عندما تتحول الليبرالية إلى يوتوبيا علمانية.. قراءة في كتاب

كتاب "المتخيلات الاجتماعية الحديثة" عمل عميق يجمع بين الفلسفة والتاريخ، والسوسيولوجيا في آن. فيحاول أن يفهم ماهية الخيال الاجتماعي أولا ويجعله أداة لفهم الحداثة من الداخل.
الكتاب: المتخيلات الاجتماعية الحديثة
الكاتب: تشارلز تايلر، ترجمة الحارث النبهان، مراجعة ثائر ديب.
الناشر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، الدوحة قطر، 2015.
عدد الصفحات: 256 صفحة


ينطلق تشارلز تايلر أحد الفلاسفة الكنديين المعتبرين، من قناعة مدارها على أنّ البشر يعيشون وفق صور مشتركة عن النظام والعدالة والمعنى. ومن خلال مؤلفه الذي يحمل العنوان «المتخيلات الاجتماعية الحديثة»، يحاول أن يقدّم قراءة جديدة لهذه الصور اليوم. ويخلص إلى أنها ليست عقلانية باردة أو تراكما تقنيا وعلميا أو تطورا مؤسساتيا كما تذهب المقاربات السريعة وأنها ليست حتمية مادية كما تذهب السرديات الماركسية أو الوضعية. إنها تغيّر جذري في تمثّل المرء لذاته وللعالم من حوله. فيجعل من كتابه رحلة في التمثلات التي جعلت الحداثة ممكنة. ويبحث في الاقتصاد والسياسة والرموز والأخلاق والدين وكل ما له صلة بتجربة الإنسان اليومية. فالحداثة تمنح الإنسان القدرة على إعادة التفكير في دوره في المجتمع. وتمنحه في الآن ذاته أدوات لفهم الديناميكيات الاجتماعية والسياسية. يقول "ليست الحداثة عقلنةً فقط، بل إعادة تشكّل لتصورنا عن الخير والمعنى" ص 17.

 1 ـ في النظام الأخلاقي الحديث

يخص الأخلاق في الحداثة الغربية باهتمام برؤية نقدية عميقة. فقد تحولت بشكل جذري. وانفصلت عن قيم الفضيلة الكلاسيكية. وفقد المثال البطولي أو الديني مكانته التقليدية. فأضحت قيم الحياة اليومية معيارًا للخير منها الحفاظ على الجسد والعمل والكسب والرفاه. وأصبحت مستلزمات الاستقرار والنفع العام معيارًا عمليًا للتصرف السليم. والفرد الصالح بات ذاك الذي يسهم في النظام الاجتماعي. والأخلاق أضحت عملية عامة وليست شأنًا شخصيًا وانخرطت الدولة والسوق في مكونات هذا النظام الأخلاقي. إذن فالتحول تجاوز الطبقة السطحية من الوعي ليشمل الوعي الجمعي الذي يجعل من تقدير الحياة العملية المرتبطة بالعمل والالتزام الاجتماعي باعتبارها مصدر للخير. فـ"ـاعتبار الحياة العادية مجالًا مركزيًا للخير الأخلاقي [هو ما] يميز الحداثة عن التصورات السابقة" ص 27.
يتميز الزمن الديني أو الأسطوري بكونه دائريا، يتحرك عودا على بدء. فمنطلقه الأزل قبل أن يرتك آدم خطيئته ومنتهاه الأبد، عندما يعيش الإنسان محنته ويعود مظفرا فيستعيد مكانته في الجنان أو خائبا فيكون مآله الجحيم وبئس المصير. أما الحداثة. فقد أربكت هذا التصوّر وفق الباحث بأن أحدثت تحولًا جذريًا في مفهوم الزمن. فجعلته خطيًا، يمتد من الحاضر إلى المستقبل ويتجه دأيا إلى الأمام في شكل سهم فيكون، مفتوحًا على الإمكانات البشرية.

هكذا يمكننا أن نقدّر أنّ المتخيل الاجتماعي عند تشارلز تايلر مفهوم يوضح كيف يتصور الناس مجتمعهم وعلاقاتهم. أنه عامل فاعل يوجه السلوك ويجعل الأفراد يتصرفون وفق ما يرونه طبيعيًا ومشروعًا. فيدركون ضرورة أن يقوم على المساواة، والحقوق، بما يجعل المجتمع أصبح كيانا من أفراد أحرار ومتساوين وما يجعل شرعية أي قانون مكتوب تنبع من قبولهم الجماعي له. فيسبق السلوك الوعي ويتقدّم الوعي في الزمن على التنظير. فلا يكون نظرية فلسفية مجردة أو تصورا نخبويا بقدر ما يكون شبكة من الصور والقصص، والتوقعات المشتركة وبقدر ما يجعل من الحياة اليومية ممكنة ومفهومة. فيوفر الأساس للتعاون والثقة بين الأفراد. يمكن للناس تنظيم حياتهم دون الاعتماد على القوانين الصارمة فقط.

يغدو النظام الاجتماعي أكثر استقرارًا لأنّ المتخيل الاجتماعي يدفعنا إلى أن نفهم أن الممارسات المشتركة طبيعية ومقبولة، إنه "يجعل الممارسات المشتركة ممكنة ومفهومة قبل أي تبرير نظري" ص 35.

 2 ـ الاقتصاد والفضاء العام بما هما كيانان مستقلان

مثل الاقتصاد بدوره موضوع مراجعة من قبل تشارلز تايلر  في هذا الأثر من المنطلق نفسه. ف في المجتمعات السابقة، كان النشاط الاقتصادي مرتبطا بالدين والأخلاق والسياسة. ثم جاءت الحداثة ففصلت السوق عن هذه المجالات. وجعلته نظامًا مستقلًا له بقوانين خاصة. وليس هذا الاستقلال ليس مجرد إجراء تقني. فهو ناشئ عن تحول تخييلي. بعد أن أخذ الناس يرون التبادل والسعر والعمل وقائع طبيعية. ولم يعد التعاون الاقتصادي فضيلة عليا بقدر ما أضحى سعيا عقلانيا للمصلحة ونتيجة للإيمان بفكرة المنفعة المتبادلة وبقدر ما أضحى الاقتصاد نفسه يُفهم باعتباره مجالا مستقلا يمكن دراسة قواعده وتحسينها فـ"ـالسوق" يقول تشارلز تايلر  "يُتَصوَّر كنظام ذاتي التنظيم يخدم الخير العام عبر المصالح الفردية"ص 49. يعزز هذا التصور ثقة إنسان اليوم في التنظيم الذاتي للأسواق دون توجيه مركزي دائم. لذلك فقد أصبح يعتبر أنّ التدخل الأخلاقي أو السياسي تشويه لهذا النظام أو تأثير فيه ليخدم فئة بعينها. وهذه القناعات الجديدة حول الاقتصاد تمثل وفق تشارلز تايلر  امتداد للنقاش حول الفضاء العمومي باعتبارها شأنا مشتركا خارج مؤسسات الدولة.

وكل ما يتعلّق به لم يعد قائما على الإرغام أو على القوانين المسقطة فوقيا. فأساسه النقاش والإقناع كما هو قائم في الصحافة والصالونات والمنتديات. بحيث يكون الأفراد متساوون في القدرة على إبداء الرأي. ومصدر السلطة ينبع  من قوة الحجة لا من مكانه المرء الاجتماعية أو الدينية. ووجه الجدة في هذا المتخيل الاجتماعي الحديث يتمثل في أنّ الفضاء العمومي يسمح بتكوين إرادة جماعية وأنّ القرارات السياسية تكتسب مدى شرعيتها مما يدار من نقاش عام حولها لأن " الرأي العام مصدر أساسي للشرعية السياسية في المجتمعات الحديثة" ص 67. وعليه، و عبر هذا النقاش يفرض الفضاء العمومي تصورا جديدا للعلاقة بين المواطنين. فيكون الأفراد مسؤولين تجاه المجتمع. ومسؤوليتهم تلك تمثل مصدر شعورهم بالمواطنة. ومرد هذه القناعة إيمان الباحث بكون الشعب قد صار فاعلًا سياديًا. ولم يعد جماعة رعايا وبعبارة أخرى فالمجتمع بما هو كيان ليس سوى تجمع إرادات حرة وكل ممارسة ضمن الفضاء العام لا تكتسب شرعيتها إلى مما يشير إليه بالتفويض الشعبي. فالسيادة تُنسب إليه، والدولة تعمل باسمه.

يطرح السؤال هنا، كيف سيتم تجسيم هذه المبادئ؟ هل سنعمد إلى استفتاء في كل قرار؟ لا يشترط تشارلز تايلر المشاركة الدائمة لكل الأفراد في كل حين. فيكفي الاعتراف بأن الشعب مصدر السلطة لأنّ السيادة الشعبية تغير فهم العلاقة بين الفرد والدولة. و"فكرة السيادة الشعبية تفترض مجتمعًا من أفراد أحرار يعترفون ببعضهم البعض كمصدر للسلطة" ص 81.

4 ـ الزمن من التصور الأسطوري إلى التأثير المباشر في الفعل الاجتماعي

يتميز الزمن الديني أو الأسطوري بكونه دائريا، يتحرك عودا على بدء. فمنطلقه الأزل قبل أن يرتك آدم خطيئته ومنتهاه الأبد، عندما يعيش الإنسان محنته ويعود مظفرا فيستعيد مكانته في الجنان أو خائبا فيكون مآله الجحيم وبئس المصير. أما الحداثة. فقد أربكت هذا التصوّر وفق الباحث بأن أحدثت تحولًا جذريًا في مفهوم الزمن. فجعلته خطيًا، يمتد من الحاضر إلى المستقبل ويتجه دأيا إلى الأمام في شكل سهم فيكون، مفتوحًا على الإمكانات البشرية.

ولهذا التحول تأثيره المباشر على الفعل الاجتماعي. فقد أصبح البشر يفكرون في خطواتهم المستقبلية، ويتوقعون النتائج المترتبة على أفعالهم. ولم يعودوا رهين الماضي أو متعلقين بالدورات الثابتة. فليس ما انقضى غير تجربة يمكن دراستها واستخلاص الدروس منها، ضمن أفق يرى أنّ الفعل الاجتماعي يقوم على التراكم والتحسين المستمر والتخطيط طويل الأمد. فـ"الحداثة" على عبارة الكاتب "تفترض زمنًا دنيويًا يسمح بالتغيير والتحسين المستمر" ص 97.

وهذا التصور الجديد للزمن يعزز فكرة التقدم. فكل جهد يُبذل في الحاضر يمكن أن يثمر في المستقبل، مما يشجع على المبادرة والإبداع. أما الماضي لم يعد قيودًا جامدة وشعورا مستمرا بالخطيئة. إنه قاعدة للتعلم عبر التجربة والخطإ. فنتعامل مع أخطائنا السابقة على أنها ُدرس وتُحلل حتى نتجنب تكرارها. ونفهم التاريخ باعتباره مسارًا يمكننا الفعل فيه وتغييره وليس حتما مفروضا علينا. وكل فرد مسؤول عن دوره فيه بحيث تصبح المسؤولية الفردية والجماعية جزءًا أساسيًا من التنظيم الاجتماعي. ويغدو التزام الفرد بتحسين المجتمع أكثر من واجب أخلاقي. إنه ضرورة لضمان سير المشروع الاجتماعي على خط الزمن. فيعزز هذا الشعور بالتاريخية الالتزام الجماعي، ويجعل الممارسات الاجتماعية والسياسية أكثر وعيًا وتأثيرًا.

وبديهي أن ترتبط كل ممارستنا بهذا التصور الجديد للزمن. ومنها الفعل السياسي. فالسياسات تحتاج إلى خطط طويلة الأمد وتقييم مستمر للنتائج. والمؤسسات التعليمية والاقتصادية تعتمد على الزمن للتطوير والتراكم. والاستثمار في مختلف المجالات، كالتعليم والبحث، والصناعة يعكس هذا التفكير الجديد. لذلك لم تعد المؤسسات لم تعد تعمل وفق الروتين وإنما وفق استشراف المستقبل ووفق توقعات التحسين المستمر والتجربة المنهجية. وهذا يعني أنّ الزمن الحديث يدعم الشعور الحاد بالتاريخية لدى الفرد، وأن الإنسان الحديث لا يعيش لحظته إلا وهو يعي أن أفعال جزء من مسار طويل..

5 ـ المجتمع كيانا مستقلا عن مختلف القوى المؤثرة

تعتبر الأفكار التقليدية أنّ المجتمع قوة خارجية لا سلطة له عليها. أما من منظور تشارلز تايلر فقد أصبح المجتمع يُفهم، بتأثير من الحداثة، باعتباره واقعا قائما بذاته في استقلالية عن مؤثرات السلطة أو الدين، وبمنأى عن تأثير التقاليد. إنه شبكة علاقات بين أفراد مستقلين تخضع لقواعد يمكن فهمها وتحليلها. والسلوك الذي ينجم عنها لا يعد عشوائيًا. إنه تجسيد لأنماط يمكن التعرف عليها عبر الدراسة والتحليل. ومن تبعات هذا التصوّر أن التغيير الاجتماعي لم يعد أمرا مستحيلًا. فللباحثين والمخططين أن يضعوا الاستراتيجيات المناسبة لتطوير المجتمعات المختلفة وتحسين أداء مؤسساتها. ومن هذه الزاوية يمكن تعريف المجتمع بكونه نتاجا لتفاعلات واعية بين أفراده، بحيث يكون لكل فرد دور في هذا النظام الجامع، ويكون لكل تصرف وقع على هذا الكل وهذا يعني أنّ الأفراد قادرون على إدارة حياتهم المشتركة وفق قواعد عامة، بدون الحاجة إلى توجيه مركزي دائم، بما أنّ التنظيم الاجتماعي ينشأ من التفاعل بين مصالح الأفراد، ومن التعاون والالتزام بالقوانين الاجتماعية، ومن احترام الحقوق المتبادلة.

أصبح البشر يفكرون في خطواتهم المستقبلية، ويتوقعون النتائج المترتبة على أفعالهم. ولم يعودوا رهين الماضي أو متعلقين بالدورات الثابتة. فليس ما انقضى غير تجربة يمكن دراستها واستخلاص الدروس منها، ضمن أفق يرى أنّ الفعل الاجتماعي يقوم على التراكم والتحسين المستمر والتخطيط طويل الأمد. فـ"الحداثة" على عبارة الكاتب "تفترض زمنًا دنيويًا يسمح بالتغيير والتحسين المستمر"
تمثل هذه القوانين الاجتماعية أدوات لفهم وتحليل السلوك البشري، وتحسين التفاعل الجماعي ولاستشراف المستقبل والتنبؤ بالنتائج. كل قاعدة اجتماعية يمكن تقييمها، تعديلها، أو تحسينها. هذا يخلق إحساسًا بالمسؤولية الجماعية والفردية معًا.  فيتم الربط بين المجتمع باعتباره كيانا مستقلا وبين الحرية الفردية والنظام الجماعي بطريقة متوازنة. فلا تكون الحرية ليست انفصالًا عن الجماعة، بقدر ما تغدو ممارسة مسؤولة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية. الأفراد يتعلمون أن حقوقهم مرتبطة بالالتزامات التي يحملونها تجاه الآخرين. الفعل الفردي يصبح جزءًا من مشروع أوسع، والفعل الجماعي يعتمد على مشاركة الأفراد في وضع قواعد عامة.

6 ـ كتاب "المتخيلات الاجتماعية الحديثة" واليوتوبيا الحديثة

لا مراء في أنّ كتاب "المتخيلات الاجتماعية الحديثة" عمل عميق يجمع بين الفلسفة والتاريخ، والسوسيولوجيا في آن. فيحاول أن يفهم ماهية الخيال الاجتماعي أولا ويجعله أداة لفهم الحداثة من الداخل. فيقدم سرده الخاص لولادة الذات الحديثة، وهي تواجه معضلات الاقتصاد والعلم والأخلاق، فيبدو سردا متماسكًا، في الظاهر على الأقل. ومن منطلقه يقدّر أنّ المؤسسات لا تعمل إلا بالمعاني التي يتخيلها الناس.

ولكن التعامل النقدي معه يثير قدرا لا بأس به من الاحترازات. فالباحث يبدو شديد الإيمان بقدرة المجتمعات على تنظيم ذاتها آليا وصولا إلى الحكم الرشيد وتحقيقا للجمهورية الفاضلة على نحو ما، من منطلق حرية سائبة، هي أشبه بالتصور الليبرالي للاقتصاد، الذي ينظّم نفسه تلقائيا اعتمادا على العرض والطلب.  وهذا مثير للاستغراب حقا. فالأثر يتجاهل كلّيا سلطة رأس المال التي تعبث بإرادة الشعوب وهي تفرض مرشحيها وتدعمهم ليتولوا الحكم لخدمة مصالحهم، ويتجاهل انحراف المؤسسات التشريعية التي يتم السطو عليها، فتتحول من مؤسسة منتخبة تدافع عن مصلحة الشعوب إلى مؤسسة مخترقة تسن القوانين التي تخدم مصالح أطراف بعينها، ضمن ما بات يعرف بالدولة العميقة. وليس ارتهان بعض السياسيين للوبيات السياسية والمالية واعتمادهم لمعايير مزدوجة في ما يتعلّق بحق تقرير المصير وشبهات الإرهاب، اليوم غير دليل على ما نذكر.  أضف إلى ذلك أنّ تركيز تشارلز تايلر   على التجربة الغربية، على علات تحليله، يترك حداثات أخرى خارج التحليل. وهذا ما يجعل مفهوم المتخيل مفهوما فضفاضا يخدم التصور الليبرالي ويقدم له دعاية تحول أفكاره على عمق بعضها إلى طوباوية علمانية.