرية لعلم
الجيوبوليتيك، نظراً الإسهامات المفكرين الألمان في تأسيس الأرضية الفكرية لعلم
الجيوبوليتيك، من خلال النظريات التي طرحها المفكرون الألمان، وعلى رأسهم فريدريك
راتزل ورولف كيلين وكارل هاوسهوفر.
لقد أصبحت الجغرافيا السياسية من أهم
الموضوعات وأكثرها شيوعاً في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، وكان الحافز
الرئيس لذلك هو الحرب نفسها، فألمانيا بعدما انهزمت في الحرب، اضطرت لتوقيع معاهدة
صلح فرساي1918، التي كانت مهينة بالنسبة إليها، فدفعت هذه الهزيمة برجال الدولة
والمفكرين والقادة العسكريين الألمان، للبحث في أسباب تلك الهزيمة، بوضع آليات
لاستعادة مجدهم القومي، ومنح ألمانيا تبريراً جزئياً للتوسع على حساب الدول
لاحقاً، في إطار فكرة المجال الحيوي، التي تقوم على استخدام القوة البرية بحثاً عن
المساحات الحيوية الشاغرة، فوضعوا قوانين جديدة أصبحت فيما بعد أسس قيام فكر جديد
أطلق عليه الفكر الجيوبولتيكي، هندس له في البداية راتزل ثم كيلن وهاوس هوفر، وفق
ما يلي:
الأفكار الجيوبولتيكية لفردريك راتزل: 1844 ـ
1904
ويعد من أشهر الأسماء الألمانية في
الجغرافيا السياسية، والذي من خلال مقالته قوانين النمو الأرضي للدول، قد وضع
الأسس الأكاديمية للجيوبوليتيك، وهو أول من درسأهمية العامل الجغرافي وأثره على
قوة الدولة، وقد قدم أفكاره بعد إتمام الوحدة الألمانية سنة 1870، متأثراً بالظروف
السياسية والتيارات الفكرية التي سادت في أوربا آنذاك.
أنهى راتزل دراسته الجامعية البوليتيكنيكية
في كازلسروة، حيث تلقى الدروس في الجيولوجيا، وشارك في حرب عام 1870 التي خاضتها
فرنسا ضد بروسيا وعدد من الدول الألمانية، حفاظاً على هيمنتها في منطقة أوربا، فقد
تطوع راتزل في هذه الحرب ونال وسام الصليب الحديدي على شجاعته.
وعلى خلاف ما ذهب إليه المفكرون القدامى
بدراسة العلاقات العامة بين البيئة والقوى السياسية، فقد اتبع راتزل منهجاً لتحليل
التأثير البيئي على الوحدات السياسية، وتأثر راتزل بأفكار داروين للتطور، وتبنى
فكرة أن الدولة كائن حي، أي أن هناك ارتباط بين السكان والأراضي التي تحميهم وتؤمن
لهم مصادر العمل والرزق، وفي رأيه أن الدولة كالكائن الحي، كلاهما يحتاج إلى النمو
ولو كان ذلك من خلال استخدام القوة، وأكد راتزل على أهمية عناصر المساحة والموقع
والحدود السياسية، فاعتقد أن المجال الإقليمي يؤثر في قوة الدولة، وأن كبر المساحة
ضروري لنمو الدولة، ويضفي الموقع صفات مميزة على المجال المساحي الذي تشغله
الدولة، أما الحدود السياسية، فقد اعتبرها بمثابة العضو الحي المغلف للدولة،
وعلامة على نموها وضعفها.
فالجيوبولتيك كمنهج وضع من قبل فريدريك
راتزل، وساعده في ذلك تكوينه متكامل فهو جغرافي تكون في الصيدلة والعلوم الطبيعية،
وكان متأثراً بأبحاث داروين 1809 1882 وأليكسوندر هومبولد Alixandare Hambolt 1859-1769، حيث كان
مهتم بالعلاقة بين الفضاء الطبيعي والمجتمعات، وطور من الأفكار حول الجغرافية
البشرية في كتاب من جزئين
نشر ما بين 1882 ثم 1891، إذ يعد أول دراسة جغرافية
بشرية، ثم نشر بعد ذلك ورقة بحثية في 1897 أسست لعلم الجغرافية السياسية، إذ درس
فيها تأثير المساحة في الدولة.
على خلاف ما ذهب إليه المفكرون القدامى بدراسة العلاقات العامة بين البيئة والقوى السياسية، فقد اتبع راتزل منهجاً لتحليل التأثير البيئي على الوحدات السياسية، وتأثر راتزل بأفكار داروين للتطور، وتبنى فكرة أن الدولة كائن حي، أي أن هناك ارتباط بين السكان والأراضي التي تحميهم وتؤمن لهم مصادر العمل والرزق
لقد تأثر راتزل بنظرية النشوء والارتقاء،
وآمن بأن الدولة كائن حي ينمو على حساب الكائنات الأخرى الدول عن طريق القوة، ففي
كتابه: الجغرافية السياسية سنة 1897، عرف راتزل الدول على أنها كائنات مرتبطة
بالأرض، وقد كان مهتماً بألا تأخذ مقولته المضمون اللفظي فقط وهذا ما حدث فيما
بعد. فالدولة مثل الكائنات الحية تمر خلال العملية التطورية، فإما أن تنمو أو
تتحلل وتتلاشى، حيث لا تستطيع البقاء ساكنة لطبيعتها. كما نبه راتزل إلى الآثار
الحتمية للأوضاع الجغرافية في تشكيل خصائص وسلوك المجتمعات البشرية من خلال إظهار
أن السياسة تجري على مقتضى حتميات جغرافية كالموقع والمناخ والتضاريس.
راتزل وفكرة التوسع الإقليمي:
يستعرض المؤلف شاهر أفكار راتزل في التوسع
الإقليمي، فيقول :"لقد وضع راتزل ما أطلق عليه قوانين النمو المساحي للدول،
في ورقة بحثية نشرت في عام 1896، أي قبل عام من نشر كتابه الشهير الجغرافيا
السياسية، وأوضح راتزل سبعة قوانين للتوسع الإقليمي، وهي:
1 ـ تنمو مساحة الدولة بنمو حضارتها وثقافة
سكانها تنمو مساحة الدولة مع نمو نفوذها الحضاري من خلال انتشار ديانتها أو لغتها.
فالترابط النفسي أو العقائدي بين الوحدات الجغرافية من الممكن أن يكتمل بترابط
سياسي، ومن ثم فإن المناطق المتاخمة لحدود دولة يتحدث سكانها بلغتها ويعتنقون
ديانتها من السهل أن يمثلوا امتداداً جغرافياً سهلاً في المستقبل للدولة الجار،
وذلك إذا ما رغبت في التوسع بطرق عسكرية أو دبلوماسية.
2 ـ نمو الدول يكون لاحقاً لنمو السكان
فزيادة عدد السكان تعني زيادة الضغط على الموارد ومحاولة إيجاد مخرج عن طريق
الهجرة إلى المناطق المجاورة أو السفر الرحلات تجارية، وهو ما يخلق نوعاً من
الألفة بين سكان الإقليمين، فتزداد أواصر هذه العلاقة والتفاهم عن طريق التجارة،
أو بوجود وسائل اتصال طبيعية تسهل التقارب مثل: الأنهار والبحيرات والبحار أو عدم
وجود عوائق طبيعية تفصل سكان الإقليمين.
3 ـ تتسع الدولة عن طريق ضم وحدات أصغر أو
دمجها تزداد هيمنة الدولة ذات القوة الكبيرة وتأثيرها على ما يجاورها من وحدات
سياسية أصغر، ومن ثم تظهر صورة واضحة للتبعية من الوحدات الصغيرة لهذه القوة،
وتظهر رغبة شديدة من سكان هذه الوحدات الصغيرة، للدخول مع الدول الكبرى المجاورة
في شكل تكتلات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.
4 ـ الحدود هي الإطار الخارجي للدولة وتتسع
بنمو الدولة: فالدولة كلما زاد عدد السكان فيها كلما كانت لها حدود لا تتوافق مع
حجمها. ومن ثم فإن الحدود أو الإطار الخارجي للدولة يتغير بتغير الحجم.
انتقلت فكرة الحدود من مجرد حدود سياسية،
كما هو متعارف عليها، إلى الحدود الثقافة، بمعنى أن حدود الدولة باتت تصل إلى حيث
توجد مصالحها. فمثلاً: باتت الصين دولة عظمى لديها قائض قوة انعكس على توجهات
سياستها الخارجية، فطرحت مشروع الحزام والطريق الذي جعل مصالحها متشابكة مع أكثر
من 150 دولة في العالم. فباتت الصين معنية بحماية مصالحها في الخارج، التي تعرضت
للاعتداءات في عدد من الدول وخاصة في افريقيا وأفغانستان وغيره.
5 ـ الدولة في نموها تسعى دائماً لضم
المناطق ذات القيمة فهي تسعى للتوسع والنمو باحتلال المناطق ذات القيمة الاقتصادية
أو الموقع الاستراتيجي كالسهول، الأودية، الأنهار الممرات البحرية... الخ.
6 ـ إن التوسع الأرضي للدولة البدائية يأتي
بمثيرات من الخارج فأفكار النمو والوحدة تنتقل من الدول الكبرى إلى الوحدات
السياسية الصغيرة ذات الجذور الثورية، أو التي تبرز فيها شخصية قيادية، فتبدأ هذه
الوحدة في قيادة الوحدات المجاورة وضمها وبداية التوسع وازدياد النفوذ المساحي.
لقد انتقد فكر راتزل والجغرافيا السياسية الألمانية انتقاداً كبيراً، خاصة من قبل البريطانيين والأمريكيين خلال سنوات الحرب وذلك لسببين: السبب الأول لأنه ألماني، والثاني لأنه استخدم لفظ قانون في تفسيره لنموذج النمو المساحي للدولة.
7 ـ تنتشر عدوى الضم واتساع المساحة بصورة
سريعة بين الدول فعملية التوسع مستمرة وهي تقود التوسع آخر في إطار التصارع بين
الدول لإثبات الذات، وقد عدل راتزل من هذا القانون فقال إن الأرض لا تتسع إلا
لدولة كبيرة واحدة. مشيراً إلى استغلال المساحات الكبيرة ستكون أهم ظاهرة في القرن
العشرين على أن تتحكم الدول كبيرة المساحة في تاريخ العالم في القرن العشرين، وكان
يقصد روسيا في أوراسيا والولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا الشمالية"(صص
69-70) .
لقد ترافقت الفترة التي طرح بها راتزل
أفكاره، مع تطور النشاط الصناعي الرأسمالي في ألمانيا، والتي كانت تحتاج للمواد
الخام والأسواق، وبالتالي قدم راتزل نظريته لتكون في خدمة ألمانيا، فالحدود هنا
ليست نهايات الدولة، ولكنها محطة من محطات نمو الدولة، فكلما كبرت احتياجات الدولة
حق لها أن تلتهم جيرانها لتواصل نموها، وبذلك أعطت نظرية راتزل مبرراً للحراك
النازي الكبير لاجتياح أوروبا. لذا يمكن وصف أفكار راتزل على أنها الأرضية الفكرية
التي بررت الأطماع التوسعية والحروب التي شهدتها أوروبا والعالم بذريعة الحاجة
للتوسع خارج الحدود، كما يمكن تقديم اسرائيل وتنظيم داعش الإرهابيين كنموذجين
توسعيين لا يعترفان بالحدود، ويسعيان للتوسع في المناطق الغنية بالموارد دون
اعتبار لسيادة الدول وحدودها. وقد أثرت أفكار راتزل في العديد من المفكرين، وعلى
رأسهم العالم السويدي رولف كيلين.
لقد انتقد فكر راتزل والجغرافيا السياسية
الألمانية انتقاداً كبيراً، خاصة من قبل البريطانيين والأمريكيين خلال سنوات الحرب
وذلك لسببين: السبب الأول لأنه ألماني، والثاني لأنه استخدم لفظ قانون في تفسيره
لنموذج النمو المساحي للدولة. فهذه القوانين حسبهم لیست ضرورة ملزمة، كما لا يمكن
مقارنة الدول بالكائنات الحية، مادام لا توجد علاقة تطابقية بينهما، بل توجد علاقة
تبادلية بين الأفراد والأرض التي يحصلون منها على قوتهم.
إقرأ أيضا: الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك.. دور المكان والقوة في صياغة النظام العالمي