كتاب جديد يروي قصة إيران من الثورة إلى الاحتجاج.. هل سُرقت أحلام 1979؟

تشير المراجعة إلى أن الثورة الإيرانية نجحت عام 1979 في توحيد أطياف متباينة من المجتمع ضد نظام الشاه، مستفيدة من وعود بتحقيق الاستقلال عن النفوذ الغربي وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
تشير المراجعة إلى أن الثورة الإيرانية نجحت عام 1979 في توحيد أطياف متباينة من المجتمع ضد نظام الشاه، مستفيدة من وعود بتحقيق الاستقلال عن النفوذ الغربي وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
شارك الخبر
رأت صحيفة "الغارديان" البريطانية أن كتاب "الثورة المسروقة: الخيانة والأمل في إيران الحديثة" للصحفيين بُزرجمهر شرف الدين ويغانه تربتي، يقدم واحدة من أكثر القراءات عمقاً وتوازناً لتاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال تتبع مسار التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد منذ ثورة 1979 وحتى احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" وما تلاها من أحداث.

وفي مراجعة مطولة للكتاب، اعتبرت الكاتبة الإيرانية دينا نايَري أن أهمية العمل لا تكمن فقط في توثيقه لتاريخ الجمهورية الإسلامية، بل في نجاحه في تقديم سردية إنسانية وسياسية متماسكة تشرح كيف تحولت الثورة التي رفعت شعارات الاستقلال والعدالة الاجتماعية إلى نظام يواجه أزمة شرعية متفاقمة بعد نحو خمسة عقود من الحكم.

وتعتبر المراجعة أن انتخابات عامي 2005 و2009 شكلت نقطة تحول مفصلية في علاقة قطاعات واسعة من الإيرانيين بالنظام السياسي، إذ أدى الجدل حول نزاهة الانتخابات وقمع احتجاجات "الحركة الخضراء" إلى تآكل الثقة بإمكانية الإصلاح التدريجي عبر المؤسسات القائمة.
وتشير المراجعة إلى أن الثورة الإيرانية نجحت عام 1979 في توحيد أطياف متباينة من المجتمع ضد نظام الشاه، مستفيدة من وعود بتحقيق الاستقلال عن النفوذ الغربي وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. غير أن القيادة الدينية التي استلمت السلطة بعد سقوط النظام الملكي سرعان ما تخلت، بحسب الكتاب، عن كثير من الوعود التي رفعتها خلال سنوات الثورة.

ويرى مؤلفا الكتاب أن التحول الأهم تمثل في انتقال الجمهورية الإسلامية من مشروع ثوري يحمل وعوداً اجتماعية واسعة إلى نظام يقوم على احتكار السلطة السياسية والدينية، مع توسيع نفوذ المؤسسات الأمنية والعسكرية، وفي مقدمتها الحرس الثوري، الذي تحول تدريجياً إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين في البلاد.

وتوضح "الغارديان" أن الكتاب يعتمد على سرد تاريخ الجمهورية الإسلامية من خلال ست شخصيات تمثل أجيالاً وتجارب مختلفة من المجتمع الإيراني، وهو ما يسمح بتقديم صورة أكثر تعقيداً من السرديات التقليدية التي تختزل إيران في صراع بين السلطة والمعارضة فقط.

ومن خلال هذه الشخصيات، يرصد المؤلفان صعود التيار الإصلاحي خلال تسعينيات القرن الماضي، والآمال التي علقت على إمكانية التغيير من داخل النظام، خصوصاً خلال عهد الرئيس محمد خاتمي، قبل أن تنتهي تلك التجربة إلى الإحباط مع تضييق هامش الإصلاح واستمرار هيمنة مراكز القوة غير المنتخبة.

وتعتبر المراجعة أن انتخابات عامي 2005 و2009 شكلت نقطة تحول مفصلية في علاقة قطاعات واسعة من الإيرانيين بالنظام السياسي، إذ أدى الجدل حول نزاهة الانتخابات وقمع احتجاجات "الحركة الخضراء" إلى تآكل الثقة بإمكانية الإصلاح التدريجي عبر المؤسسات القائمة.

وتتوقف "الغارديان" عند التحولات الاجتماعية التي عرفتها إيران خلال العقدين الأخيرين، مشيرة إلى أن الاحتجاجات لم تعد مقتصرة على النخب السياسية أو الأقليات أو التيارات الليبرالية، بل أصبحت تشمل فئات اجتماعية أوسع من الطبقة الوسطى والعمال والشباب والمتدينين أنفسهم، في مؤشر على اتساع فجوة الثقة بين المجتمع والدولة.

ويبرز الكتاب كذلك تجربة الجيل الجديد الذي نشأ في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، والذي بات أكثر اتصالاً بالعالم الخارجي وأقل ارتباطاً بالشعارات الأيديولوجية التقليدية. ووفقاً للمراجعة، فإن هذا الجيل لم يعد ينظر إلى الصراع من زاوية الإصلاح السياسي فقط، بل من زاوية الحقوق الفردية والحريات الشخصية وأنماط الحياة التي يعتبر أنها حُرم منها لعقود.

وفي هذا السياق، تكتسب احتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية" التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني عام 2022 أهمية خاصة، إذ يصفها الكتاب بأنها أوسع حركة احتجاجية تشهدها إيران منذ الثورة، ليس فقط من حيث الانتشار الجغرافي، بل أيضاً من حيث طبيعة المشاركين فيها وتنوع مطالبهم.

وترى المراجعة أن إحدى أهم الأفكار التي يطرحها الكتاب تتمثل في رفضه تفسير الاحتجاجات الإيرانية باعتبارها نتاج تدخلات خارجية أو مؤامرات دولية، مؤكداً أن موجات الاحتجاج المتعاقبة هي تعبير عن تراكمات اجتماعية وسياسية داخلية، وأن كل جيل من المحتجين بنى تجربته على دروس وإخفاقات الجيل الذي سبقه.

وتلفت "الغارديان" إلى أن الكتاب ينتهي عند التطورات التي شهدتها إيران خلال عام 2025، بما في ذلك الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع داخل البلاد، وما رافقها من مشاعر متناقضة لدى الإيرانيين بين التمسك بالوطن والخوف على مستقبله والرغبة في التغيير السياسي.

وبحسب المراجعة، فإن القيمة الفكرية الأساسية للكتاب تكمن في أنه يقدم قراءة لتاريخ إيران الحديث باعتباره صراعاً مستمراً بين تطلعات المجتمع نحو الحرية والتمثيل السياسي من جهة، وسعي الدولة إلى احتكار السلطة والفضاء العام من جهة أخرى. كما يوضح أن الأزمة الإيرانية الراهنة ليست مجرد أزمة اقتصادية أو سياسية عابرة، بل هي أزمة شرعية تاريخية تراكمت عبر عقود من التوتر بين وعود الثورة الأولى ومتطلبات المجتمع الإيراني المتغير.

وتخلص "الغارديان" إلى أن "الثورة المسروقة" ليس مجرد كتاب عن إيران، بل دراسة في مصير الثورات عندما تتحول من مشاريع للتحرر إلى أنظمة مغلقة، وما يرافق ذلك من صراع طويل بين السلطة والمجتمع حول معنى الشرعية والحرية ومستقبل الدولة.

إن فهم التجربة الإيرانية يقتضي الجمع بين سردية المعارضة التي يرصدها الكتاب وسردية أخرى تدرس عوامل الصمود التاريخي للدولة والثورة معاً، لأن استمرار أي نظام لما يقارب نصف قرن وسط هذه البيئة العدائية لا يمكن تفسيره بالقمع وحده، كما لا يمكن فهمه عبر سردية الفشل المستمر فقط.
غير أن الكتاب، رغم قيمته التوثيقية العالية وغناه بالشهادات الإنسانية، لا يخلو من إشكاليات منهجية وفكرية تستحق النقاش. فالسردية التي يقدمها تنطلق أساساً من وجهة نظر المعارضة الإيرانية بمختلف أطيافها، وتقرأ تاريخ الجمهورية الإسلامية بوصفه تاريخاً متواصلاً من القمع والإخفاقات وخيبات الأمل. ورغم أهمية هذا المنظور في فهم الاحتجاجات والتحولات الاجتماعية التي عرفتها إيران، فإنه لا يجيب بصورة مقنعة عن سؤال مركزي ظل حاضراً طوال العقود الخمسة الماضية: كيف استطاع النظام الإيراني البقاء والاستمرار رغم الحصار والعقوبات والعزلة الدولية والصراعات الداخلية المتكررة؟

فالكتاب يركز على إخفاقات السلطة أكثر من تركيزه على مصادر قوتها وشرعيتها الاجتماعية والسياسية. كما أنه لا يمنح مساحة كافية لتحليل الأسباب التي مكنت الجمهورية الإسلامية من الصمود في مواجهة واحدة من أطول الحروب في القرن العشرين، وهي الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988)، التي خاضتها طهران في مواجهة نظام صدام حسين المدعوم إقليمياً ودولياً. كذلك لا يتوقف بما يكفي عند قدرة الدولة الإيرانية على إعادة بناء مؤسساتها بعد الحرب، ولا عند نجاحها في الحفاظ على تماسكها خلال موجات العقوبات المتلاحقة والضغوط الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة، وصولاً إلى المواجهات العسكرية الأخيرة.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن "الثورة المسروقة" يفسر أسباب الاحتجاج أكثر مما يفسر أسباب الاستمرارية. فهو يقدم قراءة عميقة لأزمة الشرعية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية، لكنه لا يقدم تفسيراً متكاملاً لما يمكن تسميته "معضلة البقاء الإيراني"، أي قدرة النظام على تجديد أدواته السياسية والأمنية والاجتماعية والحفاظ على قاعدة من التأييد الوطني، خصوصاً في اللحظات التي تتعرض فيها البلاد لتهديدات خارجية مباشرة. ولذلك فإن فهم التجربة الإيرانية يقتضي الجمع بين سردية المعارضة التي يرصدها الكتاب وسردية أخرى تدرس عوامل الصمود التاريخي للدولة والثورة معاً، لأن استمرار أي نظام لما يقارب نصف قرن وسط هذه البيئة العدائية لا يمكن تفسيره بالقمع وحده، كما لا يمكن فهمه عبر سردية الفشل المستمر فقط.


https://www.theguardian.com/books/2026/jun/10/stolen-revolution-by-bozorgmehr-sharafedin-and-yeganeh-torbati-review-irans-recent-history-explained
التعليقات (0)