2.2 مليار دولار واردات 90 يوما.. ما سر استيراد مصر كميات ذهب مهولة من الإمارات؟

جدل حول “غسيل الأموال” ومسارات إعادة التصدير - جيتي
أظهرت بيانات رسمية حدوث طفرة غير مسبوقة بواردات مصر من الذهب بالربع الأول من العام الجاري، بلغت 4138 بالمئة مسجلة نحو 1.809 مليار دولار، مقارنة بـ42.7 مليون دولار  بنفس الفترة من 2025، لكن الأكثر إثارة في تلك البيانات هي جهة استيراد تلك الكميات.

وتشير أرقام الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات (حكومية) إلى استيراد  مصر الكميات الأكبر من الذهب من الإمارات، وبقيمة 1.7 مليار دولار، في مقابل، تراجع صادرات القاهرة من المعدن النفيس بنفس الفترة بنسبة 61 بالمئة مسجلة 1.131 مليار دولار، وذلك إثر طفرة تصدير شهدها عام 2025.

وفي السياق، سجلت واردات مصر من الفضة ارتفاعا تخطى 17188 بالمئة مسجلة 426 مليون دولار، بإجمالي 2.235 مليار دولار خرجت من مصر في 90 يوما لشراء المعدنين النفيسين.

السؤال المشروع

وفي حديثه لـ"عربي21"، يعتقد السياسي والبرلماني المصري السابق، أيمن صادق، أن "ما نشهده اليوم بملف الذهب يستحق وقفة الجهات الرقابية، لأننا لا نتحدث عن زيادة عادية بالواردات، وإنما عن قفزة استثنائية وغير مسبوقة".

عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب المصري سابقا، يرى أن "هذه الأرقام تكتسب دلالة أكبر إذا وُضعت بسياقها الأوسع، حيث تشير بيانات التجارة إلى أن مصر صدّرت خلال الفترة نفسها ذهباً وأحجاراً كريمة بقيمة تقارب 1.13 مليار دولار، في وقت كانت فيه الإمارات الشريك الأبرز في حركة الذهب ذهاباً وإياباً، سواء على مستوى الواردات أو إعادة التصدير".

وأضاف: "من هنا يصبح السؤال مشروعاً أمام الرأي العام والجهات الرقابية: ما الذي يفسر استيراد هذه الكميات الضخمة من الذهب بفترة قصيرة، وقت كانت فيه الدولة تتحدث عن تنامي الإنتاج المحلي وزيادة القدرات التصديرية؟، هل نحن أمام تحول استراتيجي لتحويل مصر لمركز إقليمي لتكرير الذهب وإعادة تصديره؟، أم أن الأمر يرتبط بتحولات أوسع بسوق الذهب الإقليمي فرضتها حرب السودان والاضطرابات الجيوسياسية بالمنطقة؟".

لعبة الطرود المتبادلة

"عربي21"، تحدثت إلى أحد مسؤولي شركة "طيبة 2000"، للحراسة ونقل الأموال المعتمدة لدى البنك المركزي، وشركة "إيجي كاش" لنقل الأموال والمعادن الثمينة والذهب.

المتحدث الذي فضل عدم ذكر اسمه أشار إلى "وجود حركة غير مفهومة جرت مؤخرا بملف الذهب"، موضحا لـ"عربي21"، أنهم "خلال عام 2025، قاموا بنقل كميات كبيرة من المشغولات والسبائك والأحجار الكريمة والفضيات عالية الجودة للإمارات".

وأضاف: "بالشهور الأخيرة جرت حركة تصدير واسعة لطرود تصل 250 كيلوغرام من الذهب ومئات الكيلوات من الفضة لشركات مصرية خاصة تعمل بسوق الصاغة بمنطقة الحسين بمصر القديمة للإمارات، وبمستندات رسمية معتمدة عبر بنك مصر (حكومي)، وتخرج من مطار القاهرة بشكل رسمي، في صفقات متتابعة لأكثر من شركة –ذكر أسماء بعضها ثم طلب عدم ذكرها-".

وتابع: "الغريب في الأمر أنه بعد أيام قد لا تتعدى الأسبوع، يتم طلب منا استلام شحنات ذهب وفضة وأحجار كريمة قادمة من الإمارات عبر مطار القاهرة، هي ذات الكميات السابقة، ولصالح نفس الشركة المصرية، ومن ذات الشركة الإماراتية، بينما يتهامس الجميع ويقول إنها عمليات غسيل أموال واضحة، تتم عبر تجارة الذهب".

وكشف المصدر، أن "هناك صلات واسعة بين بعض كبار تجار الصاغة وبين الدهابة في أسوان والأقصر، من الذين ينقبون عن الذهب بجبال البحر الأحمر والنوبة وحتى الدهابة بالسودان، حيث يتم صهر الخام وإدخاله للسوق أو تصديره للإمارات ثم إعادته مرة أخرى ويكون بذلك أخذ طريقه الشرعي والرسمي".

وأكد أنه "في الأيام الماضية تجري عمليات شراء واسعة للمعدن الأصفر، من قبل كبار التجار مع تراجع سعره بالشهرين الأخيرين"، مبينا أن "هناك تجار يقومون بطلب نقل أموال تصل إلى مليار جنيه لشراء كميات كبيرة من الذهب، بهدف السيطرة على السوق".

ومن أكثر من 7 آلاف جنيه في آذار/مارس الماضي انخفض سعر جرام الذهب عيار 21 الأكثر تداولا، إلى نحو 6135 جنيها للبيع و 6075 جنيها للشراء، ومن نحو 8250 جنيها انخفض سعر جرام الذهب عيار 24 نحو  7011.5 جنيه للبيع  و6942.75 جنيه للشراء.

مؤشرات صراع الذهب

وهو الحديث الذي يثير السؤال: هل خلف عمليات الاستيراد الواسعة تلك مافيا مصرية تقوم بالمضاربة في أسعار الذهب التي شهدت خلال الربع الأول من هذا العام سعرا تاريخيا غير مسبوق تعدى مبلغ 7 آلاف جنيه للمشغولات الذهبية "عيار 21"؟.

وهناك العديد من الشواهد التي تشير إلى صراع كبير حول استخراج المعدن الأصفر في مصر، والاستحواذ عليه، والتجارة به، والتربح منه، خاصة مع ظهور العديد من الأسماء القريبة من عالم الإجرام وذات الصلة بجهات سيادية مصرية، ما يجعل من ملف الذهب إحدى أكثر الملفات غموضا وإثارة.

وبعد أيام من توقيف البلطجي الشهير صبري نخنوخ، 2 حزيران/يونيو الجاري، جرى تسريب مقطع لأحد البلطجية السابقين العاملين مع نخنوخ بمنطقة التبين جنوب القاهرة، واسمه "محسن"، يعترف بدور رجل الأعمال السيناوي إبراهيم العرجاني في تهريب الذهب، ومحاولة نخنوخ منافسة العرجاني، في هذا الملف.

وأوضح التسريب، أن "العرجاني يعمل في المخدرات البيور والشعبي (الاستروكس) والبودرة، وفي الذهب، وحاول نخنوخ الدخول على أعمال العرجاني، فحدث صدام العرجاني ونخنوخ".



وقررت النيابة العامة المصرية الأحد الماضي، التحفظ على أموال نخنوخ بتهم "غسل الأموال المتحصلة من نشاطهم الإجرامي عبر عدة أساليب استهدفت إخفاء طبيعتها وقطع صلتها بمصدرها غير المشروع".

وظهر اسم العرجاني بقوة في أزمة "طائرة الذهب"، كصاحب الطائرة التي سافرت عشرات المرات بين مطارات القاهرة ودبي وطرابلس في ليبيا، وداهمتها السلطات الزامبية في آب/ أغسطس 2023، في مطار لوساكا وأوقفت 10 أفراد بينهم 6 مصريين بينهم بعض كبار تجار الذهب المصريين وبعض ضباط الجيش السابقين، وهم: مايكل عادل، ومنير شاكر، ووليد رفعت، ومحمد عبدالحق، وياسر مختار.

وخلال الربع الأول من العام الجاري جرت الكثير من الأحداث التي تشير إلى صراع كبير بملف التنقيب عن الذهب في مصر، مثل: مقتل 8 منقبين عشوائيين عن الذهب (الدهابة) في نيسان/أبريل الماضي، في "أم الحويطات" بسفاجا بالبحر الأحمر، بجانب مقتل شاب إثر اشتباكات بين منقبين في "البرامية" بمدينة إدفو، ومقتل 2 برصاص الشرطة إثر اشتباكات معها.

وفي تقديره يرى السياسي المصري أيمن صادق، أنه "لا يمكن تجاهل ما أثير مؤخراً حول أنشطة التعدين التقليدي والصراعات المرتبطة به، إلى جانب تسريبات إعلامية وشعبية تحدثت عن وجود شبكات مصالح متداخلة في تجارة الذهب وحركته؛ وقد وردت أسماء العرجاني ونخنوخ، وتكررت في النقاش العام دون أن يعني ذلك وجود أي إدانة أو حكم قانوني، لكن تكرار ورودها يفرض بالضرورة قدراً أعلى من الشفافية والتوضيح من الجهات المعنية".

السياسي المصري، أضاف: "يزداد المشهد حساسية عند استحضار ما عُرف إعلامياً بقضية (طائرة لوساكا) في آب/أغسطس 2023، حين احتجزت السلطات الزامبية طائرة خاصة قادمة من القاهرة، وضبطت على متنها 5.7 مليون دولار نقداً، وخمسة مسدسات و126 طلقة، إضافة إلى مواد قيل في البداية إنها ذهب قبل أن تُصنّف لاحقاً على أنها ليست ذهباً خالصاً، مع توقيف عشرة أشخاص بينهم 6 مصريين، ثم إسقاط التهم عنهم لاحقاً".

وألمح إلى أن "تحقيقات استقصائية نشرتها مؤسسة مكافحة الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، أشارت إلى أن الطائرة تعود لشركة مرتبطة برجل الأعمال إبراهيم العرجاني وفق مستندات قضائية في زامبيا، وهو ما أضاف بعداً آخر للنقاش الدائر حول حركة الأموال والمعادن عبر الحدود".

ومع ذلك، يعتقد صادق، أن "هذه الوقائع، سواء منفردة أو مجتمعة، لا تصلح كأدلة على وجود شبكة واحدة أو مسار واحد غير قانوني، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن نمط متكرر من التدفقات المالية وحركة المعادن في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، ما يستوجب مزيداً من التدقيق والشفافية".

هل هذا ذهب السودان؟

وفي إطار استيراد مصر تلك الكمية من الذهب بهذا الإجمالي المالي الكبير خلال 90 يوما فقط من الإمارات، بعد أن حققت خلال العام 2025 طفرة في تصدير المعدن الأصفر، يشير مراقبون إلى سياق آخر غير "صراع الدهابة" وتهريب الذهب واستخدامه في غسيل الأموال، ملمحين إلى اتهامات الجيش السوداني للإمارات بتهريب كميات كبيرة من الذهب السوداني منذ الحرب القائمة بين الخرطوم ومليشيات الدعم السريع المدعومة من أبوظبي.

وهو ما يطرح السؤال: هل وصول حجم استيراد الذهب من الإمارات إلى هذه النسبة يعني مشاركة مصر في عمليات سرقة ذهب السودان الذي تُتهم به أبوظبي؟.

وهنا يعتقد صادق، أنه "من الطبيعي أن يبرز هنا الملف السوداني، في ظل استمرار الاتهامات المتبادلة منذ اندلاع الحرب، بشأن مسارات الذهب السوداني وخروجه من البلاد عبر قنوات إقليمية متعددة".

وأكد أنه "لا توجد أي أدلة معلنة تثبت أن الذهب الذي دخل مصر هو ذهب سوداني أو أن مصر طرف في أي نشاط غير مشروع، فهذه أمور لا تُحسم إلا بالتحقيقات والوثائق الرسمية؛ لكن في المقابل، عندما نتحدث عن تدفقات بمليارات الدولارات عبر مسار تجاري واحد خلال فترة زمنية قصيرة، فمن حق الرأي العام أن يطالب بمعرفة منشأ هذه الكميات ومدى خضوعها للرقابة الكافية".

ماذا عن الدولة؟

ويعد منجم السكري من أكبر مواقع إنتاج الذهب في مصر والعالم، ويقع بالصحراء الشرقية، حيث ينتج سنويا بين 450 إلى 500 ألف أونصة، تحصل مصر على 50 بالمئة من الأرباح الصافية للمنجم، بالإضافة إلى 3 بالمئة إلى 10 بالمئة إتاوة.

وتولي الحكومة المصرية قطاع الذهب أهمية خاصة وتواصل طرح مناقصات تنقيب جديدة كان آخرها الأربعاء، بطرح مناقصة للبحث عن خامات الذهب والمعادن المصاحبة والفوسفات والتلك والكاولين.

وفي أحدث توجهاتها، أطلقت القاهرة الشهر الجاري، بالتعاون مع شركة "إكس كاليبر" الإسبانية، مشروع المسح الجيوفيزيائي، في 6 قطاعات جغرافية تشمل الصحراء الشرقية والغربية وسيناء للبحث عن المعادن.

وتستهدف خطة التنمية الاقتصادية بمصر إنتاج 557 ألف أوقية ذهب بالعام المالي المقبل مقارنة مع 531.1 ألف أوقية متوقع إنتاجها بالعام الحالي، إلى جانب إنتاج 90 ألف أوقية فضة مقابل 85 ألف أوقية.

وتصل إجمالي مبيعات الذهب والفضة المستهدفة إلى 1.5 مليار دولار مقابل 1.436 مليار دولار، فيما تستهدف وصول عوائد الخزانة من الذهب والفضة 557 مليون دولار من 179.7 مليون دولار.

وفي حين أنتجت مصر 821.8 ألف أوقية ذهب و132.4 ألف أوقية فضة خلال عام ونصف من تموز/ يوليو 2024 وحتى كانون الأول/ديسمبر 2025، بلغت مبيعات الذهب والفضة خلال تلك الفترة 3.92 مليار دولار.

ملف اقتصادي وأمني وسياسي

في تقديره لأبعاد ما يجري بقضية الذهب في مصر، قال صادق: "لم تعد مجرد قضية تجارة معادن نفيسة، أو مجرد ملف اقتصادي يتعلق بتجارة الذهب، بل أصبحت ملفاً اقتصادياً وأمنياً وسياسياً بامتياز، أصبحت قضية حوكمة ورقابة على واحد من أهم الموارد الاستراتيجية؛ فالذهب لم يعد مجرد معدن ثمين، بل أصبح جزءاً من معادلات النفوذ والتمويل بالإقليم".

وذهب للقول: "لهذا فإن المطلوب ليس التسرع في إطلاق الاتهامات، وإنما توفير إجابات واضحة وموثقة: من أين جاءت هذه الكميات؟، وكيف تحركت؟، ومن هي الجهات المستفيدة منها؟، وهل تخضع فعلاً للرقابة التي تضمن سلامة الاقتصاد الوطني؟".

وختم قائلا إن "غياب الإجابات الواضحة يغذي الشكوك والتكهنات، وليس العكس؛ وفي كل الأحوال، تبقى هذه الأرقام القياسية، وهذه الوقائع المتداخلة، تطرح سؤالاً واحداً لا يمكن تجاهله: هل نحن أمام نشاط تجاري استثنائي فرضته ظروف السوق العالمية، أم أمام واحد من أكثر ملفات الذهب تعقيداً وغموضاً في المنطقة خلال السنوات الأخيرة؟".