اجتثاث "حماس".. قراءة في دراسة إسرائيلية عن آليات التغيير الشامل للقطاع

ما تناولته هذه الدراسة هو محاولة ليس لاحتلال الأرض فقط، وإنما أيضا احتلال العقل والوعي والشعور، وتزييف الواقع والتاريخ الفلسطيني.
تعد استراتيجيات اليوم التالي لحرب غزة من الأمور التي تؤرق صانعي السياسات في إسرائيل والغرب ومن يدعمهم في الإقليم. فقد مثل الصمود المذهل للقطاع كابوسًا يجثم على صدر العدو وداعميه. ذلك، على الرغم من الحصار الخانق المفروض على غزة منذ 2007، والحملات العسكرية الإسرائيلية المتكررة على القطاع، وكم التضحيات التي قدمها الغزيون دون أن تُكسر لهم إرادة أو تلن لهم قناة.

وقد طرحت العديد من الرؤى والتصورات لكيفية تدجين غزة والقضاء على أي نفس للمقاومة فيها في الحاضر والمستقبل. ومن بين هذه الرؤى، الدراسة التي بين أيدينا اليوم، والتي أعدها عوفير جوترمان وتارا فيلدمان، الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي INSS التابع لجامعة تل أبيب، والمنشورة على موقع المعهد في فبراير شباط الماضي.

موجز الدراسة

برز قطاع غزة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، كواحد من أكثر ساحات العالم تعقيدًا فيما يتعلق بالتطرف السياسي والديني لسكانه، والذي تشكل بدءًا من خمسينيات القرن الماضي، مرورًا بعقود من السيطرة الإسرائيلية على غزة، وصولًا إلى سيطرة حماس على القطاع عام ٢٠٠٧. وقد أدت هذه الديناميكيات مجتمعة إلى خلق بيئة قومية دينية متطرفة، تتغلغل في جميع مناحي الحياة، وتؤثر بشكل عميق على الوعي العام في غزة.

لا يمكن فهم المجتمع الغزي دون الرجوع إلى التعرض المطول للصدمات والنزوح والعزلة الهيكلية. فغالبية سكان القطاع، نحو ثلاثة أرباعهم، لاجئون أو من نسل لاجئين نشأوا في ظل ظروف الاكتظاظ والتبعية الاقتصادية ومحدودية الحركة. لذلك، يُعدّ التطرف في غزة نتاجًا لصراع إسرائيلي فلسطيني طويل الأمد، وتجارب التهجير والاحتلال، وعقود من الإقصاء السياسي، والتدهور الاقتصادي، وتآكل المؤسسات.
وقد أدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في ٧ أكتوبر تشرين الأول، إلى تدمير شبه كامل للبنية التحتية المدنية، وسقوط عشرات آلاف الضحايا، وتشريد مئات الآلاف من السكان. وإلى جانب الإحباط العميق والرغبة في الانتقام التي يشعر بها سكان غزة في أعقاب الحرب، فإن هذا الواقع يُبرز التساؤل حول كيفية إعادة بناء نظام مدني وسياسي جديد يفصل المجتمع الغزي عن أيديولوجية حماس، أو ما يُعرف بنزع حماس من القطاع غزة، وذلك وفق الدروس المستفادة من التجارب الدولية والإقليمية، ومقارنتها بالواقع المحلي على الأرض.

وتكمن مساهمة هذه الدراسة في جانبين:

1 ـ الربط بين النماذج الغربية لمكافحة التطرف، التي تستند في معظمها إلى نماذج إعادة بناء الدولة بعد الحرب العالمية الثانية، والنماذج العربية المعاصرة التي تعكس التجربة المعيشية في مواجهة الحركات الإسلامية والجهادية.

2 ـ تقدم لصناع السياسات إطارًا مفاهيميًا وخطة عمل لمواجهة تحديات ما بعد الحرب في غزة، وهي تحديات تتطلب تكامل آليات الأمن، ورؤية سياسية، وإعادة إعمار مدنية، وشرعية دينية، وعمليات إعادة تأهيل نفسي واجتماعي واقتصادي، وقيادة إقليمية منسقة.

لماذا أصبحت غزة بركان مقاومة لا يخمد؟

لا يمكن فهم المجتمع الغزي دون الرجوع إلى التعرض المطول للصدمات والنزوح والعزلة الهيكلية. فغالبية سكان القطاع، نحو ثلاثة أرباعهم، لاجئون أو من نسل لاجئين نشأوا في ظل ظروف الاكتظاظ والتبعية الاقتصادية ومحدودية الحركة. لذلك، يُعدّ التطرف في غزة نتاجًا لصراع إسرائيلي فلسطيني طويل الأمد، وتجارب التهجير والاحتلال، وعقود من الإقصاء السياسي، والتدهور الاقتصادي، وتآكل المؤسسات.

ومن خلال هندسة اجتماعية مُوجّهة، نُفّذت عبر الأنظمة الخاضعة لسيطرتها، رسّخت حماس أيديولوجيتها، وشكّلت الوعي العام حول سردية المقاومة والمواجهة، والتي أصبحت أمرًا طبيعيًا ومتجذرًا في النسيج الاجتماعي لغزة. والنتيجة أنه بعد ما يقرب من عقدين من حكم حماس، لم يعد فكر المقاومة محصورًا في النخب السياسية أو الشبكات المسلحة، بل بات حاضرًا في المدارس والحياة الدينية والإعلام، وفي البنية الاجتماعية اليومية لمجتمع القطاع.

إزالة الحماسة عن غزة

في ظل الظروف الفريدة لقطاع غزة ـ كجزء من كيان سياسي فلسطيني لا يزال غارقًا في صراع حاد ذي أبعاد دينية وعرقية ـ لا يمكن تجاهل الحاجة إلى الحفاظ على مساحة للعمل السياسي والنضال السياسي، حتى في سياق مكافحة التطرف. وبناءً على ذلك، تتبنى الدراسة تعريف مكافحة التطرف على أنها عملية يتخلى من خلالها الأفراد والمجتمعات عن المعتقدات والأيديولوجيات المتطرفة التي تبرر العنف، وتشمل هذه العملية انفصالًا معرفيًا وعاطفيًا عن الرؤى العالمية المتطرفة، واعتماد مناهج غير عنيفة لتحقيق الأهداف السياسية والأيديولوجية.

وتتجنب هذه الدراسة عمداً استخدام مصطلح "نزع التطرف" العام، وتعتمد بدلاً منه مصطلح "إزالة الحماسة" للتأكيد على الطبيعة الفريدة للتحدي في غزة. ولذلك، فإن المهمة المطروحة تتمثل في تفكيك نظام إسلامي متطرف راسخ، وتقويض شرعيته الاجتماعية، دون إنكار التطلعات الوطنية المشروعة للفلسطينيين أو حقهم في السعي وراءها عبر الكفاح السلمي. وإن رفض الحق في العمل السياسي الوطني السلمي من شأنه أن يجعل جهود نزع التطرف نفسها غير شرعية وتفتقر إلى المصداقية.

ديناميكيات الدفع والجذب في مكافحة حماس

لكي تنجح عمليات اجتثاث حماس، فإن النظريات والرؤي السياسية والاجتماعية لمكافحة التطرف تميز بين عوامل الدفع وعوامل الجذب:

1 ـ عوامل الدفع: هي تجارب سلبية تقوض الالتزام بالتطرف، مثل الفساد والقمع والتناقضات الأيديولوجية والتشرذم الداخلي. وتولد هذه العوامل خيبة أمل وإحباطًا تجاه المنظمات المتطرفة. وفي سياق غزة، قد تشكل الهزيمة العسكرية لحماس، وما ألحقته من دمار وخراب بالقطاع وسكانه، عامل دفع قويًا، مما يهدم صورة الحركة عن الفعالية ووعدها بالنجاح في نظر العامة.

2 ـ عوامل الجذب: هي بدائل تقدم الأمل والشعور بالانتماء إلى أيديولوجيات إيجابية ومصادر هوية، مثل التعليم المُصلح، والتفسير الديني المعتدل، والاندماج السياسي، والهوية المدنية المشتركة. في سياق غزة، يُشكّل إرساء أفق سياسي واقتصادي موثوق ـ من خلال عملية سياسية وإعادة إعمار مدنية - عامل جذب أساسي.

ومن الضروري دمج عوامل الدفع والجذب، فالاعتماد على جهود الدفع وحدها - أي إجبار الأفراد على الخروج من إطار التطرف دون بديل موثوق - قد يؤدي إلى اليأس أو اللامبالاة. أما تقديم عوامل جذب نحو بدائل سياسية وأيديولوجية أكثر اعتدالًا سيبدو غير مقنع طالما احتفظت حماس بسلطتها. ومن خلال نظرية مكافحة التطرف ودراسات الحالة التاريخية التي تستند إليها، تبرز عدة رؤى رئيسية:

ـ الوقاية أقل تكلفة من التدخل، والتدخل أقل تكلفة من إعادة التأهيل.

ـ احترام القيم المحلية: يجب أن تتناغم الرسائل مع الثقافة والهوية المحلية بدلاً من الاعتماد على قيم مجردة تُعتبر غريبة.

ـ شراكة القيادة المحلية: تُظهر التجارب الدولية أنه بدون تعاون من داخل المجتمع المحلي، وبوجود قادة وشخصيات محلية مؤثرة وذات مصداقية، فمن غير المرجح أن تنجح هذه العمليات.

ـ التعددية المؤسسية: يُعدّ تنوّع المدارس والمؤسسات الدينية ومقدّمي الرعاية الاجتماعية أمرًا بالغ الأهمية، شريطة وجود رقابة فعّالة لضمان نقلها لروايات مناسبة وعدم تأثرها بالخطابات المتطرفة.

ـ القياس: ينبغي للبرامج تتبّع التغييرات في المواقف، والتنويع المؤسسي، وانخفاض معدلات العودة إلى النشاط المتطرف. ويُمكّن الرصد متعدد المصادر من الحصول على صورة أوضح وتصحيح المسار.

ـ التحالفات: يتطلّب النجاح تنسيقًا بين جهات المجتمع المدني، والصحة النفسية، والتكنولوجيا، والأمن. يُؤدّي تشتّت الجهود إلى ثغرات يُمكن للمتطرفين استغلالها.

غزة.. من التطرف إلى نزع التطرف

يمثل قطاع غزة ساحةً للتطرف العميق والواسع النطاق، والذي تطور على مدى عقود عديدة، مدفوعًا بعوامل هيكلية كامنة. وشهد تكثيفًا كبيرًا له في ظل حكم حماس. ولا ينبغي النظر إلى نزعة التطرف في قطاع غزة على أنه محاولة لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب، بل كهدف لإعادة هندسة مؤسسية وثقافية شاملة لكامل جوانب الحياة في هذه المنطقة. ويجب النظر إلى هذا في ضوء الوضع الكارثي الذي يعيشه القطاع في أعقاب الحرب: عدد غير مسبوق من الضحايا، ودمار شبه كامل للبنية التحتية، ونزوح جماعي، وصدمة جماعية واسعة النطاق. ويشكل هذا نقطة انطلاق بالغة الصعوبة لإعادة البناء الاجتماعي، وربما يقترب من حدود الممكن.

يُوفّر النموذج الغربي لمكافحة التطرف أساسًا مهمًا من المعرفة والرؤى فيما يتعلق بمبادئ العمل الأساسية: هزيمة الخصم لتمكين استبدال بنيته المؤسسية والأيديولوجية؛ والشروع في إعادة بناء واسعة النطاق على المستويين الاقتصادي والمؤسسي؛ وتنفيذ إصلاحات في جميع أنظمة الحكم والحياة الاجتماعية، بما في ذلك التعليم والدين والإعلام؛ وتعزيز إطار تشريعي لمكافحة التطرف وتعزيز الثقة في سيادة القانون.
ومع ذلك، من منظور آخر، وفي محاولة لتحديد بصيص أمل محتمل في هذا الواقع، يمكن فهم حجم الدمار أيضًا على أنه فرصة نادرة لإحداث تغيير جذري. تُظهر الكارثة بوضوح للجمهور تكاليف مشروع "المقاومة" واحتكار حماس للسلطة، وقد تُولّد انفتاحًا على بديل سياسي وأيديولوجي أكثر اعتدالًا، شريطة أن يُقدّم هذا البديل بمصداقية، وبشكل متسق، وبدعم عربي ودولي.

النموذج الغربي لمكافحة التطرف

يُوفّر النموذج الغربي لمكافحة التطرف أساسًا مهمًا من المعرفة والرؤى فيما يتعلق بمبادئ العمل الأساسية: هزيمة الخصم لتمكين استبدال بنيته المؤسسية والأيديولوجية؛ والشروع في إعادة بناء واسعة النطاق على المستويين الاقتصادي والمؤسسي؛ وتنفيذ إصلاحات في جميع أنظمة الحكم والحياة الاجتماعية، بما في ذلك التعليم والدين والإعلام؛ وتعزيز إطار تشريعي لمكافحة التطرف وتعزيز الثقة في سيادة القانون.

لكن هذا النموذج محدود التطبيق على المجتمعات العربية والإسلامية، كما يتضح من إخفاقاته في أفغانستان والعراق. وعليه، يُنصح في سياق غزة بترجمة المبادئ الأساسية لمكافحة التطرف: الأمن، إعادة الإعمار، الإصلاح، الخطاب، وذلك من منظور ثقافي وديني محلي، وتحت قيادة فلسطينية وعربية ذات مصداقية. وهنا تبرز أهمية النماذج العربية لمكافحة التطرف.

النموذج العربي لمكافحة التطرف

من خلال التحليل المقارن لدراسات الحالة المختلفة في الدول العربية، تبرز ثلاثة نماذج، اثنان منها مناسبان لقطاع غزة. الأول هو النموذج المصري والتونسي: احتواء تقييدي يعتمد أساسًا على التدابير الأمنية والثاني نموذج الإمارات والسعودية: التحول الاجتماعي الشامل. أما الثالث، فهو نموذج المغرب والأردن، وهو نموذج ملكي ديني يستند إلى السلطة الدينية للسلالة الحاكمة المستمدة من نسبها التاريخي إلى النبي محمد، ولذا فهو نموذج أقل ملاءمة للحالة الفلسطينية.

أي النموذجين تراه الدراسة يصلح لغزة؟

وفي كلا النموذجين الغربي والعربي، تتشابه العديد من مسارات العمل، وإن اختلفت طرق تنفيذها: استخدام تدابير أمنية وإنفاذية قسرية ومراقبة؛ وترسيخ خطاب وطني يُعلي من شأن هوية الدولة وقانونها فوق جميع الهويات والأطر المعيارية الأخرى؛ والترويج لشكل من أشكال "الشرعية الرسمية" يُصاغ تحت مسمى "الإسلام المعتدل" أو "الإسلام الصحيح" كبديل للإسلام المتطرف، الذي يُصوَّر على أنه انحراف عن الحقيقة الدينية؛ وتشكيل الوعي العام في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، بهدف تقويض الخطاب المتطرف وترسيخ الخطاب الذي يفضله النظام.

يتميز نموذج الاحتواء بسهولة تطبيقه، لا سيما في ظل ضعف الحوكمة، مما يجعله ظاهريًا جذابًا للتطبيق في الظروف الإشكالية لقطاع غزة. إلا أن عيبه يكمن في سطحية التغيير الذي يقدمه ومحدودية تأثيره. أما النموذج التوسعي، فيُعدّ جذابًا لما يعد به من إعادة تشكيل جذرية للمجتمع، وهو أمرٌ تشتد الحاجة إليه في سياق غزة. إلا أن قصور هذا النموذج يكمن في متطلباته العالية للتنفيذ، والتي تشمل الرؤية والقيادة والحوكمة الرشيدة والمستمرة، والقدرة على التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ على المدى الطويل.

في ظل المعضلة القائمة بين البديلين، يُفضّل في سياق غزة تحديداً السعي لتطبيق النموذج الخليجي بقيادة الإمارات لنهجها الاستباقي عموماً، ، مقارنةً بالسعودية، لا سيما بالنظر إلى اختلاف طبيعة علاقات كل منهما مع إسرائيل. وفي حال عدم توفر القدرة أو الرغبة في تلبية متطلبات هذا النموذج، يمكن اتباع نسخة وسيطة، تستند إلى النموذج الأضيق نطاقاً بقيادة مصر، مع دمج عناصر أعمق من النموذج الخليجي تدريجياً. وعلى أي حال، يُوصى بدمج كل من الإمارات ومصر كفاعلين رئيسيين في عملية مكافحة التطرف في قطاع غزة.

هل للسلطة الفلسطينية دور في المشهد؟

السلطة الفلسطينية كركيزة غير كافية ولكنها ضرورية: فالقاعدة المؤسسية للسلطة الفلسطينية بعيدة كل البعد عن الكفاية، والقدرات الوظيفية الحالية للسلطة وقيادتها لا ترقى إلى مستوى المطلوب لتوفير القدرة على التنفيذ والشرعية العامة اللازمتين لتدابير مكافحة التطرف. ومع ذلك، فمن منظور المجتمع الفلسطيني، تُوفر السلطة الفلسطينية "ركيزة" وطنية لا يُمكن استبدالها إلا بحماس. وفي الوقت نفسه، لا يوجد بديل حقيقي للسلطة الفلسطينية من وجهة نظر الدول العربية التي تُعدّ حيوية لتعزيز مكافحة التطرف داخل المجتمع الفلسطيني، وكذلك من وجهة نظر المجتمع الدولي كمصدر محتمل للدعم المالي لهذه الجهود.

آليات اجتثاث حماس

تقول الدراسة: يتطلب اجتثاث حماس من قطاع غزة ما هو أكثر بكثير من مجرد تفكيكها. إذ تُمثل غزة تحديًا فريدًا: فهي أرض متنازع عليها، تخضع جزئيًا للسيطرة الإسرائيلية وجزئيًا لسيطرة حماس، ويُراد نقلها إلى سلطة حكم بديلة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، بموجب نظام وصاية دولية "مجلس السلام".

وفي هذا السياق، من الضروري إعادة بناء مؤسسات الحكم وتحصينها ضد أي سيطرة حمساوية متجددة، وإعادة تأهيل البنية التحتية المدنية، وطرح خطاب معتدل مقنع وموثوق كبديل لخطاب حماس. ويُبرز حجم التحدي ضرورة ترسيخ عمليات مكافحة التطرف في دور الفاعلين الفلسطينيين الداخليين، انطلاقاً من سلطة فلسطينية مُعاد تأهيلها، ومن قيادات محلية وشخصيات مؤثرة في قطاع غزة، إلى جانب مشاركة فعّالة من الدول العربية لتوفير الموارد والخبرات المهنية والدعم السياسي. وينبغي تنفيذ هذه العمليات تدريجياً، في المناطق التي تم تطهيرها من سيطرة حماس، وتوسيع نطاقها بمرور الوقت مع بدء ترسيخها، بالتوازي مع الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار الأمني وإعادة إعمار القطاع. وهناك عدة رؤى وآليات أساسية حول الشروط اللازمة للنهوض بعملية نزع حماس:

1 ـ نزع التطرف عنصر أساسي في هزيمة حماس: نزع التطرف ليس مرحلة لاحقة لهزيمة لحماس أو نزع سلاحها، خاصةً في ظل عدم اليقين بشأن فرص نجاح هذه العمليات. ذلك أن القدرة على إضعاف حماس استراتيجياً تعتمد على تقديم بديل معتدل في الحكم والأيديولوجيا. وفي غياب هذا البديل، سيظل الخيار لدى للفلسطينيين هو نموذج المقاومة المسلحة، مع حماس كممثل له.

يتطلب اجتثاث حماس من قطاع غزة ما هو أكثر بكثير من مجرد تفكيكها. إذ تُمثل غزة تحديًا فريدًا: فهي أرض متنازع عليها، تخضع جزئيًا للسيطرة الإسرائيلية وجزئيًا لسيطرة حماس، ويُراد نقلها إلى سلطة حكم بديلة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة"، بموجب نظام وصاية دولية "مجلس السلام".
2 ـ القمع الأمني المستمر لحماس تحت مسؤولية أمنية إسرائيلية شاملة: يُعدّ القمع الأمني والعسكري لحماس وغيرها من التنظيمات المتطرفة في القطاع شرطًا أساسيًا لنجاح عمليات مكافحة التطرف، كما يُشكّل في الوقت نفسه ضمانة أمنية في حال فشل جهود مكافحة التطرف وتحقيق الاستقرار المدني في غزة.

3 ـ إعادة الإعمار المدني السريع ودمجه في سردية تحويلية: تصر إسرائيل على ربط إعادة الإعمار بإتمام عملية التجريد من السلاح؛ إلا أن التأخيرات المطولة ستقوض فرص مكافحة التطرف. وبدون إعادة بناء البنية التحتية وتوفير فرص العمل، إلى جانب الدعم النفسي والاجتماعي والحوافز المتدرجة، ستتلاشى أي إنجازات بسرعة. وينبغي النظر في تنفيذ إعادة الإعمار فقط في المناطق التي تم تجريدها من السلاح وإخراجها من سيطرة حماس.

4 ـ أفق سياسي موثوق: يُعدّ إرساء أفقٍ للتقدم التدريجي نحو تسوية سياسية، واستقلال فلسطيني حتى وإن كان محدودًا بسبب متطلبات الأمن الإسرائيلي - أمرًا بالغ الأهمية لنجاح عملية اجتثاث حماس من المجتمع الفلسطيني؛ وإلا سيستمر النظر إلى خطاب المقاومة المسلحة على أنه مشروع، لعدم وجود بديل سياسي آخر قابل للتطبيق. علاوة على ذلك، فإنه لا يمكن تطبيق النماذج العربية لمكافحة التطرف على الحالة الفلسطينية دون وجود بديل سياسي فكري وطني موثوق ومستدام.

5 ـ إشراك الدول العربية: النموذج العربي لمكافحة التطرف الغربي، لا الغربي، هو الأكثر ملائمة لحالة القطاع. لذا، لا بد من مشاركةً عميقة، بل وقيادةً عملية، من جانب الدول العربية. وتشترط هذه الدول أي مشاركة في إعادة إعمار غزة مادياً واجتماعياً بتقديم إسرائيل تنازلات سياسية في الساحة الفلسطينية، والتي تُعدّ أساسيةً لعملية مكافحة التطرف، حتى وإن لم تشارك فيها الدول العربية.

6 ـ قبول مبدأ "التسامح السلطوي": يُروّج النهج العربي لمكافحة التطرف، ولا سيما في نسخته الخليجية الواسعة، لروح التسامح الديني واللاعنف السياسي، ولكنه يفعل ذلك من خلال وسائل مركزية وقسرية. لذا، يتطلب تطبيق النموذج العربي قبولاً للافتراضات السلطوية التي يقوم عليها.

7 ـ العمل المنسق على كافة المستويات:  يجب أن تعمل البرامج بتنسيق تام على المستوى الفردي: علاج الصدمات وإعادة التأهيل والإرشاد، وعلى مستوى المجتمع: المراكز المجتمعية والأسر والقبائل والمساجد. ويشمل ذلك أيضا الإصلاحات المؤسسية: التعليم والدين والقضاء والرعاية الاجتماعية والإعلام. فالفجوات بين هذه المستويات تعيق تحقيق الفعالية التراكمية، وتسهل دخول الأفراد في التطرف.

8 ـ التدخل الفعال لتحقيق نتائج سريعة ونجاح متعدد الأبعاد: تُشكل تجارب النجاح، لإنشاء مجتمع فاعل وآمن يوفر الخدمات وفرص العمل وإعادة تأهيل البنية التحتية، نقطة انطلاق لبناء الثقة في العملية وتعميقها بمرور الوقت نحو مراحل تغيير الهوية والمعايير. فالتأخيرات المطولة تخلق فراغًا سرعان ما يملأه المتطرفون. ومن المهم تحديد وتقييم التقدم المحرز باستخدام أساليب مثل الاستبيانات والبحوث الإثنوغرافية، وتتبع التغيرات في مستوى الدعم الشعبي للعنف السياسي، ورصد التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديد الاتجاهات السلوكية والفكرية.

9 ـ بناء مناعة مؤسسية ضد "عودة حماس": تطهير هياكل الحوكمة ومجالات الحياة العامة من عناصر حماس عبر أُطر قانونية، تحديد معايير الشفافية للتعيينات، ورصد المحتوى المتطرف والمحرض وإزالته من المنصات الإلكترونية، وإدخال أصوات بديلة في المجالين الرقمي والعام للخطاب.

10 ـ الشرعية الدينية: تطهير المساجد والهيئات الدينية من العناصر المتطرفة، وتوفير التدريب والرقابة، وضع مجموعة من الخطب والأحكام الدينية التي ترفض الخطابات التحريضية، وتعزيز روح الاعتدال والسلام العام وحفظ النفس. ويُعدّ انخراط شخصيات دينية معتدلة من الدول العربية أمراً بالغ الأهمية لتعزيز ودعم ظهور دوائر وقيادات دينية معتدلة في القطاع.

11 ـ إعادة التأهيل والإدماج: إنشاء مراكز إقليمية لعلاج الصدمات النفسية والتدريب المهني، ترتيبات عفو مشروطة تستند إلى معايير تحددها إسرائيل، وإبرام اتفاقيات على مستوى الأسرة والمجتمع للتخلي عن الأطر المتطرفة، وتقديم حوافز متدرجة؛ وتطوير مسارات مخصصة للنساء والشباب.

12 ـ التعليم والإعلام والثقافة: إصلاح المناهج الدراسية، الإشراف على العاملين في النظام التعليمي، وإنتاج محتوى ثقافي وفني يُرسّخ المقاومة السلمية في الهوية الفلسطينية المعاصرة.

التعليق

ما تناولته هذه الدراسة هو محاولة ليس لاحتلال الأرض فقط، وإنما أيضا احتلال العقل والوعي والشعور، وتزييف الواقع والتاريخ الفلسطيني. ولكن التاريخ يثبت أنه شعب عصي على التطويع والانكسار. وهناك الكثير من الدراسات الإسرائيلية والغربية تؤكد ذلك، من بينها دراسة للباحث الإسرائيلي آتار بورات، منشورة على موقع ديفيد، في 27/1/2025، وعنوانها: "لماذا تستمر المقاومة الفلسطينية؟!"، قال فيها: "الروح الفلسطينية، في جوهرها، هي المقاومة.

الفكرة صيغت في جملة واحدة ـ إسرائيل هي الشر الكوني المطلق، وناقلة كل ما هو خاطئ في العالم، والإجابة على سؤال معنى الحياة للفلسطيني هي محاربة إسرائيل، والتضحية بنفسه وعائلته لإحداث أكبر قدر ممكن من الدمار لإسرائيل. 

وإذا كان إلحاق الضرر بإسرائيل يسبب أيضا ضررا للمجتمع، فهو مسعى عزيز". وأكدت هذه المعاني دراسة نشرتها مجلة بحوث الإبادة الجماعية، 22/4/2025، للباحثين مارك ليفين وإريك تشيفيتز، عنوانها: "إسرائيل وفلسطين وشعرية الإبادة الجماعية من جديد"، وجاء فيها: "بغض النظر عن عدد من تقتلهم إسرائيل أو تشوههم أو تسجنهم أو تطردهم، فإن أي إبادة جماعية شبه كاملة للشعب الفلسطيني لن تدفعهم إلى "التخلي" عن هويته الوطنية وأحلامه. والنتيجة الأكثر ترجيحا هي أن إسرائيل، من خلال محاولتها تحقيق هذا الهدف المستحيل والإجرامي تماما، سوف تدمر نفسها، أو على الأقل ستنفي نفسها من المجتمع الدولي".