الجزائر والتصعيد مع إيران.. حسابات الخليج والمغرب وواشنطن

السلطة الجزائرية تبدو حريصة على تجنب أي توترات مع القوى الكبرى في مرحلة تتسم بحساسية سياسية داخلية، الأمر الذي ينعكس على طبيعة المواقف الخارجية ويجعلها أكثر ميلا إلى البراغماتية والحذر.
أثار الموقف الجزائري الأخير المندد بالاعتداءات التي استهدفت الأردن والكويت والبحرين تساؤلات بشأن دلالاته السياسية وانعكاساته المحتملة على طبيعة العلاقة التي تربط الجزائر بإيران، في ظل التصعيد المتسارع الذي تشهده المنطقة بين طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

وأعربت وزارة الخارجية الجزائرية، أمس الأربعاء، عن "إدانتها واستنكارها الشديدين" للاعتداءات التي طالت الدول العربية الثلاث، مؤكدة رفضها القاطع للمساس بسيادتها وأمنها واستقرارها. كما شددت على ضرورة احترام مبدأ سيادة الدول وسلامة أراضيها، محذرة من مخاطر التصعيد الذي يهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

ويأتي هذا الموقف في ظرف إقليمي بالغ الحساسية، تتسع فيه رقعة المواجهة بين إيران وخصومها الإقليميين والدوليين، مع تزايد المخاوف من انتقال الصراع إلى ساحات عربية جديدة، بما يهدد استقرار المنطقة ويعيد خلط أوراق التوازنات القائمة.



ورغم أن البيان الجزائري لم يشر إلى إيران بالاسم، فإن سياق الأحداث وتوقيت صدوره دفعا مراقبين إلى اعتباره رسالة سياسية تتجاوز الإدانة المبدئية للاعتداءات، خصوصا أن الجزائر ظلت خلال السنوات الماضية حريصة على الحفاظ على علاقات متوازنة مع طهران، وتجنبت الاصطفاف ضمن محاور الاستقطاب الإقليمي الحادة.

وتقوم السياسة الخارجية الجزائرية تقليديا على مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام سيادتها، ورفض الانحياز إلى التكتلات الإقليمية المتصارعة، وهو ما جعل الجزائر تتبنى في العديد من الأزمات الإقليمية مقاربات قائمة على الوساطة أو الحياد النسبي.

غير أن البيان الأخير حمل في الوقت نفسه تأكيدا واضحا على رفض أي تهديد يطال أمن الدول العربية أو سيادتها، ما دفع بعض المتابعين إلى التساؤل عما إذا كانت الجزائر بصدد إعادة تموضع سياسي أكثر قربا من الهواجس الأمنية العربية في ظل التطورات الأخيرة.

وفي المقابل، لا توجد مؤشرات على حدوث تحول جذري في العلاقات الجزائرية الإيرانية، إذ ما تزال قنوات التواصل السياسي والدبلوماسي بين البلدين قائمة، كما أن الجزائر لم تنخرط في أي من المشاريع الإقليمية الهادفة إلى عزل إيران أو حصارها سياسيا.

وتحاول الجزائر الحفاظ على توازن دقيق بين رفض السياسات الإسرائيلية ودعمها التقليدي للقضية الفلسطينية من جهة، وبين رفض توسيع دائرة الصراع الإقليمي أو تحويل الدول العربية إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين القوى المتنافسة من جهة أخرى.

سياسي جزائري: ثلاثة عوامل تقف وراء الموقف الجديد


وفي حديث خاص لـ"عربي21"، رأى الناشط والمحلل السياسي الجزائري إسلام بن عطية أن الموقف الجزائري الأخير لا يمكن فهمه من خلال التطورات الآنية فقط، بل يرتبط بجملة من المحددات الخارجية والداخلية التي باتت تؤثر في صناعة القرار السياسي والدبلوماسي في الجزائر.

وقال بن عطية إن "الكثيرين يرون أن الموقف الجزائري الحالي لا يتناسب مع أبجديات السياسة الخارجية الجزائرية التي تأسست تاريخيا على مبدئين أساسيين هما عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والدفاع عن القانون الدولي واحترامه".

وأوضح أن فهم الموقف الجزائري الراهن يقتضي التوقف عند ثلاثة محددات رئيسية، اثنان منها خارجيان والثالث داخلي.

وأشار إلى أن العامل الأول يرتبط بالإرث الذي خلفه موقف الجزائر من غزو العراق للكويت عام 1990، موضحا أن الجزائر تبنت آنذاك ما وصفه بـ"الحياد السلبي"، الأمر الذي أحدث، بحسب رأيه، شرخا في علاقاتها مع دول الخليج التي رأت في ذلك الموقف نوعا من التقارب مع بغداد على حساب الكويت.

وأضاف أن صانع القرار الجزائري يبدو حريصا اليوم على تفادي تكرار تلك الصورة، أو الظهور بمظهر المتسامح مع أي اعتداء يستهدف دولة عربية، وهو ما يفسر جانبا من الحزم الذي أبدته الجزائر في إدانة الاعتداءات الأخيرة.

أما العامل الثاني، فيتعلق بالصراع الجزائري المغربي وما أفرزه من حسابات إقليمية ودولية معقدة خلال السنوات الأخيرة.

وقال بن عطية إن الجزائر أصبحت أكثر حرصا على تجنب أي صدام مباشر مع الولايات المتحدة، رغم استمرار الخلافات بين الطرفين بشأن ملف الصحراء الغربية، حيث تتبنى واشنطن موقفا داعما للمغرب.

وأضاف أن الجزائر تسعى إلى تخفيف آثار هذا الانحياز الأمريكي من خلال إدارة علاقاتها الخارجية بحذر شديد، بما في ذلك تجنب اتخاذ مواقف قد تُفهم على أنها مواجهة مباشرة مع السياسة الأمريكية في المنطقة.

وفي ما يتعلق بالعامل الثالث، اعتبر بن عطية أن الاعتبارات الداخلية أصبحت تلعب دورا متزايدا في رسم توجهات السياسة الخارجية الجزائرية.

وأوضح أن السلطة الجزائرية تبدو حريصة على تجنب أي توترات مع القوى الكبرى في مرحلة تتسم بحساسية سياسية داخلية، الأمر الذي ينعكس على طبيعة المواقف الخارجية ويجعلها أكثر ميلا إلى البراغماتية والحذر.

وربط بن عطية ذلك بما وصفه بعودة سياسات الضغط على الأنظمة السياسية إلى واجهة السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يدفع العديد من الدول إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية وتجنب الدخول في مواجهات غير محسوبة مع القوى المؤثرة دوليا.

ويرى المحلل الجزائري أن هذه العوامل مجتمعة أسهمت في دفع الجزائر نحو مقاربة أكثر حذرا وأقل صدامية في التعامل مع الأزمة الحالية، حتى وإن جاء ذلك، بحسب تعبيره، على حساب التوازن التقليدي الذي ميز الدبلوماسية الجزائرية لعقود.

وأضاف: "كان يمكن للجزائر أن تتبنى موقفا أقرب إلى النموذج العماني، القائم على رفض العدوان على إيران وفي الوقت نفسه رفض تحويل دول الخليج إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية، لكن جملة المحددات الخارجية والداخلية جعلت الموقف الجزائري، في تقديري، أقل توازنا مما اعتادت عليه الدبلوماسية الجزائرية وأبعد عن هويتها التقليدية".

ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان الموقف الجزائري الأخير يمثل مجرد استجابة ظرفية لظروف التصعيد الراهنة، أم أنه يعكس بداية مراجعة أوسع لأولويات السياسة الخارجية الجزائرية في بيئة إقليمية تشهد تحولات متسارعة. وحتى الآن، لا تبدو مؤشرات القطيعة أو الابتعاد الاستراتيجي عن إيران قائمة، لكن الواضح أن الجزائر تسعى إلى رسم مسافة سياسية أوضح بينها وبين أي تصعيد قد يهدد أمن الدول العربية أو يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع.