أثارت اتفاقية التعاون العسكري التي وقعتها
فرنسا وقبرص موجة اعتراضات حادة من جانب
تركيا، التي اعتبرت أن الخطوة تمثل
انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً للتوازن القائم في جزيرة
قبرص، محذرة من
تداعياتها على أمن واستقرار منطقة شرق البحر المتوسط التي تشهد أصلاً توترات
متصاعدة على خلفية النزاعات البحرية والسياسية بين الأطراف الإقليمية.
وقالت وزارة الدفاع التركية، في بيان
الخميس، إن الاتفاق الموقع بين باريس والإدارة القبرصية اليونانية يهدف إلى
استضافة قوات فرنسية على الأراضي القبرصية، معتبرة أن هذه الخطوة تتجاهل حقوق
القبارصة الأتراك وإرادتهم السياسية، وتمثل محاولة أحادية الجانب لتغيير التوازن
القائم في الجزيرة.
وأضافت الوزارة أن فرنسا لا تتمتع بصفة
"الدولة الضامنة" في قبرص، وبالتالي فإن الاتفاق يتعارض مع الترتيبات
القانونية والسياسية التي أُقرت بموجب اتفاقيات عام 1960 المنظمة لوضع الجزيرة،
فضلاً عن مخالفته مبادئ القانون الدولي، بحسب البيان.
وأكدت أنقرة أن الإجراءات المتخذة تفتقر إلى
الشرعية القانونية، محذرة من أن تداعياتها قد تكون خطيرة على جنوب الجزيرة وعلى
الاستقرار الإقليمي بشكل عام، مشيرة إلى أنها تتابع عن كثب ما وصفته
بـ"الاستفزاز" الهادف إلى زعزعة الاستقرار في شرق المتوسط.
وكان الرئيس الفرنسي ونظيره القبرصي قد
أعلنا، الاثنين، توقيع اتفاقية لتعزيز التعاون الدفاعي بين البلدين، بما يشمل
تسهيلات عسكرية للقوات الفرنسية في قبرص، في خطوة تندرج ضمن جهود باريس لتعزيز
حضورها العسكري والأمني في شرق المتوسط، وهي المنطقة التي شهدت خلال السنوات
الأخيرة تنافساً متزايداً على النفوذ ومصادر الطاقة.
ويعيد الموقف التركي تسليط الضوء على النزاع
القبرصي المستمر منذ عام 1974، حين تدخل الجيش التركي في شمال الجزيرة عقب انقلاب
مدعوم من اليونان بهدف ضم قبرص إلى أثينا. ومنذ ذلك الحين، انقسمت الجزيرة بين
جمهورية قبرص المعترف بها دولياً في الجنوب، وجمهورية شمال قبرص التركية التي لا
تعترف بها سوى أنقرة.
وتعد تركيا إلى جانب اليونان والمملكة
المتحدة من الدول الضامنة لاتفاقيات استقلال قبرص الموقعة عام 1960، وهو ما تستند
إليه أنقرة في رفض أي ترتيبات أمنية أو عسكرية ترى أنها تتجاوز التوازنات التي
أرستها تلك الاتفاقيات.
كما يأتي التصعيد التركي في سياق
خلافات
أوسع مع فرنسا وعدد من الدول الأوروبية بشأن ملفات شرق المتوسط، خصوصاً ما يتعلق
بترسيم الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز الطبيعي والتحالفات العسكرية الناشئة في
المنطقة. وقد شهدت السنوات الماضية توترات متكررة بين أنقرة وباريس على خلفية دعم
فرنسا لليونان وقبرص في النزاعات المتعلقة بالموارد البحرية.
وقد يضيف الاتفاق الفرنسي القبرصي بعداً
جديداً للتنافس الجيوسياسي في شرق المتوسط، خاصة في ظل سعي القوى الأوروبية إلى
تعزيز حضورها العسكري في المنطقة، مقابل تمسك تركيا بدورها كقوة إقليمية رئيسية
ورفضها أي ترتيبات تعتبرها مهددة لمصالحها أو لمكانة القبارصة الأتراك.
ولم يصدر حتى الآن تعليق رسمي من الجانب
الفرنسي أو القبرصي رداً على الانتقادات التركية، غير أن الاتفاق يعكس توجهاً
متزايداً نحو توثيق التعاون الدفاعي بين باريس ونيقوسيا في مواجهة التحديات
الأمنية المتنامية في شرق المتوسط.
ما خلفية الخلاف؟
لا يمكن فصل الاعتراض التركي على الاتفاق
العسكري الفرنسي القبرصي عن الصراع الممتد في جزيرة قبرص منذ أكثر من خمسة عقود.
فمنذ التدخل العسكري التركي عام 1974 عقب انقلاب دعمه قوميون يونانيون سعوا لضم
الجزيرة إلى اليونان، انقسمت قبرص إلى شطرين: جنوب تديره جمهورية قبرص المعترف بها
دولياً، وشمال تديره جمهورية شمال قبرص التركية التي لا تعترف بها سوى أنقرة.
وترى تركيا أن القبارصة الأتراك شركاء
متساوون في السيادة والثروات الطبيعية للجزيرة، وأن أي اتفاقات أمنية أو اقتصادية
أو عسكرية تعقدها الحكومة القبرصية اليونانية من دون موافقتهم تمثل تجاوزاً
لحقوقهم السياسية والقانونية.
لماذا تعترض أنقرة؟
يستند الموقف التركي إلى بعدين رئيسيين؛
الأول قانوني يتعلق باتفاقيات تأسيس جمهورية قبرص عام 1960، والتي منحت تركيا
واليونان وبريطانيا صفة "الدول الضامنة" لاستقلال الجزيرة وأمنها. وتقول
أنقرة إن فرنسا ليست طرفاً في هذه المنظومة، وبالتالي فإن منحها دوراً عسكرياً
متقدماً داخل الجزيرة يمثل تغييراً في التوازنات التي قامت عليها التسوية الأصلية.
أما البعد الثاني فهو استراتيجي، إذ تخشى
تركيا من تحول قبرص إلى قاعدة متقدمة للقوى الأوروبية والغربية في مواجهة نفوذها
المتنامي في شرق المتوسط. وخلال السنوات الأخيرة دخلت أنقرة في نزاعات حادة مع
قبرص واليونان بشأن ترسيم الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز، ما جعل أي حضور
عسكري أجنبي إضافي في الجزيرة يُنظر إليه في تركيا باعتباره جزءاً من سياسة احتواء
إقليمية تستهدفها.
كما تعتبر أنقرة أن تعزيز التعاون العسكري
بين باريس ونيقوسيا يأتي في سياق اصطفاف سياسي وعسكري أوسع تشارك فيه اليونان
وفرنسا وقبرص وبعض الدول الأوروبية، وهو اصطفاف برز بوضوح خلال أزمات شرق المتوسط
بين عامي 2019 و2022.
ماذا تريد فرنسا وقبرص من الاتفاق؟
من الجانب القبرصي، يحمل الاتفاق رسالة
واضحة مفادها أن نيقوسيا تسعى إلى تعزيز مظلتها الأمنية في ظل استمرار الانقسام
السياسي للجزيرة وتعثر جهود التسوية مع الشطر الشمالي المدعوم من تركيا. كما أنه
يعكس رغبة قبرص في توثيق شراكاتها الدفاعية مع قوى أوروبية كبرى لمواجهة التحديات
الأمنية المتزايدة في المنطقة.
أما فرنسا، فتسعى منذ سنوات إلى توسيع
حضورها العسكري والسياسي في شرق المتوسط، سواء عبر قواعد وتسهيلات عسكرية أو من
خلال شراكات دفاعية مع اليونان وقبرص. وتعتبر باريس أن المنطقة باتت ذات أهمية
استراتيجية متزايدة بسبب طرق الطاقة البحرية واكتشافات الغاز الطبيعي والتوترات
المرتبطة بالشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن الاتفاق يبعث برسالة
مزدوجة؛ فمن جهة يؤكد التزام فرنسا بأمن قبرص وشركائها الأوروبيين، ومن جهة أخرى
يمثل إشارة سياسية إلى تركيا بأن باريس عازمة على الحفاظ على دور فاعل في معادلات
الأمن والطاقة بشرق المتوسط، حتى في ظل اعتراضات أنقرة.
صراع يتجاوز حدود الجزيرة
ورغم أن الاتفاق يتعلق رسمياً بالتعاون
الدفاعي بين دولتين، إلا أن أبعاده الحقيقية تتجاوز الساحة القبرصية، إذ يعكس
صراعاً أوسع على النفوذ في شرق المتوسط بين تركيا من جهة، وتحالفات أوروبية
وإقليمية تتشكل حول ملفات الأمن والطاقة من جهة أخرى. ولذلك ينظر كثير من الخبراء
إلى الجدل الحالي باعتباره حلقة جديدة في التنافس الجيوسياسي الذي جعل شرق المتوسط
إحدى أكثر مناطق العالم حساسية خلال السنوات الأخيرة.