كشفت تطورات الصراعات الدولية خلال السنوات الأخيرة عن تحولات متسارعة في طبيعة
الحروب الحديثة، وسط تقديرات متزايدة بأن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافياً لحسم النزاعات أو فرض السيطرة على الدول المستهدفة.
ونشرت صحيفة "
وول ستريت جورنال" مقالاً للصحفي ياروسلاف تروفيموف قال فيه إن تطور التكنولوجيا التي تُساوي بين الدول القوية والضعيفة جعل حروب الغزو التقليدية صعبة، وربما غير ممكنة بعد الآن، كما أنها كشفت أن
القوى العظمى لا تملك القوة التي كانت تظنها.
بعد توليه منصبه العام الماضي، روّج الرئيس ترامب، دون تردد، لرؤية تقوم على مبدأ "القوة هي الحق" لإعادة تشكيل النظام الدولي حول منطقة نفوذ أمريكية، وهي رؤية لا تختلف كثيراً عن رؤية روسيا أو الصين.
وبدا المستقبل وكأنه مُصاغٌ وفقاً لمقولة شهيرة للمؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس: "الأقوياء يفعلون ما يشاؤون، والضعفاء يعانون كما يجب عليهم".
اظهار أخبار متعلقة
هذا القول، الذي نطق به الغزاة الأثينيون لسكان جزيرة ميلوس المنكوبين عام 416 قبل الميلاد، برز بشكل لافت في خطاب رئيس البنك المركزي الكندي مارك كارني الذي أحدث صدى واسعاً في مؤتمر دافوس الدولي في ذروة الخلاف الأوروبي مع ترامب بشأن خططه للاستيلاء على جزيرة غرينلاند الدنماركية.
وأضاف: "على ما يبدو الآن أن الضعفاء ليسوا بالضعف الذي اعتقده الكثيرون؛ فالأقوياء أيضاً لا يستطيعون فعل ما يحلو لهم.
وعلى الرغم من إنفاق الجيش الأمريكي جزءاً كبيراً من ذخائره بعيدة المدى وقتله عدداً كبيراً من القيادة الإيرانية، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق نصر استراتيجي على قوة متوسطة كإيران.
ولا تزال طهران تغلق مضيق هرمز، ولا يزال نظامها الثيوقراطي محكماً، ويحتفظ بقدرته على إطلاق الصواريخ على إسرائيل ودول الخليج، كما حدث في آخر تبادل لإطلاق الصواريخ هذا الأسبوع.
وكذلك أوكرانيا لم تنهَر، رغم قطع ترامب المساعدات الأمريكية قبل أكثر من عام، وضغطه دبلوماسياً على كييف للتنازل عن منطقة دونيتسك الشرقية، كجزء من اتفاقه مع روسيا في قمة ألاسكا في آب/ أغسطس.
ورغم ذلك، تمكنت أوكرانيا من قلب موازين الحرب ضد روسيا، مسيطرةً على خط المواجهة وموجهةً ضربات متزايدة الألم إلى قلب الأراضي الروسية.
أظهرت هذه التطورات كيف ساهمت التطورات التكنولوجية، كالمسيّرات والصواريخ الدقيقة الأرخص ثمناً، في تقريب موازين القوى بين الدول الصغيرة والقوى العظمى التي تنفق مئات المليارات من الدولارات على جيوشها.
وأشارت وزيرة الخارجية اللاتفية، بايبا برازي، إلى أن "أوكرانيا تتمتع بوضع أكثر صلابة بفضل تفوقها التكنولوجي".
وقد حدَّ هذا التضييق في فجوة القوى عالمياً مما يمكن أن تحققه القوة العسكرية وحدها. وتراقب الصين هذه التوجهات عن كثب وهي تدرس إمكانية ضم تايوان، أو ما إذا كان ينبغي لها ذلك.
وبالطبع، تختلف الصراعات الدائرة في أنحاء العالم في جوانب عديدة. أوكرانيا دولة ديمقراطية تخوض حرب دفاع عن النفس ضد غزو روسي غير مبرر.
قتل النظام الإيراني آلافاً من مواطنيه قبل أن تبدأ الولايات المتحدة والاحتلال قصفهما في شباط/ فبراير، كما أنه يدعم منذ عقود جماعات مسلحة بالوكالة تُزعزع استقرار الشرق الأوسط.
ومع ذلك، تحمل كل هذه الحروب درساً واحداً، كما صرّح وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو في مقابلة. قال: "إن نوع الحرب الذي اعتدنا عليه، ونوع الحرب التي كانت روسيا تُخطط لها في أوكرانيا - غزو واحتلال دولة - لم يعد وارداً".
إن غزو دولة عندما يكون مواطنوها مستعدين للقتال أمر مستحيل حتى في ظل تفاوت في القوة، كما كان الحال بين روسيا وأوكرانيا، أو حتى بين الولايات المتحدة وإيران. الأمر صعب حتى على إسرائيل، التي لم تُحقق نجاحاً يُذكر ضد حماس في مدينة واحدة تقريباً".
أقرَّ الجنرال أونو إيشيلشيم، رئيس أركان الدفاع الهولندي، بأن تغيير الأنظمة - وهو هدف روسيا في أوكرانيا، وهدف أمريكا في إيران مبدئياً على الأقل - لم يعد ممكناً تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها في العالم المعاصر.
وقال ميرشايمر: "يكاد يكون من المستحيل غزو مثل هذه الدول بكل الإمكانيات المتاحة، سواء أكانت الولايات المتحدة ضد إيران أو روسيا ضد أوكرانيا".
و"إذا لم يتحقق النجاح خلال الأسبوعين الأولين، فسينتهي الأمر إلى طريق مسدود يصعب اختراقه. إذا أردت تحقيق شيء ما، فعليك تحقيقه بسرعة فائقة".
حدود قدرات القوى العظمى ليست بجديدة. فقد مُنيت كل من واشنطن وموسكو بهزائم في حروب خارجية سابقة. واضطرت أمريكا للانسحاب من فيتنام، وهُزمت كلتاهما في أفغانستان في نهاية المطاف. أما سجل الولايات المتحدة في احتلال العراق فهو مختلط في أحسن الأحوال.
اظهار أخبار متعلقة
مع ذلك، في تلك الحالات، اضطرت القوى العظمى للتخلي عن الحرب بسبب حركات التمرد المطولة والمؤلمة التي أعقبت انتصارات عسكرية تقليدية، والتي أدت في نهاية المطاف إلى تراجع الدعم الشعبي للحرب.
لكن الوضع تغير الآن. فقد عجزت الدبابات الروسية عن الوصول إلى كييف لأكثر من سنتين من الحرب، وتوقفت التقدمات الروسية في ساحة المعركة بشكل شبه كامل. بل إن الولايات المتحدة لم تُقدم حتى على عمليات برية في إيران، لعلمها التام بحجم الخسائر الأمريكية التي ستتكبدها.
مع ثورة حرب المسيّرات التي أشعلها الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وقدرة إيران على تطوير ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية الدقيقة وبعيدة المدى، تضاءلت جزئياً الميزة الهائلة للجيش الأمريكي في القوة الجوية والاستخبارات والاستطلاع.
وقد جعل هذا من المستحيل تصور هجوم عسكري تقليدي مدرع على طهران، على غرار الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
أما الإطاحة السريعة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير - والتي بدت آنذاك وكأنها نذير لما سيأتي، مُشعلةً شهية ترامب لغرينلاند وإيران - فتبدو الآن استثناءً نادراً لا نذيراً لممارسة القوة الأمريكية مستقبلاً.
وتولي الصين اهتماماً بالغاً لكل هذا. قال العقيد المتقاعد تشو بو، المدير السابق لمركز التعاون الأمني في وزارة الدفاع الصينية: "قبل الحرب في أوكرانيا، كان يُعتقد أن روسيا ثاني أقوى جيش في العالم. أما الآن، فإن أقوى جيش وثاني أقوى جيش منخرطان في حروب".
وأضاف أن الدرس الأهم الذي يجب على الصين استخلاصه هو دعوة الخبراء الروس لتبادل خبراتهم في مجال حرب المسيّرات الحديثة: "الصين هي أكبر منتج للمسيّرات، لكننا لا نعرف كيفية استخدامها عسكرياً بشكل فعلي".
وأكد قائلاً: "الدول التي استخدمت المسيّرات في ساحة المعركة هي وحدها القادرة على تحديد مدى فعاليتها الحقيقية".
قال الأكاديمي السنغافوري بيلاري كاوسيكان، الذي شغل منصب سفير سنغافورة لدى الأمم المتحدة، إن عبارة ثوسيديدس، التي لطالما كانت من بديهيات ما يُسمى بالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، ما هي إلا تعبير عن استسلام ساذج، وليست دليلاً على واقع العالم الأكثر تعقيداً.
وأضاف ساخراً: "لو كانت هذه العبارة صحيحة، لابتُلعت دول صغيرة مثل سنغافورة من قبل جيرانها منذ زمن بعيد".
وأوضح كاوسيكان: "جميع الدول لديها القدرة على التأثير، حتى وإن كانت في ظروف عصيبة. لكن ما إذا كانت تمتلك الحكمة الكافية لإدراك هذه القدرة، والقدرة على ممارستها، فهذان أمران مختلفان".
وأشار إلى أنه على عكس أوكرانيا وإيران، قد لا تمتلك تايوان الإرادة اللازمة لممارسة هذه القدرة، لأن الصين تنجح بشكل متزايد في إضعاف عزيمة الشعب التايواني على مقاومة أي عملية عسكرية صينية محتملة في المستقبل.
رفض البرلمان التايواني، ذو الأغلبية المعارضة، في أيار/ مايو الماضي، مقترح الحكومة لإعادة التسلح، وأقرَّ حزمة إنفاق عسكري خاصة أصغر بكثير بقيمة 25 مليار دولار، تضمنت، من بين أمور أخرى، خفض التمويل المخصص للمسيَّرات المصممة محلياً وقدرات الحرب غير المتكافئة.
وقد زار زعيم المعارضة الجديد، تشنغ لي-وون، الرئيس الصيني شي جين بينغ، واتخذ موقفاً أكثر تصالحاً تجاه بكين.
وقال كاوسيكان: "أقول لأصدقائي التايوانيين - دون جدوى تُذكر - إنكم استخلصتم درساً خاطئاً من أوكرانيا. الدرس ليس أن الديمقراطيات تساعد ديمقراطيات أخرى، بل أن الأوكرانيين ساعدوا أنفسهم، وكان الآخرون على استعداد لمساعدتهم".
وتخوض الفلبين أيضاً نزاعاً مع بكين، وقد تواجه مشكلة مماثلة فيما يتعلق بالعزم على المقاومة في حال اندلاع حرب.
وقد أعرب وزير الدفاع الفلبيني، جيلبرتو تيودورو جونيور، عن أسفه قائلاً: "لقد تم عزل شعوبنا عن واقع الصراع. ما يتم تلقينه هو ثقافة سلام سلبية على غرار غاندي. لكن لتحقيق ذلك، لا بد من وجود منظومة دفاعية متينة لضمان بيئة سياسية تكفل سلامة كل من يرغب في اتباع نهج سلمي".
في خطابه في دافوس، جادل كارني - الذي يُشير ترامب أحياناً إلى بلاده باعتبارها الولاية الحادية والخمسين المستقبلية - بأن القوى المتوسطة، مثل كندا، لا خيار أمامها سوى التعاون مع دول مماثلة لتجنب "الخضوع" للقوى المهيمنة عالمياً.
اظهار أخبار متعلقة
ومنذ ذلك الحين، سارعت الدول الأوروبية والديمقراطيات الآسيوية وكندا إلى تعزيز علاقاتها العسكرية والاقتصادية والأمنية، جزئياً للحد من اعتمادها على الولايات المتحدة والصين.
يقول عالم السياسة الفرنسي نيكولا تينزر: "إذا اتحدت القوى المتوسطة، فبإمكانها مواجهة القوى العظمى. لا تستطيع أي منها فعل ذلك بمفردها، لكن لديها مجتمعةً وسائل لفرض القرارات، سواء عسكرياً أو بموجب القانون الدولي. هناك مجال للتحرك، وإن لم يكن ذلك سهلاً".
التاريخ دليل على مخاطر غطرسة القوى العظمى. ففي عام 416 قبل الميلاد، انتهى رفض الخضوع لأثينا، القوة العظمى في العصور القديمة، نهاية وخيمة لسكان جزيرة ميلوس.
وكما ذكر ثوسيديدس، فقد قُتل جميع رجالهم، واستُعبد الأطفال والنساء. ومع ذلك، في نهاية المطاف، ارتدت هذه النزعة الإمبراطورية الغاضبة على أثينا: فقد خسرت الحرب الأوسع نطاقاً للسيطرة على اليونان.