قدّمت صحيفة "الغارديان" البريطانية، اليوم،
قراءة فكرية معمّقة لكتاب "ديفيد بوي والبحث عن الحياة والموت والله"
للكاتب البريطاني بيتر أورميرود، في مراجعة كتبها الفيلسوف والناقد الثقافي
المعروف سايمون كريتشلي.
ولا تأتي هذه العودة إلى تجربة ديفيد بوي من
باب الحنين إلى أحد أعمدة الموسيقى البريطانية فحسب، بل من موقع الاعتراف بمكانته
بوصفه ظاهرة ثقافية وفكرية عالمية، تجاوزت الفن إلى مساءلة المعنى والوجود في
العصر الحديث.
تطرح المراجعة بوي بوصفه أكثر من موسيقي
استثنائي أو نجم روك متحوّل الأقنعة؛ إنه فنان استشرف مبكراً تصدّع العالم المعاصر
وانهيار يقيناته الكبرى. فخلافاً للصورة الشائعة التي ترى فيه أحد آخر رموز عصر
ليبرالي انقضى، يشدّد كريتشلي على أن بوي كان نبيّاً للفوضى التي نعيشها اليوم:
عالم بلا مركز، بلا سردية جامعة، وبلا وعود خلاصية، حيث تتآكل المعاني تحت ضغط
التكنولوجيا، والانقسام السياسي، والعنف الكامن.
في أعماله المتأخرة على وجه الخصوص، بدا بوي
واعياً بدخوله ما يمكن تسميته "منطقة التشظي". لم يتعامل مع الإنترنت
كأفق تحرّري، بل كقوة تهديد وجودي، فيما امتلأت موسيقاه ـ من Space Oddity وصولاً إلى Blackstar ـ بصور الغرق، والاحتراق، والانهيار، وكأنها خرائط رمزية
لمستقبل أخلاقي وسياسي يتداعى. حتى صعود الشعبوية واليمين المتطرّف، كما تشير
المراجعة، وجد صداه المبكر في نصوصه، ما يمنح أعماله بعداً نبوئياً في توصيف "عالم
ما بعد العقل".
غير أن هذا الوعي بالفوضى لم ينزلق إلى
العدمية. ففي قلب الانهيار، ظل بوي مشغولاً بما سمّاه "اللغز الهائل":
لغز الفناء، وحقيقة أن الإنسان كائن ماضٍ حتماً إلى الموت. هنا تحديداً يتقاطع
الفن مع الدين، والموسيقى مع الميتافيزيقا، وهو التقاطع الذي يشكّل جوهر
كتاب
أورميرود.
ديفيد بوي لم يكن مجرد فصل لامع في تاريخ الموسيقى البريطانية، بل تجربة فكرية وروحية كبرى، ومرآة لقلق الإنسان المعاصر، وصوتاً بحث عن المعنى في زمن فقد فيه الإيمان بكل شيء تقريباً.
يعالج أورميرود تجربة بوي لا كسيرة حياة
تقليدية، بل كنص ديني–رمزي مفتوح، يرى فيه بوي فناناً "دينياً" بالمعنى
الوجودي العميق للكلمة. من جذوره الأنغليكانية في كنيسة سانت ماري ببروملي، مروراً
بتأثره بالبوذية التبتية في ستينيات القرن الماضي، وصولاً إلى انشغاله بالتصوف
والهرمسية وأفكار أليستر كراولي، تتبدّى الروحانية كخيط ناظم لتجربته الفنية، لا
كزخرفة عابرة.
ورغم أن بعض الإحالات الفلسفية في الكتاب ـ
إلى كيركغارد أو نيتشه ـ قد تبدو تقليدية، فإن قوة العمل تتجلى بوضوح في تحليله
لأعمال بوي المتأخرة، ولا سيما Heathen وThe Next Day وBlackstar، إضافة إلى مسرحيته الأخيرة Lazarus. في هذه
الفصول، يتعامل أورميرود مع موسيقى بوي بوصفها نصاً قابلاً للقراءة الدقيقة، على
غرار النصوص الكبرى في الأدب والفلسفة.
وتخلص المراجعة إلى أن الدافع الأعمق لتجربة
بوي لم يكن الهروب من العالم، بل التعلّق الشديد بالحياة، على الرغم من وعيه الحاد
بالموت. بين هذا الحب للحياة، وعجزه الطويل عن الحب الإنساني في مراحل من مسيرته،
تشكّلت موسيقى مشبعة بالوحدة، والحنين، والرغبة المؤلمة في التواصل. ومع تقدّم
العمر، بدا أن بوي بلغ شكلاً من المصالحة: مع العائلة، ومع الفناء، ومع تحويل
الموت نفسه إلى عمل فني أخير.
بهذا المعنى، تؤكد الغارديان، عبر قراءة
كريتشلي لكتاب أورميرود، أن ديفيد بوي لم يكن مجرد فصل لامع في تاريخ الموسيقى
البريطانية، بل تجربة فكرية وروحية كبرى، ومرآة لقلق الإنسان المعاصر، وصوتاً بحث
عن المعنى في زمن فقد فيه الإيمان بكل شيء تقريباً.