كيف صنعت باريس وواشنطن فخّ لبنان في المواجهة مع دمشق؟ قراءة في كتاب

بالتناقض مع آمال الرئيس الفرنسي، لم يخفف النظام السوري من سيطرته على جاره اللبناني. كان الجواسيس السوريون يمسكون بخيوط بلد الأرز.. عربي21
الكتاب: Le dossier noir de la relation franco-syrienne  DAMAS: LES CHEMINS DE
دروب دمشق:الملف الأسود للعلاقة الفرنسية-السورية
الكاتب: Georges Malbrunot et Christian Chesnot
كريستيان شيسنو وجورج مالبرنو
الناشر:ROBERT LAFFONT PARIS-2014
روبير لافون ، إدارة النشر لجان لوك باريه، (عدد الصفحات 234 من القطع الكبير)


في هذا الجزء الثالث والأخير من القراءة الخاصة التي يكتبها الباحث والكاتب التونسي توفيق المديني لـ "عربي21"، يواصل تفكيك خفايا العلاقة الفرنسية ـ السورية كما يكشفها كتاب "دروب دمشق: الملف الأسود للعلاقة الفرنسية ـ السورية" لجورج مالبرونو وكريستيان شيسنو، متوقفًا عند اللحظة المفصلية التي تحوّل فيها لبنان إلى ساحة صدام دولي وإقليمي، ونُسج فيها التحالف غير المعلن بين جاك شيراك ورفيق الحريري لمواجهة نظام بشار الأسد. قراءة تتجاوز السرد التاريخي لتكشف منطق الانتقام، وسوء التقدير الاستراتيجي، وتقاطعات المصالح الغربية-العربية، وصولًا إلى اغتيال الحريري وما أعقبه من إعادة رسم موازين القوى في لبنان وسوريا، في سياق يفضح حدود الرهان على إسقاط الأنظمة عبر الضغوط الدولية والقرارات الأممية.

الحريري وشيراك نصبا فخاً لبشار في لبنان

في بداية عام 2004، بدأت بالتفكير مع رفيق الحريري بالذهاب إلى مجلس الأمن للحصول على تصويت لقرار يجبر سوريا بسحب قواتها المقولة مقتبسة من كتاب الزمن الرئاسي. لم يخف جاك شيراك في مذكراته أنه عمل يداً بيد مع رفيقه اللبناني رفيق الحريري على كتابة نص أصبح بتاريخ 2سبتمبر 2004  قراراً أممياً. لم يذكر القرار 1559 صراحة سوريا، ولكنه طالب بانسحاب القوى الأجنبية من لبنان ونزع السلاح وحل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وإجراء الانتخابات الرئاسية القادمة دون أي تدخل أو تأثير أجنبي.

السوريون يعرفوننا جيداً أكثر مما نعرفهم. المسؤولون السوريون يعلمون أن جاك شيراك تم شراؤه من رفيق الحريري، ونيكولا ساركوزي من قطر. لكنهم ينظرون دائماً إلى فرنسا كبلد له دبلوماسية خاصة في الشرق الأوسط متمركزة بين الروسية والأمريكية. فرنسا دولة استطاعوا معها القيام طوال الوقت بصفقات تجارية كما رأينا، حتى في الفترات الأكثر توتراً وفي القطاعات الأكثر حساسية واستراتيجية.
بالتناقض مع آمال الرئيس الفرنسي، لم يخفف النظام السوري من سيطرته على جاره اللبناني. كان الجواسيس السوريون يمسكون بخيوط بلد الأرز. وأكثر من ذلك وفقاً لمروان حمادة، وزير لبناني سابق: فإن النظام السوري تشدد ويكمل شرحه بعد حرب العراق أحسسنا بصلابة ملموسة. أبعدت حكومة رفيق الحريري إلى الصف الثاني ولم تعد إلا أداة لتنفيذ رغبات بشار الأسد. على غرار إيران وحزب الله، قرر السوريون تثبيت سلطتهم في لبنان بطريقة أكثر صلابة وأكثر عمقاً. وكان هنالك استحقاقان أساسيان يريدون الوصول إليهما وهما يتحكمان بكامل خيوط اللعبة الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني/نوفمبر 2004 والانتخابات التشريعية في ربيع 2005.

قدم مشروع قرار 1559 من قبل موريس غوردو - مونتاين إلى رفيق الحريري. في منتصف الصيف، كان رئيس الوزراء اللبناني في مقر إقامته الصيفي في سردينيا. قُرئ النص على يخت الحريري، لكن تطوراً مفاجئاً عجل السيناريو. فقد استدعي رئيس الوزراء اللبناني من بشار الأسد في 26أغسطس 2004  إلى دمشق. ما الذي دار بين الرجلين؟ الرواية التي نقلها رفيق الحريري إلى المقربين منه وإلى جاك شيراك هي أن الرئيس السوري كان غاضباً للغاية وهدده جسدياً. يقال أن بشار الأسد قال لرفيق حريري: إذا كان شيراك يريد إخراجي من لبنان، سأدمر لبنان. إما أن تفعل ما نمليه عليك وإما سننال منك ومن عائلتك أينما كنت! لم يستمر اللقاء أكثر عشر دقائق عند عودته إلى بيروت، ذهب مسرعاً إلى زعيم الدروز وليد جنبلاط حيث كان مجتمعاً مع عدد من وزرائه ومنهم مروان حمادة.

يتذكر هذا الأخير: كان رفيق الحريري مشوشاً عندما روى لنا مقابلته حامية الوطيس مع بشار الأسد. قال له الجميع: سيقتلونك! قال له وليد جنبلاط: أنا في الجبل، أعرف كيف أدبر نفسي، أما أنت فإنك تعرض نفسك للخطر. اقبل، وصوّت للحود وغادر لبنان واحم نفسك. أعطى رفيق الحريري نفسه 24 ساعة من التفكير في الشاليه الجبلية في فقرا وكان مترنحاً كملاكم. وفي النهاية سمع نصائح وليد جنبلاط فأرسل رسالة إلى دمشق، يعلن فيها أنه سيستدعي مجلس الوزراء لتبني تعديل الدستور الذي يسمح بتمديد ولاية الرئيس لحود لثلاث سنوات أخرى. كان مهزوماً ولكنه واقعي، رضخ رفيق الحريري هكذا لأوامر بشار الأسد.

كان جاك شيراك واقعاً تحت الصدمة في باريس، أمام ما أعتبره ضرب قوة. افتتح الرئيس الفرنسي في الإليزيه المؤتمر الثاني عشر السفراء فرنسا في 27أغسطس  أي اليوم التالي للمقابلة حامية الوطيس في دمشق مع الحريري. وفي الكواليس أعطى تعليماته الأخيرة لممثله في الأمم المتحدة جان ـ مارك دولا سابليير الذي يستقل أول طائرة متجهة إلى نيويورك.

بعد اغتيال الحريري، حالات قطيعة وتواصل

في الرابع عشر من فبراير عام 2005 كان وضاح عبد ربه، رئيس تحرير جريدة الوطن الموالية للحكومة مدعواً إلى الغداء في مقر إقامة السفير الفرنسي بدمشق جان فرانسوا جيرو. فهذا الشاب المتقن للفرنسية والمحتك بأعلى مراتب السلطة، يُعتبر أحد الأشخاص الذين يتواصل معهم الدبلوماسيون الأجانب بانتظام في بلد لطالما كان الوصول فيه إلى مصادر المعلومات صعباً.

جهاز التلفاز يعمل في الصالون. وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة ظهراً. وكان شريط إخباري أسفل الشاشة يقول: استهداف موكب رفيق الحريري على الفور يتصل السفير الفرنسي بالسفارة الفرنسية ببيروت. وسرعان ما ظهر شريط آخر على شاشة تلفزيون المستقبل التي كان يملكها رئيس الوزراء اللبناني: وفاة رفيق الحريري. وتحت تأثير الصدمة، اعتذر جان فرانسوا جيرو، وتم تأجيل الغداء. أتمنى أن تملك سوريا محامين بارعين، هكذا همس السفير الفرنسي لضيفه وهو يرافقه مودعاً.

كان رفيق الحريري مشوشاً عندما روى لنا مقابلته حامية الوطيس مع بشار الأسد. قال له الجميع: سيقتلونك! قال له وليد جنبلاط: أنا في الجبل، أعرف كيف أدبر نفسي، أما أنت فإنك تعرض نفسك للخطر. اقبل، وصوّت للحود وغادر لبنان واحم نفسك.
بعد بضع ساعات، اتصل وزير الخارجية ميشيل بارنييه بالرئيس شيراك الذي كان الحزن يهز كيانه جراء موت صديقه الذي كان قد قضى الساعة الثانية عشرة وستاً وخمسين دقيقة تحديداً في انفجار سيارة مفخخة لدى عبور موكبه في مكان ليس بعيداً عن فندق السان جورج الشهير وسط بيروت. وقد تلقى شيراك نبأ وفاة الحريري عن طريق محامي الأخير في فرنسا باسل يارد، الذي كانت له صلات بالإليزيه.

وفي اليوم التالي، توجه شيراك وزوجته برناديت بصفة شخصية إلى بيروت تفادياً للالتقاء بالرئيس الموالي لسوريا، إميل لحود، الذي كان الرئيس الفرنسي يحتقره. كان شيراك مرتدياً بزة رمادية قائمة، في حين اكتست زوجته ثياباً سوداء. انفرد الزوجان لمدة ساعة ونصف بعائلة الحريري في أحد صالونات قصر قريطم، في حين كان ممثل الرئيس الفرنسي، موريس غوردو مونتانيو، والسفير الفرنسي في لبنان، برنار إيمييه، ودبلوماسي آخر في غرفة الانتظار. ثم توجه شيراك إلى ساحة الشهداء لزيارة ضريح الحريري.

كانت قناعة شيراك قائمة، وقد عبّر عنها بعد أسبوع، في 21فبراير، أمام جورج بوش في بروكسل. لم يكن للاعتداء أن يقع لو لم ترتكبه أجهزة منظمة وخبيرة. من يعرف آلية عمل النظام العلوي الحاكم بدمشق لا يساوزه أدنى شك: لقد اتخذ القرار من قبل الرئيس الأسد شخصياً. أي فرضية أخرى لا معنى لها، هذا ما أكده الرئيس الفرنسي، رغم أن التحقيق لم يكن قد بدأ بعد. ومنذ ذلك الحين غدت الأولوية في ذهن جاك شيراك بخصوص التعامل مع دمشق هي التالية: لن تسلّم دمشق رقبتها إلا إذا أخفناها وألحقنا بها الأذى.

ظهرت تحليلات جاك شيراك حول ضعف النظام السوري خاطئة تماماً. لقد كانت تصريحاته وراء الكواليس تعكس تخوفه من النظام العلوي ورغبته بمنع بروز هلال شيعي في الشرق الأوسط، تماماً كما كان حال الرئيس الراحل رفيق الحريري. كيف وقع شيراك بهذا الخطأ الفادح؟ لقد كان تحت وطأة رغبته بالانتقام. إنّ حقده على الأسد أعمى بصيرته. وبالقدر الذي كان فيه صائباً في تقديراته حول العراق قبل ثلاث سنوات كان مخطئاً في حساباته حول سورية.

يقول دبلوماسي كان حينها مكلفاً بملفات المنطقة: كانت رؤية شيراك للشرق الأوسط غير منطقية. كانت تعتمد برمتها على رؤية لبنانية مشوّهة يقدمها الحريري ذو النفوذ الكبير على شيراك.

حقق جاك شيراك أولى انتصاراته في حربه الشعواء ضد بشار بعد شهر ونصف على اغتيال الحريري، فبعد سبعة وعشرين عاماً من الاحتلال، انسحبت القوات السورية من بلاد الأرز. وكان شيراك قد شدّد عند لقائه بجورج بوش في شباط على أنّه: من خلال إلحاق الهزيمة بهذا النظام في لبنان سنتمكن من الوصول إليه بشكل قاتل. هذه العملية بدأت. يجب أن يكون هدفنا تحرير لبنان من الهيمنة السورية، لأن سوريا تعيش من استغلالها لبنان عبر نظام فاسد يُدارُ من القمة. إنّ الأقلية العلوية تمثل آخر نظام ستاليني. لبنان هو نقطة ضعفها. ويضيف جاك شيراك لضيفه: سيكون القرار 1559 قاتلاً للنظام السوري.لكن، رغم انسحاب الجيش السوري من لبنان، لم يتزعزع النظام في سوريا.

غداة إعلان الأسد سحب قواته اتصل شيراك بجورج بوش هاتفياً. وظهر هوسه من العلويين مجدداً، إذ قال: في سوريا الغد ستأتي الديمقراطية بالسنة والمسيحيين إلى السلطة، مما سيدق مسماراً في الهلال الشيعي. لقي هذا الكلام صدى جيداً لدى بوش والمحافظين الجدد المحيطين به والمعادين بشدة للهلال المذكور ذكر بأن جاك شيراك، حاله حال رفيق الحريري، كان يخشى بروز محور شيعي يمتد من إيران إلى العراق مروراً بدمشق وحزب الله في لبنان. ويذكر هوبير فيدرين، وزير خارجية شيراك أيام التعايش بين اليمين واليسار في التسعينيات، أن الرئيس الفرنسي نصحه بعدم زيارة إيران عام 1998 واصفاً قادتها بأنهم كاذبون.

العلاقة بين بشار والإخوان المسلمين

جرى تقاطع مصادف في الواقع في بدايات الثورة، في المصالح بين نظام ركز قمعه على السلميين ليجد نفسه في النهاية في مواجهة إسلاميين خطرين من جهة، والإخوان المسلمين السوريين الأقوياء في الخارج الضعفاء في بلدهم من جهة ثانية المتشددون المناوئون لانتفاضة سلمية نظراً لضعف تمثيلهم في الداخل أخذوا يحضرون الساحة العسكرة التمرد، مقتنعين أن الغرب الذي أسقط القذافي في ليبيا سيذهب لمساعدتهم.

لقد وقع النظام في الفخ الذي كان قد نصبه. فبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003جعل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن من سوريا ممراً للجهاد في العراق، لكنه لم يعتبرها أرضاً للجهاد المقدس. لم تتوقع المخابرات السورية أن ينقلب عليها الكثير ممن كانوا يجتازون أراضيها للجهاد لثقتها بقواتها.

لم تكن المملكة العربية السعودية في بداية الربيع العربي تقود الحرب ضد بشار الأسد، إذ كانت منشغلة بمنع انتقال العدوى الثورية إلى شعبها، بل كان متزعم تلك الحرب حينها حليف بشار السابق، قطر، وذلك باعتماد الإخوان المسلمين الذين كانت الدوحة قد استخدمتهم في مصر وتونس وليبيا للإطاحة بأنظمة الحكم في تلك البلدان. وسارعت معتمدة على قيادة الإخوان المتواجدين خارج سوريا، لتشكيل مجلس انتقالي على غرار المجلس الذي كان قد أنشئ في ليبيا، وقد اعترف الغرب لاحقاً بذلك المجلس معتبراً إياه محاوره الوحيد في سوريا. لم تتسبب تلك المناورة بالكثير من المشاكل، خاصة وأن البلدان الغربية الرئيسية تعد نفسها حليفة لقطر، خاصة فرنسا التي أوكلت لشريكتها قطر جزءاً من الملف السوري، قبل أن تندم على ذلك.

انتهت الوحشية التي يقمع بها التظاهرات إلى إقناع باريس أن بشار الأسد لم يعد من الممكن استرجاعه. حان الوقت للتخلص منه علماً أن الخطأ الأول بالتحليل يكون بالاعتقاد أن هذا النظام الأقلي المبني حول الطائفة العلوية مستعد ليمحو نفسه أمام الغالبية السنية بعد أن قام بكل ما يجب ليستمر في السلطة لأكثر من 40 سنة. كتب أحد الكتاب وعن إدراك هذه الحقيقة منذ بداية أيلول عام ۲۰۱۱، بأن بشار الأسد باق في السلطة ولن يسقط بسرعة.

السوريون يعرفوننا جيداً أكثر مما نعرفهم. المسؤولون السوريون يعلمون أن جاك شيراك تم شراؤه من رفيق الحريري، ونيكولا ساركوزي من قطر. لكنهم ينظرون دائماً إلى فرنسا كبلد له دبلوماسية خاصة في الشرق الأوسط متمركزة بين الروسية والأمريكية. فرنسا دولة استطاعوا معها القيام طوال الوقت بصفقات تجارية كما رأينا، حتى في الفترات الأكثر توتراً وفي القطاعات الأكثر حساسية واستراتيجية.

إقرأ أيضا: لبنان عقدة العلاقات الفرنسية ـ السورية.. قراءة في كتاب

إقرأ أيضا: حافظ الأسد والإخوان.. جذور الصراع السوري في ضوء التدخل الفرنسي