كيف فقد الكونغرس الأمريكي صلاحية إعلان الحرب لصالح الرئيس؟

أكدت "نيويورك تايمز" أنّ الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس وحده صلاحية "إعلان الحرب"- الأناضول
أكدت "نيويورك تايمز" أنّ الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس وحده صلاحية "إعلان الحرب"- الأناضول
شارك الخبر
نشرت صحيفة "واشنطن بوست" تقريراً تناولت فيه كيفية فقدان الكونغرس الأمريكي لصلاحيته الدستورية في إعلان الحرب لصالح السلطة التنفيذية، مستعرضة المراحل التاريخية التي أدّت إلى هيمنة الرؤساء على سياسات الحرب والسلام.

أفادت الصحيفة، في تقريرها الذي ترجمته "عربي21"، أنّ الدستور الأمريكي يمنح الكونغرس وحده صلاحية "إعلان الحرب". ومع ذلك، تدخل الحرب الأمريكية، التي استهدفت في البداية إسقاط الحكومة الإيرانية، شهرها الخامس رغم عدم صدور أي تفويض من الكونغرس، بل وصوت المجلسان الشهر الماضي بأغلبية من الحزبين لإنهائها .

وأوضحت الصحيفة أنّ الصراع مع إيران يُظهر بوضوح كيف فقد الكونغرس صلاحية إعلان الحرب التي عهد بها الآباء المؤسسون إليه. وفي شؤون الحرب والسلم، جرى تعديل الدستور عملياً دون إجراء أي تصويت، وقد حدث ذلك عبر ثلاث مراحل.

أشارت الصحيفة إلى أنّ المرحلة الأولى بدأت مبكراً استجابة للتهديدات العالمية، فرغم منح الدستور للرئيس حق الدفاع الطارئ وللكونغرس قرار إعلان الحرب، إلا أنّ هذا التمييز تداخل سريعاً. وكما أوضح آرثر شليزنجر، فإنّ حجة "الدفاع ضد الهجوم الوشيك" طمست الفارق الذي وضعه الآباء المؤسسون بين الحرب الهجومية والدفاعية. 

ولطالما استخدم الرؤساء الأمريكيون القوة خارج الحدود تحت ذريعة الدفاع عن النفس، مثل غزو فلوريدا عام 1818. وكان التمييز الذي وضعه الآباء المؤسسون بين الحرب الدفاعية والهجومية مثالياً للغاية لدرجة حالت دون صموده أمام الواقع، فمن النادر أن تجد دولة لا تبرر حملاتها العسكرية باعتبارها دفاعاً عن النفس. 

اظهار أخبار متعلقة



ونقلت الصحيفة عن وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس قولها هذا الشهر تعليقاً على التهديد الإيراني: "عندما أسمع: "لم يكن وشيكاً"، أتساءل: هل تريدون حقاً الانتظار حتى يصبح وشيكاً؟"، مشيرة إلى أنّ رايس محقة في أن القائد الأعلى قد يمتلك مبرراً لمهاجمة دولة لمنع تحولها لتهديد وشيك، غير أن جوهر الدستور يكمن في إبقاء قرار خوض مثل هذه الحروب بيد ممثلي الشعب في الكونغرس.

وإذا كان الفصل بين التهديدات الوشيكة والتهديدات البعيدة صعباً منذ البداية، فإنّ المرحلة التالية من التحول الدستوري بدأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إذ وجدت الولايات المتحدة نفسها القوة العظمى الرائدة عالمياً بشبكة قواعد عسكرية عابرة للقارات عقب هزيمة ألمانيا واليابان، فيما أدّت عقود المواجهة مع الاتحاد السوفيتي إلى طمس الخط الفاصل بين الحرب والسلام.

واستشهدت الصحيفة بورقة بحثية أعدّها جيه جونسون وإيثان كلاريس بمركز الأمن القومي في جامعة جورج تاون، حيث أوضحت أنّ هذه الظروف الدولية مهدّت الطريق "لإعادة هيكلة عميقة لصلاحيات الحرب"، مع إبراز الحرب الكورية غير المعلنة لتفوق الرئيس. كما أسهمت تقنيات الحرب الحديثة، ولا سّيما تهديد الدمار النووي الفوري عبر الصواريخ الباليستية، في تركيز السلطة بيد السلطة التنفيذية لقدرتها على التحرك السريع والسري.

وذكرت الصحيفة أنّ الكونغرس حاول استعادة صلاحيات الحرب بعد حرب فيتنام عبر "قرار سلطات الحرب لعام 1973"، لكن دون جدوى، إذ يمنح القانون المجلسين القدرة على توجيه الرئيس لوقف الحرب، وهو ما فعله الكونغرس للمرة الأولى الشهر الماضي. لكن الرؤساء يستطيعون استخدام حق النقض أو تجاهل تلك القرارات، فقد ادعى ترامب عقب تصويت حزيران/ يونيو أنّه أوقف الحرب مع إيران ثم استأنفها بعد انهيار "مذكرة التفاهم".

الشيء الوحيد الأسوأ من استحواذ الرئيس على صلاحيات الكونغرس الحربية هو أن يعتمد الرئيس عليها لتأخذ الحرب منحىً كارثياً. وكما يُشير جونسون وكلاريس، فإنّ تصويت عام 2002 للموافقة على حرب جورج دبليو بوش في العراق "علّم أعضاء الكونغرس أنّ التصويت لصالح الحرب _إلا في أشد الظروف إلحاحاً_ قد يشكل خطراً على مستقبلهم السياسي".

اظهار أخبار متعلقة



وإذا كان الكونغرس لا يرغب في التصويت على خوض الحروب، فلماذا يسعى الرؤساء للحصول على التفويض؟ فالاستقطاب الحزبي والتعطيل التشريعي "الفيليباستر" في مجلس الشيوخ يجعلان هذه الجهود عبثية، إذ لم يفوض الكونغرس استخدام القوة منذ حرب العراق رغم استمرار القتال في الشرق الأوسط، لتشكل تداعيات الحرب على الإرهاب المرحلة الثالثة من انهيار دور الكونغرس.

وتابعت الصحيفة أنّ السياسة الخارجية الأمريكية أصبحت "ما بعد دستورية"، حيث حلت "الاتفاقيات التنفيذية" محل المعاهدات التي يقرها مجلس الشيوخ، وباتت صلاحيات الحرب التشريعية متركزة أساساً لدى السلطة التنفيذية. ولا يمثل ذلك بالضرورة كارثة على المدى القريب، فكما جادل إيريك بوسنر وأدريان فيرميول في كتابهما الصادر عام 2011 "الرئاسة المطلقة"، فإن الرئيس غير المقيد مؤسسياً يظل مقيداً بالرأي العام، وهو ما يبدو جلياً في معايرة ترامب لاستراتيجيته تجاه إيران ترقباً لانتخابات التجديد النصفي، فضلاً عن دور الأسواق كمكبح قوي أمام نزوع الرؤساء نحو الحروب.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أنّ الكونغرس يمتلك سلطة حجب التمويل، لكن استخدامها لحرمان الجيش من الاعتمادات احتجاجاً على حرب معينة يبدو أمراً محرجاً وربما عقيماً في ظل حاجة الأسلحة الحديثة لسنوات من التطوير وتربص الخصوم الأقوياء بالولايات المتحدة. وربما يكون استيلاء الرئيس على سلطة شن الحرب أمراً جيداً لأمن أمريكا. أما ما إذا كان ذلك جيداً للديمقراطية التمثيلية، فهذه مسألة أخرى.

التعليقات (0)