نشر موقع "العربية Business"، الثلاثاء الماضي، خبرا حصريا يقول إن
مصر تعمل على إعداد قانون خاص بجهاز "
مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، يصبح بموجب بنوده الجهاز التابع لـ"القوات الجوية" المصرية أحد أجهزة الدولة المدنية، مع توسيع أعماله بنقل تبعية شركات الدولة التي تتشابه أنشطتها مع أنشطته، إليه.
وقال الموقع نقلا عن مصادر لم يذكرها إن التشريع المرتقب سيُنهي تبعية الجهاز للقوات المسلحة المصرية، ليصبح كياناً مدنياً تابعاً للدولة، مع منحه إطاراً قانونياً أكثر وضوحاً لتنظيم اختصاصاته وآليات عمله في خطوة تستهدف توسيع صلاحياته وإعادة تحديد طبيعته المؤسسية.
وفي الخبر الذي قامت إدارة العربية بحذفه لاحقا، أكد أن "القانون الجديد سيفتح الباب أمام الحكومة لنقل تبعية عدد من شركات الدولة التي تتقاطع أنشطتها مع مجالات عمل الجهاز، بما يعزز من دوره كمظلة تنفيذية واستثمارية لمشروعات كبرى في قطاعات الزراعة والصناعة والتخزين".
الخبر الذي لم يصدر عن السلطات المصرية أية ردود فعل حوله بالنفي أو الاثبات أو التصحيح لمحتواه، قرأه الباحث في الشؤون القانونية عباس قباري، ضمن عدة احتمالات قائلا عبر حسابه على منصة الفيسبوك: "إما أنه من الأساس غير صحيح"، أو أنه "تحفيز لصناعة رأي عام حول دور الجهاز لمصلحة جهة ما"، أو أن هناك "خلاف حول تمرير القانون أو رفض لتغيير تبعية الجهاز".
ويتزامن صدور الخبر المحذوف مع لقاء رئيس وحدة الشركات المملوكة للدولة، هاشم السيد، مع موقع "العربية"، أجاب فيه على سؤال: هل تخضع شركات جهاز الخدمة الوطنية لرقابة إدارة شركات الدولة؟، حيث رد قائلا: "بالطبع"، مؤكدا أن الجهاز العسكري "من أكثر الجهات انضباطا في التعامل مع الوحدة، ويتماشى مع الوحدة في كل الإجراءات، ونراجع معهم ما يتم من إجراءات".
وأضاف: "إحدى الشركات التابعة للجهاز نقوم بعمل لها رفع رأسمالها"، دون أن يذكر اسم الشركة، مبينا أنهم في الوحدة يعملون على برامج تنظيم مع كل الجهات وبينها الجيش، ما يشير إلى تغييرات محتملة في ملف مليكة وهيكلة وطروحات شركات الجيش.
ومنذ ظهر جهاز "مستقبل مصر"، شديد الغموض، وكثير التكليفات، والذي نال الكثير من الأعمال على حساب أجهزة حكومية، ومازال دوره وأعماله وميزانيته وأرباحه من الأمور الغامضة، بقرار
السيسي (591 لعام 2022)، أيار/ مايو 2022، ليتحول من مشروع زراعي بمحور الضبعة إلى كيان عملاق يهيمن على ملفات الأمن الغذائي والتصنيع الزراعي، والبحيرات، وصيد الأسماك، والتشييد وغيرها.
وفي وقت قصير أخذ الجهاز من صلاحيات جهاز "حماية وتنمية البحيرات"، و"هيئة الثروة السمكية"، وأدوار أجهزة تابعة لوزارات الزراعة والتموين، مثل "الهيئة العامة للسلع التموينية"، ويقوم بمشروعات زراعية كـ"الدلتا الجديدة"، وصناعية كمدينة "مستقبل مصر الصناعية"، وإسكان وتطوير عقاري مثل مشروع "جريان".
ويرى مراقبون أن الحديث عن وجود قانون خاص بالجهاز العسكري قد يكون إحدى توجيهات صندوق النقد الدولي، الذي يطالب بضرورة تخارج المؤسسة العسكرية من الاقتصاد وتقليص عدد شركات الجيش التي أكد أنها "97 شركة، بينها 73 تعمل في القطاع الصناعي وحده".
وعلى سبيل المثال، انتقد بيان المراجعة الرابعة في 16 تموز/يوليو 2025 عدم الحد من "دور الشركات المملوكة للدولة والجيش التي تتمتع بمعاملة تفضيلية في شكل إعفاءات ضريبية والحصول على الأراضي المهمة والعمالة الرخيصة".
وفي حين تتواصل مطالبات صندوق النقد، وانتقادات المعارضة ودعوات خبراء اقتصاد لتخفيف حصة شركات الجيش في الاقتصاد وإخضاع أعمالها لإدارة ورقابة وموازنة الدولة، لم تنفذ الحكومة المصرية ما أعلنت عنه مرارا من صفقات لطرح شركتي "صافي" و"وطنية" منذ منتصف 2022، واللتين أضيف عليهما 3 شركات أخرى تابعة للجيش هي: "سايلو فودز"، و"شيل أوت"، والوطنية للطرق"، دون تنفيذ حقيقي على الأرض.
وفي آب/ أغسطس 2024، وتحت عنوان: "السيسي يخسر الجولة"، أشار تقرير للباحث في "مركز مالكوم كير-كارنيغي"، يزيد صايغ، لـ"هزيمة السيسي أمام قادة الجيش" بملفات: "بيع شركات الإمبراطورية العسكرية"، و"دخول المستثمرين الأجانب للمنطقة الاقتصادية بقناة السويس"، و"تهجير الفلسطينيين لشمال سيناء"، مؤكدا على إقدام "القوات المسلحة بصورة مستمرة على عرقلة عملية بيع الشركات المملوكة للمؤسسة العسكرية".
وفي إجابته على السؤال: ماذا لو تمت هيكلية إمبراطورية جهاز "مستقبل مصر"، وبعض شركات الجيش وجهاز الخدمة الوطنية، تحدث الخبير المصري في الاستراتيجية وإدارة الأزمات، الدكتور مراد علي، لـ"عربي21".
الممنوع أصبح مطروح
وقال: "لسنا أمام تصريح عابر أو زلة لسان منفصلة عن السياق؛ فهناك سلسلة من الإشارات المتتابعة: حديث عن تجهيز شركتين تابعتين لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للطرح، ومراجعة زيادة رأسمال إحدى شركاته، ثم معلومات عن إعداد قانون يعيد تحديد الوضع القانوني والتبعية المؤسسية لجهاز مستقبل مصر".
ويرى أن "هذه التصريحات، عند جمعها معًا، تشير إلى أن ملف الشركات والكيانات الاقتصادية التابعة للمؤسسة العسكرية أصبح مطروحًا بالفعل داخل دوائر صنع القرار، ولو في صورة دراسات ومقترحات أولية؛ لكن يجب التمييز بين وجود اتجاه للنقاش وبين صدور قرار نهائي قابل للتنفيذ؛ فما زلنا حتى الآن أمام معلومات وتصريحات، لا أمام هيكل جديد مكتمل ونافذ".
علي، أكد أنه "علينا أولًا التمييز بين نوعين من إعادة الهيكلة: الأول شكلي، تتغير فيها التبعية القانونية أو أسماء مجالس الإدارات، بينما تظل الإدارة الفعلية والتدفقات المالية وآليات التعاقد والرقابة كما هي؛ وهذه لا تمثل إصلاحًا اقتصاديًا حقيقيًا".
"أما النوع الثاني فهو إعادة هيكلة جوهرية، تعني إخضاع هذه الكيانات لقواعد الشركات العامة نفسها: قوائم مالية مدققة، وإفصاح عن الأصول والديون والعقود، ومجالس إدارة مهنية، ورقابة مدنية، ومساواة ضريبية وتنافسية مع القطاع الخاص، وإخضاع المشتريات والتعاقدات لقواعد واضحة".
ويعتقد أنه "إذا حدث النوع الثاني، فسنكون أمام تحول اقتصادي بالغ الأهمية، وربما يكون أهم إصلاح هيكلي في الاقتصاد المصري منذ سنوات طويلة؛ وحينها، قد يكون العائد كبيرًا، لكنه مشروط بالشفافية وحسن التنفيذ".
ما العائد على الدولة؟
يرى الخبير المصري أولًا، أن "الدولة ستتمكن للمرة الأولى من معرفة القيمة الحقيقية لهذه الأصول، وحجم إيراداتها ومصروفاتها وديونها والتزاماتها؛ فلا يمكن إدارة اقتصاد حديث بينما توجد كيانات ضخمة خارج نطاق الإفصاح المالي الكامل".
ولفت ثانيًا، إلى "تحسن المنافسة؛ لأن المستثمر الخاص لا يستطيع منافسة شركة تتمتع بالأرض أو التمويل أو الإعفاءات أو التعاقدات المباشرة بشروط لا تتوافر لغيرها؛ فإخضاع الجميع لقواعد واحدة يعيد الثقة إلى السوق ويشجع الاستثمار المحلي والأجنبي".
وثالثًا، ألمح إلى إمكانية "استخدام حصيلة طرح حصص من الشركات الناجحة في خفض الدين العام، بدلًا من استهلاكها في إنفاق جارٍ أو تحويلها إلى صناديق وحسابات لا تدخل بصورة واضحة في الموازنة العامة؛ وهذه مسألة بالغة الأهمية في ظل استحواذ فوائد الدين على جانب هائل من إيرادات الدولة".
وأشار إلى أن "الإدراج في البورصة أو دخول مستثمرين استراتيجيين يفرض قدرًا أكبر من الإفصاح والحوكمة والمحاسبة، ويمنع استخدام الشركات كصناديق مغلقة أو أدوات لتنفيذ قرارات غير اقتصادية"، يعد رابع مكاسب الدولة.
وأضاف: "قد يسمح الإصلاح بإعادة توجيه المؤسسة العسكرية إلى مهمتها الأصلية والأساسية: حماية البلاد ورفع الكفاءة القتالية، بدلًا من تحميل الضباط والمؤسسة مسؤوليات إنتاج الغذاء والطرق والأسمنت والسلع الاستهلاكية وإدارة الفنادق والمشروعات التجارية"، معتبرا أنها خامس المكاسب.
هل ستسمح القيادات العسكرية بتنفيذ هذه الهيكلة؟
يرى علي، أن "هذا هو السؤال الأصعب، والإجابة تتوقف على عمق الإصلاح"، موضحا أنه "قد تقبل القيادات العسكرية بإعادة هيكلة محدودة أو تدريجية إذا ضمنت الحفاظ على مصالح المؤسسة، وعدم تعريض العاملين فيها لهزة مفاجئة، وعدم تقديم الإصلاح باعتباره إدانة للجيش أو انتقاصًا من مكانته".
واستدرك: "لكن المقاومة ستكون أكبر إذا امتدت الهيكلة إلى جوهر النفوذ الاقتصادي: السيطرة على التدفقات المالية، وتعيين مجالس الإدارات، والحق في إبرام العقود، وإدارة الأراضي والأصول، والإفصاح عن الأرباح والمكافآت، والخضوع الكامل للأجهزة الرقابية المدنية".
وأضاف: "بعبارة أوضح: قد يُسمح بتغيير اللافتة القانونية، لكن الاختبار الحقيقي هو: هل ستنتقل الإدارة والرقابة والأموال بالفعل إلى مؤسسات الدولة المدنية؟ أم ستتغير التبعية على الورق فقط؟".
إمبراطورية الجيش
وشارك الجيش بقوة بكل قطاعات الاقتصاد، وجرى استثناءه من الضرائب والجمارك والقيود الحكومية على أعماله التي لم تخضع لمراجعات الأجهزة الرقابية، ولا يتم نشر أرقامها الرسمية.
المؤسسة العسكرية تنتج الحديد والأسمنت ومواد البناء والمحاجر، والسلع الاستهلاكية المعمرة والملابس، والمواد، والأغذية والمشروبات والتبغ، والسيارات وقطع الغيار، والبيع بالتجزئة.
وكذلك الإعلام والترفيه، وأشباه الموصلات ومعدات أنظمة النقل الذكية، والمعدات الصلبة والتجهيزات التكنولوجية، وذلك وفقا لتقرير أصدره البنك الدولي، في كانون الأول/ ديسمبر 2020.
ويمتلك الجيش 3 كيانات عسكرية تعمل بالمجالين العسكري والمدني، هي وزارة الإنتاج الحربي ولديها 20 مصنعا، والهيئة العربية للتصنيع، ولديها 12 مصنعا، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية ويدير 13 مصنعا، وفق مواقع الهيئات العسكرية على الإنترنت.
ويعمل آلاف الضباط واللواءات المتقاعدين، بشركات ومصانع الجيش لتصنيع الإلكترونيات، والأجهزة المنزلية، والسيارات، واللحوم والدواجن، والأسماك، والمواد الغذائية والطرق والإسمنت، والمقاولات، والسكك الحديد، وقطاع التعدين، والاستصلاح الزراعي وغيرها.
وتتمتع مشروعات الجيش بإعفاء من ضريبة القيمة المضافة التي تم فرضها بقانون عام 2016، ومن الضريبة العقارية بقرار وزير الدفاع عام 2015، ومن ضريبة الدخل حسب قانون بعام 2005، ومن رسوم الاستيراد وفقا لقانون بعام 1986.
احتكاك محتمل بين السيسي وجنرالاته
وفي إجابته على السؤال: "ماذا لو تم تنفيذ الهيكلة، هل يمثل ذلك نقطة سوداء في رداء السيسي لدى الجيش؟، بين الخبير في الاستراتيجية وإدارة الأزمات أن "الأدق أن نقول إنه قد يمثل نقطة احتكاك محتملة، وليس بالضرورة نقطة سوداء أو قطيعة مع المؤسسة العسكرية".
ويرى أن "الرئيس السيسي هو الذي توسع في الاعتماد على الجيش في النشاط الاقتصادي، وربط قطاعات واسعة من المشروعات القومية والإنشائية والغذائية بالمؤسسة العسكرية؛ ولذلك فإن أي تراجع جوهري عن هذا النموذج قد يُفهم داخل بعض الدوائر باعتباره تخليًا عن سياسة استمرت أكثر من عقد، أو استجابة لضغوط الأزمة المالية وصندوق النقد والمستثمرين".
واستدرك: "لكن القيادة السياسية تستطيع، في المقابل، تقديم إعادة الهيكلة باعتبارها وسيلة لحماية المؤسسة العسكرية، لا لإضعافها: أي إخراج الجيش من الأعباء التجارية، وتحسين قيمة أصوله، وضمان استدامتها، وإعادته إلى وظيفته الدستورية الأصلية".
ويعتقد أن "طريقة التنفيذ والخطاب المصاحب لها ستحدد رد الفعل؛ إذا جرى الأمر بالإكراه، وبلا تفاهمات، وبما يمس شبكات المصالح بصورة مفاجئة، فقد يخلق توترًا حقيقيًا، أما إذا تم تدريجيًا، مع ضمانات وتعويضات وترتيبات تحفظ للمؤسسة مكانتها، فقد يجري استيعابه".
ودعا علي، إلى "نشر حصر كامل للشركات والكيانات والأصول التابعة للجيش وأجهزة الدولة، وإعداد قوائم مالية مدققة من جهات مستقلة ومعلنة للجمهور، وتقييم الأصول بواسطة بنوك استثمار وخبراء مستقلين قبل أي طرح أو بيع، وتوريد حصيلة البيع أو الطرح إلى الخزانة العامة واستخدامها في خفض الدين، وإلغاء أي امتيازات ضريبية أو جمركية أو تمويلية غير متاحة للقطاع الخاص".
وأيضا: "تطبيق قواعد المنافسة والمشتريات العامة على الجميع دون استثناء، ومنع تضارب المصالح، وعدم السماح لمن يدير الأصل أو يراقبه بأن يكون هو نفسه مستفيدًا من عملية بيعه، وإخضاع هذه الكيانات لرقابة البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات ونشر نتائج الرقابة، ووضع جدول زمني معلن لانسحاب الدولة والجيش من الأنشطة غير الاستراتيجية".