نشرت
صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا قالت فيه إن جماعة أنصار الله
الحوثي المسلحة في
اليمن والمدعومة من
إيران استغلت
لحظة ضعف تمر بها
السعودية المجاورة، آملة في انتزاع تنازلات سياسية داخل اليمن.
فبعد
أربع سنوات من الجمود السياسي في اليمن، تزايد شعور الحوثيين بالإحباط، تحولت
الهدنة بين الجماعة المسلحة المدعومة من إيران والسعودية المجاورة إلى حالة من
الجمود الهش، وشعر الحوثيون الذين لم يكن لديهم الكثير ليخسروه برغبة في بسط
سيطرة أكبر على اليمن وموارده النفطية.
ومن
جانبهم، لم يكن لدى المسؤولين السعوديين أي رغبة في خوض مواجهة أخرى مع الحوثيين؛
إذ كانت حملة القصف السابقة التي شنّوها في اليمن قد تحولت إلى مستنقع استمر عقدا
من الزمن، وساهمت في مقتل مئات الآلاف من اليمنيين جراء العنف والجوع والمرض.
وكانوا يسعون لتجنب صراع آخر مكلف قد يهدد خططهم الرامية إلى تحويل المملكة إلى
مركز للأعمال والسياحة.
وفي
خضم هذا الوضع المتفجر، أشعلت الحرب الأمريكية مع إيران شرارة جديدة؛ فخلال
الأسابيع القليلة الماضية، انخرط الحوثيون والسعودية في مواجهات جديدة تنذر
بالتصعيد لتتحول إلى حرب شاملة أخرى.
يقول
فارع المسلمي، الباحث المتخصص في الشأن اليمني في مؤسسة "تشاتام هاوس"
البحثية ومقرها لندن: "لدى الحوثيين حل واحد لكل مشكلة في العالم، وهو خوض
الحرب". ويضيف: "السعوديون يحلون كل مشكلة بمحاولة إغراقها بالمال،
بينما يحلها الحوثيون بإطلاق النار عليها".
ودفعت الحرب السابقة بين السعودية والحوثيين اليمن إلى حافة المجاعة، قبل أن تتوقف بموجب
هدنة هشة عام 2022.
اظهار أخبار متعلقة
وبحلول ذلك الوقت، كان الحوثيون قد أقاموا سلطة أمر واقع في
شمال اليمن، بينما كان الجنوب خاضعا اسميا لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها
دوليا، والتي تعتمد ماليا وعسكريا على السعودية. وفي نهاية المطاف، تعثرت
المحادثات الرامية للتوصل إلى اتفاق سلام دائم.
لم يكن
لتلك الحالة من الغموض والجمود أن تستمر طويلا، إلا أن السعودية المنشغلة بأزمات
أخرى بدت وكأنها تأمل في أن يستمر الوضع لفترة أطول قليلا.
وصرح السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، في منشور على وسائل التواصل
الاجتماعي يوم السبت، بأن المملكة حريصة على خفض التصعيد. حمّل الحوثيين مسؤولية
"الإصرار على نهج التصعيد والعنف"، واتهمهم بخدمة أجندات خارجية، في
إشارة واضحة إلى إيران.
غير أن
الحوثيين الذين صقلتهم المعارك قد يرون أنهم سيجنون مكاسب كبيرة من مواجهة جديدة
مع السعودية، بما في ذلك السيطرة على عائدات النفط اليمني وتعزيز سلطتهم داخل
البلاد، وذلك وفقا لمسؤولين ودبلوماسيين تعاملوا مع هذه الجماعة المسلحة.
وقال
عبد الملك الحوثي، زعيم الجماعة، في خطاب متلفز ألقاه في 16 تموز/ يوليو عقب
تصاعد التوتر مع السعودية: "نفوسنا مستعدة لأي مستوى من التضحية".
تزايد
خطر اندلاع حرب شاملة جديدة
يتحرك
الحوثيون دعما لحليفتهم الرئيسية، إيران، وكذلك بهدف إجبار السعودية والمجتمع
الدولي على تقديم تنازلات سياسية بشأن الملف اليمني، وفقا لباحثين يدرسون تحركات
الجماعة، فخلال
الأسبوع الماضي، أطلق الحوثيون صواريخ ومسيّرات باتجاه السعودية وسفن في البحر
الأحمر، مما أدى إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية التي تعاني أصلا من حالة عدم
استقرار، في حين شنّ التحالف العسكري بقيادة السعودية غارات جوية على مناطق خاضعة
لسيطرة الحوثيين للمرة الأولى منذ سنوات.
وتقول
أبريل ألي وهي محللة عملت في ملف عملية السلام في اليمن لصالح الأمم المتحدة
وتشغل حاليا منصب زميل أول في معهد واشنطن: "هناك قلق حقيقي من احتمال تجدد
الحرب الداخلية في اليمن".
يستند
هذا التقرير حول الوضع في اليمن إلى مقابلات مع مسؤولين يمنيين، ودبلوماسيين
غربيين حاليين وسابقين شاركوا في عملية السلام اليمنية، ومحللين إقليميين. وقد
تحدث الكثير منهم شريطة عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة تفاصيل مفاوضات سياسية حساسة.
ويرى
محللون أن الحوثيين اختاروا توقيتا تتسم فيه السعودية بالضعف؛ فالمملكة تصدّر عادة
معظم نفطها عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائي ضيق تسيطر عليه إيران فعليا منذ بدء الحرب
الإيرانية، مما جعل المملكة تعتمد الآن على البحر الأحمر لتصدير النفط الذي يُعد
شريان الحياة لاقتصادها.
وقالت ألي:
"يجيد الحوثيون اقتناص الفرص عند استشعار الضعف لدى الخصم".
وأوضح
أحمد ناجي، وهو محلل أول متخصص في الشأن اليمني لدى "مجموعة الأزمات
الدولية"، أن الرد السعودي حتى الآن كان مدروسا ومحسوبا بدقة لتجنب الانجرار
إلى حرب أوسع نطاقا، لكنه أضاف أن الامتناع التام عن الرد قد يؤدي إلى تشجيع الحوثيين
وزيادة جرأتهم.
وقال:
"لقد وُضع السعوديون في زاوية حرجة، وهم يشعرون بأن الصمت سيكبدهم ثمنا باهظا".
وفي
خضم هذا الصراع على السلطة، يعاني عشرات الملايين من المواطنين اليمنيين من حرمان
واسع النطاق؛ حتى أن بعضهم يرى أن العودة إلى القتال قد تكون أهون عليهم من حالة
اليأس التي يعيشونها حاليا.
يقول
أيمن عبد الحق، وهو سائق سيارة أجرة يبلغ من العمر 43 عاما وأب لأربعة أطفال،
ويقيم في العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين: "لقد سئمنا هذه المعاناة،
وكنا بحاجة إلى مخرج، سواء كان ذلك عبر الحوار أو الحرب". ويضيف: "الناس
يبحثون دائما عن انفراجة للأزمة، مهما كانت العواقب".
بدأ
الحوثيون كجماعة متمردة غير منظمة من الشيعة في المناطق الجبلية شمال اليمن،
رافعين شعارا يدعو إلى "الموت لأمريكا وإسرائيل". وبدعم إيراني، أشعلوا
فتيل حرب أهلية من خلال الاستيلاء على العاصمة في عام 2014، والإطاحة بالحكومة
المعترف بها دوليا في صنعاء.
وقد
أثارت فكرة وجود ميليشيا مدعومة من إيران على حدودها قلق السعودية -التي تجاور
اليمن من الشمال- مما دفع تحالفا عسكريا بقيادتها إلى شن حملة قصف جوي ودعم القوات
المناهضة للحوثيين داخل اليمن في مساعيها لاستعادة الحكومة.
لكن
الحرب طال أمدها، وتراجعت السعودية وسط ضغوط دولية بشأن دورها في تفاقم الأزمة
الإنسانية الحادة أصلا في اليمن.
ولا
يزال المسؤولون السعوديون، حتى من بعيد، يملكون الكلمة الفصل في مجموعة متنوعة من
الشؤون اليمنية.
تزايد
شعور الحوثيين بالإحباط بمرور الوقت إزاء الهدنة مع السعودية
في
البداية، بدا أن الإنهاك العسكري والإرادة السياسية لدى الجانبين قد يفضيان إلى
سلام دائم، ففي أواخر عام 2023، وبمساعدة الأمم المتحدة، اقتربت السعودية
والحوثيون من توقيع اتفاق سلام أولي أشار إليه المسؤولون بـ "خارطة
الطريق" كان من شأنه أن يضع إطارا لحل سياسي طويل الأمد، وذلك وفقا
لمسؤولين يمنيين وغربيين شاركوا في تلك الجهود.
وكان
أحد العناصر الرئيسية في ذلك الاتفاق هو التوصل إلى تفاهم يتيح دفع رواتب موظفي
الحكومة اليمنية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وهي الرواتب التي كانت قد
توقفت خلال الحرب، وقد كان المبلغ المعني كبيرا، إذ تراوح بين مليار وملياري دولار
سنويا، وفقا لما ذكره دبلوماسيان غربيان ومسؤول يمني اطلعوا على الخطة.
وأوضح
هؤلاء أن الأموال كان من المفترض أن تأتي بشكل أساسي من عائدات النفط اليمني، مع
توفير تمويل حكومي سعودي إضافي لسد أي عجز، بحسب المسؤول اليمني؛ علما بأن موارد
النفط اليمنية تقع خارج المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وكان الحوثيون يسعون
بشدة للحصول على إمكانية الوصول إليها.
غير
أنه قبل إتمام الاتفاق، أدى الهجوم الذي قادته حركة حماس على إسرائيل في تشرين
الأول/ أكتوبر 2023، وما تلاه من حرب إسرائيلية مدمرة في غزة، إلى عرقلة عملية
السلام في اليمن. فقد أعلن الحوثيون عن حملة عسكرية تضامنا مع الفلسطينيين، شملت
إطلاق صواريخ ومسيرات نحو إسرائيل وسفن في البحر الأحمر.
اظهار أخبار متعلقة
وطوال
فترة الحرب في غزة، تجنب الحوثيون مهاجمة السعودية، لكن هجماتهم
في البحر الأحمر أثارت غضب الدول التي تعتمد على هذا الممر المائي في عمليات
الشحن. وعندما بدأ الرئيس ترامب ولايته الثانية في عام 2025، صنف الحوثيين كمنظمة
إرهابية أجنبية وشن حملة قصف ضدهم.
وأشار
المسلمي، الباحث في معهد "تشاتام هاوس"، إلى أن هذا التصنيف فاقم الوضع
الاقتصادي المتردي أصلا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كما شكل تزايد السخط
الشعبي ضغطا على الجماعة.
أما
أبو بكر النعمان، وهو أب لطفلين يبلغ من العمر 48 عاما ويقيم في صنعاء، فكان يتقاضى
راتبا شهريا يبلغ نحو 130 دولارا بصفته موظفا حكوميا، لكنه يقول إنه يواجه الآن
صعوبة في توفير ما يكفي من الغذاء والماء لأسرته لتدبير أمور يومهم؛ ومثله مثل
كثيرين، بات يتوق بشدة إلى مخرج من هذا الوضع، وقال:
"التصعيد هو الحل".
بعد
البقاء في الغالب خارج الصراع الأمريكي الإيراني، الحوثيون ينخرطون في المواجهة قال
محمد البخيتي، وهو مسؤول سياسي بارز في جماعة الحوثي، في مقابلة صحفية، إن
السعودية فشلت "في تنفيذ أي من بنود خارطة الطريق، وعلى رأسها دفع رواتب جميع
موظفي الدولة".
وأضاف
أن السعودية تتحمل مسؤولية التصعيد الراهن، متهما المملكة بفرض قيود جائرة على
حركة الطيران والشحن المتجهة إلى اليمن، وهي القيود التي يصفها الحوثيون -والعديد
من اليمنيين المقيمين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم- بأنها حصار.
في
شباط/ فبراير، حين اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من
جهة أخرى، بدا أن الحوثيين يميلون إلى البقاء على الحياد. ولكن بعد مرور أشهر،
وانهيار اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، تغيرت الحسابات لدى
الحوثيين.
ويرى
العديد من المحللين أن هذا التغير ربما جاء نتيجة ضغوط إيرانية تدفعهم للانخراط في
الصراع، رغم أن التدخل يخدم أيضا أهداف الحوثيين الخاصة.
في هذا
الشهر، بدأ الحوثيون بالإصرار على هبوط طائرة إيرانية في صنعاء، حيث كانت الرحلات
الجوية متوقفة منذ عام؛ وقد وصف مسؤولون حوثيون وصول الطائرة بأنه محاولة لكسر
الحصار.
وفي
إطار تقديم أنفسهم بصفتهم الحكومة الشرعية لليمن، طالبت الجماعة برفع كافة القيود بما في ذلك نظام التفتيش التابع للأمم المتحدة المفروضة على الطائرات والسفن
الداخلة إلى الأراضي الخاضعة لسيطرتهم.
وذكر
دبلوماسي غربي أن هناك محادثات جارية بشأن استئناف الرحلات الجوية، إلا أن
الحوثيين رفضوا عدة مقترحات في هذا الصدد.
وعندما
حاولت طائرة إيرانية ثانية الهبوط في صنعاء، اتهم الحوثيون المملكة العربية
السعودية بقصف المطار. ومن جانبها، أعلنت الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية
أنها شنت غارات جوية لإجبار الطائرة على تغيير مسارها، واتهمت الحوثيين باستغلال
هذه الرحلات لجلب أسلحة إيرانية، وهو ما نفاه الحوثيون.
اظهار أخبار متعلقة
وعقب
ذلك، أعلن الحوثيون فرض حصار على السفن السعودية في البحر الأحمر، وشهدت الفترة
اللاحقة تبادلا للاتهامات بشن هجمات متبادلة بين الطرفين.
وقد
يتوقف احتمال تصاعد الأوضاع بشكل أكبر على موقف إدارة ترامب.
وفي
هذا السياق، صرح مسؤول رفيع المستوى في إدارة ترامب لصحيفة "نيويورك
تايمز" بأن الولايات المتحدة ستمكّن حلفاءها من تولي زمام المبادرة في قضايا
الأمن الإقليمي، وأنها تدعم التوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة في اليمن.
وفي 23
تموز/ يوليو، هدد ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بإنزال "عقاب عسكري
كبير" بالميليشيا إذا ما واصلت هجماتها على ناقلات النفط السعودية، معربا عن
خيبة أمله إزاء تصرفات الحوثيين، ومشيرا إلى أنهم كانوا "يتصرفون بمهنية
وذكاء كبيرين حتى ذلك الحين".