قضية مريم عبد الباسط.. هل دخلت عُمان على خط ملاحقة المعارضين المصريين؟

أُدرجت مريم في القضية رقم 1871 لسنة 2026، إلى جانب متهمين في قضايا أمن دولة- إكس
تواصل السلطات المصرية ملاحقة معارضين في الخارج عبر تعاون أمني مع عدد من العواصم العربية والإقليمية، وسط اتهامات حقوقية باستخدام آليات “الإنتربول” بصورة تتعارض مع القانون الدولي وقواعد حقوق الإنسان.

أحدث هذه القضايا تمثلت في احتجاز الناشطة المصرية المعارضة مريم محمد السيد عبدالباسط (31 عامًا) في سلطنة عُمان، حيث تقيم قانونيًا منذ عام 2021، بحسب “مؤسسة دعم القانون والديمقراطية”، التي وصفت الواقعة بأنها نموذج لـ”استخدام الإنتربول كأداة للملاحقة العابرة للحدود”.

وضع إنساني معقد

تزداد القضية تعقيدًا مع استمرار غياب زوجها أحمد موسى (38 عامًا)، الذي أوقفته السلطات العُمانية في 26 آذار/ مارس الماضي، قبل ترحيله إلى القاهرة في 9 نيسان/ أبريل 2026، وفق المؤسسة الحقوقية، التي أكدت أن عملية الترحيل تمت بناء على إبلاغ شفهي بوجود طلب عبر “الإنتربول”، دون تسليم أي قرار قضائي أو وثيقة رسمية للأسرة، وسط مخاوف جدية من تعرضه للاختفاء القسري.

وكانت السلطات العُمانية قد منعت مريم سابقًا من السفر من مطار مسقط في 15 نيسان/ أبريل الماضي، وإبلاغها شفهيًا بأنها مدرجة على قوائم “الإنتربول” دون أي مستند رسمي، على الرغم من أنها كانت في شهرها الثامن من الحمل وبلا عائل بعد توقيف زوجها.

وتخضع مريم حاليًا لإجراءات تقييد مشددة داخل منشأة طبية؛ حيث أفاد ناشطون بأن السلطات استغلت وضعها لمولودها مؤخرًا في مستشفى "المدينة الطبية للأجهزة العسكرية" للتحفظ عليها وتسجيلها بصفة "سجينة".

وتتضاعف المخاطر الإنسانية المحيطة بها مع إعالتها لطفلين قاصرين، وتلقيها تهديدات خطيرة باستهداف جسدي ونشر محتوى مسيء عبر مجموعات مغلقة على تطبيق "تليجرام" مخصصة لملاحقة المعارضين بالخارج.

وبحسب المؤسسة الحقوقية، أُدرجت مريم في القضية رقم 1871 لسنة 2026، إلى جانب متهمين في قضايا أمن دولة، مع اتهامات من بينها “قيادة تنظيم إرهابي”، و”نشر أخبار كاذبة”، و"التجمهر"، و”التحريض على العصيان المدني”، دون تحديد أفعال واضحة منسوبة إليها. وتشير متابعات سابقة إلى أن مريم تنشط عبر وسائل التواصل الاجتماعي في الدعوة إلى التغيير السياسي بوسائل سلمية، دون ارتباط بأي أعمال عنف.

ثلاث مفارقات

وأثارت القضية نقاشًا واسعًا لعدة أسباب، أولها ظهور اسم سلطنة عُمان للمرة الأولى في قضايا مرتبطة باحتجاز أو ترحيل معارضين مصريين، رغم الصورة التقليدية لمسقط باعتبارها طرفًا بعيدًا عن الاستقطابات السياسية الحادة في المنطقة.

وكتب الإعلامي حافظ الميرازي عبر حسابه: “حتى أنتِ سلطنة عُمان الوسيط النزيه دوليًا تشاركين في شبكة القمع الأمني الإقليمي عربيًا”.

كما كتب الصحفي يوسف الدموكي: “الإخوة في سلطنة عُمان، رجاءً وقف المهزلة التي لا تليق بعُمان ولا بأهلها”.



ودعت “مؤسسة دعم القانون والديمقراطية” السلطات العُمانية إلى “النأي بنفسها عن أي إجراءات قد تؤدي إلى ترحيل أم وضعت طفلها حديثًا وتعول طفلين قاصرين”.

أما المفارقة الثانية فتتعلق باستمرار الجدل حول استخدام “الإنتربول” في قضايا ذات طابع سياسي، خصوصًا مع الحديث عن طلبات شفهية دون قرارات مكتوبة أو أوامر قضائية واضحة، وهو ما يثير علامات استفهام حول دور المنظمة الدولية التي كان يرأسها الإماراتي أحمد ناصر الريسي (2021– 2025). وقالت المؤسسة إن “الاستناد الشفهي إلى وجود إدراج على قوائم الإنتربول، دون إخطار كتابي أو إتاحة فرصة للطعن، لا يتوافق مع معايير الإنتربول والقانون الدولي”.

فيما تتمثل المفارقة الثالثة، بحسب حقوقيين، في اتساع نطاق التعاون الأمني العربي في ملفات تسليم المعارضين، وهو ما أعاد إلى الواجهة قضية الشاعر المصري عبدالرحمن يوسف القرضاوي، الذي سلمته السلطات اللبنانية إلى الإمارات مطلع 2025 رغم التحذيرات الحقوقية، ورغم كونه يحمل الجنسية التركية.

وفي 28 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أوقفت السلطات اللبنانية عبدالرحمن يوسف، نجل العالم الراحل يوسف القرضاوي، أثناء عبوره من دمشق إلى بيروت، استجابة لطلبين إماراتي ومصري على خلفية انتقادات سياسية نشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي 8 كانون الثاني/ يناير 2025، رحّلت السلطات اللبنانية القرضاوي قسرًا إلى الإمارات، رافضة كافة الطعون القانونية، ليبقى محتجزًا في أبوظبي لنحو عام ونصف حتى الآن دون الكشف عن مصيره.

“شبكة عابرة للحدود”

الناشط الحقوقي والباحث السياسي إسلام سماحة قال لـ”عربي21″ إن “ما يحدث لم يعد مجرد ملاحقات فردية، بل تحول إلى شبكة أمنية عربية عابرة للحدود تستهدف المعارضين السياسيين، تُدار بالخوف وتُنفذ بالصمت”.

وأضاف أن “تسليم أشخاص أو احتجازهم بناء على طلبات غير معلنة كـ(الطلبات الشفهية) ودون إجراءات قضائية شفافة ليس عدالة، بل بلطجة سياسية بغطاء رسمي يثير مخاوف واسعة بشأن الضمانات القانونية وحرية التعبير”، معتبرًا أن "اعتقال أم بعد ولادتها يكشف أن الأنظمة تراهن على اعتياد الشعوب على الظلم". وأشار إلى أنه “من القاهرة إلى أبوظبي وبيروت ثم الكويت ومسقط، يتسع التنسيق الأمني بينما تضيق مساحة الحريات والكرامة”.

من جهته، قال مدير منظمة “عدالة لحقوق الإنسان” محمود جابر إن هذه الوقائع تعكس نمطًا متصاعدًا من التعاون الأمني وتجاوزًا للمسار القضائي، معتبرًا الترحيل القسري "خرقًا مباشرًا لمبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في اتفاقية مناهضة التعذيب"، والذي يحظر تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها للمعاملة القاسية.

وأكد جابر أن "تسييس إجراءات التسليم بناءً على مواقف سياسية أو منشورات عبر وسائل التواصل لا يشكل أساسًا مشروعًا للاحتجاز، ويمثل اعتداءً صارخًا على حرية التعبير".

إسكات كل صوت حر


وتقول المدير التنفيذي للتنسيقية المصرية لحقوق والحريات الحقوقية هبة حسن، لـ"عربي21": "لم يعد هناك تعليق يمكن أن يعبر عن إجرام هذا النظام وتماديه تجاه أي صوت حر".

وأضافت: "النظام ببساطة يقول للجميع لن أسمح أبدا بأي صوت، ولا اعتراض عما أفعل، وسأستمر في ملاحقة واعتقال الآلاف ووضعهم في سجن صغير، وعندها سيصمت الجميع في السجن الكبير".

وكشفت عن وضع مزر للمعتقلين وأسرهم في مصر، موضحة أن "حجم معاناة أسر المعتقلين أصبح أكبر مما يستطيعون تحمله، فهم يصلون بالناس لليأس ويدمرون ما بقي من أعمارهم ويضيعون مستقبل أبناءهم".
 

سلسلة ممتدة


وخلال السنوات الماضية، شهدت عدة دول عمليات ترحيل أو تسليم لعشرات المعارضين المصريين إلى القاهرة بناء على اعتبارات سياسية؛ فشملت القائمة دولًا أوروبية مثل إسبانيا (ترحيل علاء محمد سعيد 2018)، وألمانيا (سيد عجمي 2018)، وأوكرانيا (أحمد جعفر 2021)، وألبانيا (خالد جاد 2022).

عربيًا وإقليميًا، رحّلت السعودية عددًا من المطلوبين في أعوام مختلفة (منهم شريف البسيوني، ومحمد السعيد، وعبدالرحمن أبوالعلا). كما سلمت ماليزيا مجموعات شبابية عام 2019، وشهدت الكويت تسليم ملاحقين (منهم محمد القابوطي وعبدالله الشريف) وترحيل 9 أسر مصرية بالكامل عام 2013.

وتكرر المشهد في الإمارات (مصعب عبدالعزيز وأيمن شوشة)، والبحرين (علي عبدالرحمن)، وليبيا (هشام عشماوي)، فضلًا عن السودان التي شهدت خلال السنوات الأخيرة عدة عمليات تسليم (منهم باسم جاد، مدحت العشماوي، وحسام سلام، ومعاذ الشرقاوي)، في حين أثارت تركيا جدلاً واسعًا إثر تسليم محمد عبدالحفيظ عام 2019.

وتؤكد منظمات حقوقية أن استمرار هذه الإجراءات “يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام الدول بالقانون الدولي وحقوق الإنسان”، محذرة من أن استخدام طلبات التوقيف في ملفات الرأي والمعارضة السياسية “يهدد بتحويل آليات يفترض أن تكون مخصصة لملاحقة الجرائم العابرة للحدود إلى أدوات للتضييق على المعارضين”.

وتطالب المنظمات السلطات العُمانية بالإفراج الفوري عن مريم ووقف أي خطوات قد تؤدي إلى ترحيلها قسرًا إلى مصر، تجنبًا لتعريضها لانتهاكات خطيرة.