الأديان الإبراهيمية والحوار بين الثقافات.. نقد التأويل الديني والتحولات المعاصرة

تُعرف الديانات الإبراهيمية بأنها مجموعة الديانات التوحيدية التي تنتسب رمزيًا وتاريخيًا إلى النبي إبراهيم، وتمثل أساسًا اليهودية والمسيحية والإسلام.
الكتاب: الأديان الإبراهيمية: قضايا الرّاهن
الكاتب: عز الدين عناية
الناشر: GLD للنشر، ط1 تونس 2023.
عدد الصفحات: 158 صفحة

الفصل الأول: الأديان الإبراهيمية ومفاهيم التعايش

تعريف الديانات الإبراهيمية


تُعرف الديانات الإبراهيمية بأنها مجموعة الديانات التوحيدية التي تنتسب رمزيًا وتاريخيًا إلى النبي إبراهيم، وتمثل أساسًا اليهودية والمسيحية والإسلام. تشترك هذه الديانات في الإيمان بإله واحد، وتستند إلى مرجعيات سردية وأخلاقية متقاطعة، وتشكل نصوصها المؤسسة التنظيمية والرمزية داخل الجماعات المؤمنة. ولا يلغي هذا الاشتراكُ التبايناتِ العقدية والفقهية والتاريخية، التي أسهمت في صياغة مسارات مختلفة لكل دين، وهو ما يجعل دراسة علاقاتها بالآخر معقدة ومتشابكة.

1 ـ السياق المعاصر والعوامل الجيوسياسية

تعود أهمية دراسة العلاقة بين هذه الديانات إلى التحولات الجيوسياسية المتسارعة، ولا سيما في الشرق الأوسط أين تداخل الهويات الدينية مع الصراعات السياسية والحدودية، وتسهم في إعادة رسم ملامح النقاش الديني والسياسي.  فسياسات بعض القوى الكبرى، وخصوصًا الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتهيئة الأوضاع لصالحها على حساب بقية الأطراف، أعادت تديين الصراع في المنطقة، وعززت خطابًا دينيًا مؤدلجًا. وساعدت هذه المعطيات على توظيف مفهوم الديانات الإبراهيمية في سياق سياسي تطبيعي، يعيد ترتيب التحالفات وتبرير اختلالات القوة في المنطقة، بعيدًا عن كونه إطارًا للتعايش.

2 ـ غياب أفق مشترك للتعايش

لم يتمكن أتباع هذه الديانات من بلورة أفق مشترك للتعايش والاحتضان المتبادل، رغم بعض المعالجات الجزئية التي ظهرت عبر التاريخ. فلم تتشكل خطة جامعة تقبل حضور أتباع الديانات الأخرى ضمن الفضاء الاجتماعي والديني قبولًا حقيقيًا، بعيدًا عن الإقصاء والأذى. ظل هذا الوضع قائمًا حتى الوقت الراهن، مما يجعل الديانات الثلاث أمام اختبارات تتجاوز طاقتها التأويلية التقليدية. فتعجز المدونات الفقهية واللاهوتية الكلاسيكية على احتواء التحولات العميقة، خاصة في ظل الحاجة إلى ضمان الأمن والكرامة للمجتمعات الدينية المهاجرة في أوروبا.

3 ـ الإسلام الأوروبي والاندماج

برزت ظاهرة الإسلام المهاجر في أوروبا، وارتبطت بمفارقة صارخة. فهو يبحث عن الأمان. فلا يجده داخل الفضاء الديني نفسه. ويضطر إلى الاحتماء بالدولة المدنية وقوانينها العلمانية. وهذا ما يعكس التحديات التاريخية والاجتماعية القائمة. وهذا ما جعل بعض علماء الاجتماع يحذرون من كون الفضاء الديني الغربي بات يخضع لمنطق احتكاري تسيطر فيه جهة محددة على شروط الحضور وحدوده، بما يخدم مصالحها الخاصة. فتنظر إلى الدين المهاجر باعتباره خصما أو تهديدا محتملا. وهذا ما يجعل دعاة الحوار بين الديانات أمام سؤال جوهري: هل يمكن للأمة الإبراهيمية تجاوز منطق الإقصاء والصراع، وإقامة تراث جامع قادر على التعايش؟

4 ـ شروط التعايش

يفتقر مفهوم "الأديان الإبراهيمية" إلى دلالة إجرائية واضحة، رغم القواسم المشتركة بين اليهودية والمسيحية والإسلام على المستويات العقدية والرمزية والتاريخية. يكمن الإشكال الحقيقي في صيغ التعايش والشراكة داخل الأوطان، بحيث لا يغدو حضور دين عاملًا لطرد أو الآخرين إقصائهم. ويؤكد الباحث عز الدين عناية أنه لا يسعى عبر هذا الطرح إلى المقارنة بين الأديان أو تصنيف أيها أكثر رحابة صدر، وإنما يركز على جدلية اجتماعية مركبة تتداخل فيها العوامل التاريخية والسياسية والثقافية، وتتحدد نتائجها خارج الأحكام المسبقة والتصنيفات الجاهزة.

5 ـ علاقة الإسلام بالآخر

تتسم العلاقة بين الإسلام وأتباع الديانات الإبراهيمية الأخرى تاريخيا بالتقلب، مع تباين الواقع الاجتماعي بين الجماعات والثقافات. فاليوم، على سبيل المثال، يتراجع الحضور اليهودي في العالم العربي والإسلامي ويكاد يقتصر على آلاف قليلة في المغرب وتونس خاصّة، وذلك نتيجة لقضايا الشرق الأوسط وانعكاس الصراع على مواقعهم الاجتماعية والثقافية.

واجه المسلمون في أوروبا صعوبات في التمثيل الديني الرسمي. ويمثل جامع روما الأكبر مركزًا دينيًا مهمًا، إلا أن تسييره يتسم بالتعقيد. فهو يستورد الأئمة والفقهاء من الدول العربية، ويتشكل مجلسه من سفراء الدول الإسلامية، ما يجعلهم غير ممثلين فعليًا لمصالح المسلمين المحليين. نتيجة لذلك، ينأى كثير من المهاجرين عن المجلس والجامع، ويلجؤون إلى مصليات محلية بديلة، بينما يظل الوعي المشترك بين رسالتي عيسى ومحمد محدودًا. فتسدّ التشريعات العلمانية في إيطاليا هذا الفراغ. وتوفر منبراً أرحب لضمان الهوية الإسلامية وحمايتها، بعكس دور الكنيسة الذي يقيّد اندماج المسلمين الكامل في المجتمع.
يطرح الباحث سؤالًا جوهريًا: كيف صوّر العقل المسلم الآخر، وما هي المحددات المعرفية والثقافية التي تشكلت على أساسها صورة هذا الآخر في الفكر الإسلامي؟ تشير المعطيات إلى أن تعامل المسلمين مع الآخر، إلى جانب الانغلاق اللاهوتي في المسيحية، اعتمد ترتيبات للحكم تكفل حقوق الأفراد والجماعات. رغم بعض الممارسات التمييزية، كانت الضوابط غالبًا رمزية أكثر من كونها عملية، شأن عدم السماح لبناءاتهم السكنية أو العبادية بأن تعلو بناءات المسلمين. ويمكن بالتالي اختزال التمييز على الذميين في العبء المالي. وليس هذا الأجراء وفق الباحث، من جوهر الدين الإسلامي ذاته. فقد استوردته الدول الناشئة وقتها من إمبراطوريات سابقة، مثل فارس وبيزنطة.

6 ـ الانغلاق الإبراهيمي

يمثل الانغلاق في السياق الإبراهيمي تحديًا واضحًا. في اليهودية، تسود رؤية استبعادية تخرج بني إسماعيل من رمزية ميراث إبراهيم، ما يضعهم في موقع النفي الرمزي. أما المسيحية التقليدية فتميل إلى إدراج الإسلام ضمن نطاق الهرطقة، دون اعتراف به بصفته امتدادا طبيعيا للديانات الإبراهيمية. بالمقابل، يبدو الإسلام أكثر انفتاحًا وانخراطًا في التجربة التاريخية، وهذا ما يخوّل له أن يتكيف مع تحولات التاريخ والمجتمع.

ويبدو اللاهوت المسيحي المعاصر واعيا بهذا الإشكال. وقد حاول بالفعل معالجة بعض جوانب الانغلاق، عبر لاهوت الأديان، الذي يسعى إلى توسيع صدر المسيحية نحو الآخر والاعتراف بشرعيته، لكن الانفتاح يظل متأرجحًا بسبب تمركز الغرب الحضاري، الناتج عن سيطرة مادية ومعنوية طويلة.

7 ـ الوجود المسلم في أوروبا

كان الغرب يتوقع أن يذوب المهاجرون في الثقافة الغربية، ويتلاشى تأثيرهم. وقد تحقق ذلك بالفعل جزئيًا، فانصهرت بعض الأجيال اللاحقة من المهاجرين المسلمين في المجتمع المضيف، متأثرة بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية للجيل الأول. مع ذلك، بقي حضور المسلمين ظاهرة لافتة، إذ بلغ عددهم في أوروبا نحو 43 مليون نسمة عام 2010، ومن المتوقع أن يصل إلى نحو عشرة بالمئة من السكان، وفي حال انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، قد يتجاوز عددهم 110 ملايين نسمة، أي ربع سكان القارة.

لقد أدى توتر سياسات الهجرة إلى ظهور نوع من الإسلام الاحتجاجي، أو ما يمكن تسميته "إسلام الآخر الغربي"، الذي يحافظ على البعد الإيماني داخل الثقافة الغربية ويظهره بما يتوافق مع التصورات السائدة.

8 ـ التمثيل الديني الرسمي

واجه المسلمون في أوروبا صعوبات في التمثيل الديني الرسمي. ويمثل جامع روما الأكبر مركزًا دينيًا مهمًا، إلا أن تسييره يتسم بالتعقيد. فهو يستورد الأئمة والفقهاء من الدول العربية، ويتشكل مجلسه من سفراء الدول الإسلامية، ما يجعلهم غير ممثلين فعليًا لمصالح المسلمين المحليين. نتيجة لذلك، ينأى كثير من المهاجرين عن المجلس والجامع، ويلجؤون إلى مصليات محلية بديلة، بينما يظل الوعي المشترك بين رسالتي عيسى ومحمد محدودًا. فتسدّ التشريعات العلمانية في إيطاليا هذا الفراغ. وتوفر منبراً أرحب لضمان الهوية الإسلامية وحمايتها، بعكس دور الكنيسة الذي يقيّد اندماج المسلمين الكامل في المجتمع.

والمفارقة هنا أنّ هذه الديانات لا تفعّل القيم المشتركة بينها لتكون أكثر تقاربا. فهي تتقاطع في قيم أساسية، أبرزها الإيمان بخدمة الإنسان وحماية البيئة. يرتبط الإيمان بالعمل الصالح والإحسان، ويقترن بالخير لذاته ضمن إطار اجتماعي يسعى إلى المنفعة العامة. يُنظر إلى العمل الصالح باعتباره فعلاً نبيلاً يعكس القيم الإنسانية العليا. تشمل الأولويات البيئية حماية الأرض والموارد، وحفظ الإنسان والكوكب من المخاطر المعاصرة.

9 ـ نقد هامس كونغ للكاثوليكية

يمثل هامس كونغ صوت النقد الجذري للمؤسسة الدينية الكاثوليكية. يعد عمله دراسة متعمقة للكاثوليكية ونقدًا للجانب التقليدي المحافظ، من أجل تعزيز الحرية في الكنيسة واللاهوت والحياة الشخصية. حافظ كونغ على أفكاره النقدية رغم العزلة التي تعرّض لها، مؤكّدًا أن الكنيسة تستمد مشروعيتها من احتكار «وراثة السر الإلهي»، وهو ما يميز اللاهوت المحافظ المرتاب، وأنها باتت تفتقد للمعنى، بسبب انغماسها في رموز وأعراف اجتماعية مثل دونية المرأة، وعزوبية الإكليروس، وعصمة البابا، التي نشأت في القرون الوسطى ولا تزال سائدة. ورغم تبجح المؤسسة بالانفتاح على العلمانية، ظلت خصومتها مع المجتمع المدني واضحة. فهي لا تصادق على حقوق الإنسان الأوروبية، وتبقى فصول القانون الكنسي متأثرة بالقرون الوسطى. لذلك تراجع أعداد الرهبان والراهبات وانعكس على حضور الكنيسة في حياة الناس.

دعا كونغ بالمقابل إلى الابتعاد عن قيود القرون الوسطى، والانفتاح على قضايا الحاضر، مشيرا إلى ضرورة تجاوز الطابع البطريركي الذكوري، وجعل المرأة عنصرًا فاعلًا، وإلغاء أشكال الحرمان ضد المخالفين. أكد أن الكنيسة يجب أن تتجاوز الطابع الأوروبي الضيق لتكتسب طابعًا كونيًا.

10 ـ موقف كونغ من الإسلام

ينفتح كونغ على الحوار مع الأديان الأخرى، خاصة اليهودية والإسلام، متجاوزًا الرؤى المسيحية التقليدية الجامدة. فيتساءل: كيف يمكن للكنيسة أن تدعي الحوار مع الإسلام إذا لم تعترف بنبوة محمد؟ ويطالب باعتراف الإسلام بصفته دينا عالميا يشمل أكثر من مليار ومئتي مليون مؤمن، داعيًا إلى تجاوز الخطاب الكسول والانفتاح على قراءة جادة لمظاهر ضعف الإسلام وتحدياته وبناء حوار حقيقي يحافظ على الاحترام المتبادل ويعيد لم شمل العائلة الدينية المتنوعة. ويعيب على المسيحية الأوروبية أنها تبدو متسامحة مع أديان شعوب آسيا مثل الصين والهند، بينما تبدي عداوة للإسلام الذي يشترك معهم في الأرض والتاريخ والسياسة والقيم. ويبرر ذلك بنزعة المسيحية النفعية لا للقيم التي تؤمن بها. فهي تنظر إلى الإسلام باعتباره تهديدا محتملا. فبعض المفكرين والسياسيين الغربيين، مثل هنتنغتون، يصورون الإسلام باعتباره "حدودًا ملطخة بالدماء".

من منطلق هذه النزعة النفعية تعتبر المسيحية الإسلام عدواً. وتصفه بكونه شموليا يولّد التعصب والهستيريا، ويضطهد الأقليات، ويسعى إلى الغزو. وهذا الادعاء مهم لوحدة الخلف الأطلسي اليوم. فهو يصهر التكتلات والتحالفات الغربية في كلّ متضامن ضد هذا العدو المشترك.

يوضح كونغ أن هذه الصورة التاريخية للإسلام لم تعد صالحة، رغم أنّ التجديد الديني في العالم الإسلامي لم يواكب التجديد الثقافي والفني، بفعل دفع بعض الحكومات العربية للشكل التقليدي للإسلام لكونه يخدم مصالحها ويحافظ على إمساكها بزمام السلطة.

وفي تقديره ستتواصل هجرة الشباب الذين يمثلون نسبة كبيرة من عدد السكان، إلى أوروبا بأعداد كبيرة وستكون عاملًا مؤثرًا في ضبط طبيعة العلاقة بين المسيحية والإسلام في المجتمعات الأوروبية. وعندها يطرح التساؤل: كيف ستكون علاقتهم بدينهم هناك، وما الصلات التي ستكون لهم بالمسيحية خاصّة. فيقرّ بعجزه عن الاستشراف ليرى ما سيكون عليه المستقبل. فهوية هذه الفئة الفكرية لم تتشكل بعد.

بول تليش والدعوة إلى تجديد اللاهوت

يحظى بول تليش بمكانة بارزة في تاريخ الفكر اللاهوتي المسيحي الحديث، ويمثّل لحظة متوترة من الانفتاح على التحولات الاجتماعية والثقافية والتاريخية. ومردّ ذلك إلى طرحه لتساؤلات حول علاقة اللاهوت بالثقافة والمجتمع، وسعيه إلى إعادة تشكيل نسق الحقائق الوجودية بطريقة تراعي الجماعة البشرية، لتصبح أكثر منطقية وواقعية، مع الحفاظ على جوهر الرسالة الدينية.

ومن هذا المنطلق ينقد البعد الطقوسي الجامد للدين. ويخرص على أن تنخرط المسيحية الانخراط الواعي في قضايا العصر، وأن يتساكن جوهرها مع منطق التطوّر. فيعاد بعثه داخل الحقل الثقافي، بعد مراجعة المفاهيم القديمة وإفراغها من الجمود.

وما يميّز تليش رفضه اقتصار الدين على الفعل الطقوسي والشعائري، الذي يقسم العالم إلى عالم القيصر وعالم الله، فاصلا بين الدين والحياة اليومية. ويريد له أن يكون عنصرا فاعلا داخل الثقافة، بعيدًا عن العلمنة الجامدة التي أخرجته عن التجربة الإنسانية. فيصبح بذلك عنصرًا حيًا يضيف للبشرية بدل أن يكون ممارسة جامدة تؤدي إلى التدين الزائف.