ما حقيقة المفرزة الجوية المصرية في أبوظبي؟.. جدل واسع بعد زيارة السيسي وابن زايد

هل تنخرط مصر في مواجهة إيران؟.. جدل حول وجود قوات جوية مصرية بالإمارات - وام
نقلت وكالة "وام" الإماراتية خبرا غامضا عن تفقد رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، ورئيس الإمارات محمد بن زايد، مفرزة المقاتلات المصرية المتمركزة (وحدة قتال جوي متكاملة) في الدولة الخليجية، وذلك بعد أيام من الإعلان عن وجود أسلحة وقوات إسرائيلية في أبوظبي.

الوكالة بثت مقاطع مصورة من تحية ابن زايد، ومرافقه السيسي، الذي زار   الإمارات ثم سلطنة عمان الخميس الماضي، لضباط جو مصريين وخلفهم طائرات من طراز "رافال" داخل حظيرة إماراتية، ما دفع للتكهن باحتمال أن تكون القاهرة قد أمدت أبوظبي بقوات جوية دون إعلان رسمي دعما لها في ظل مواجهات عسكرية متسارعة مع إيران مؤخرا.

وأعلنت وزارة الدفاع الإماراتية، الاثنين والثلاثاء الماضيين، تعامل الدفاعات الجوية مع اعتداءات صاروخية وطائرات مسيرة قادمة من إيران، وهو ما نفته طهران لاحقا، ليأتي الإعلان عن وجود مفرزة مصرية بالإمارات بالتزامن مع قصف ميناء "قشم الإيراني"، ونفي الاحتلال الإسرائيلي تورطه، بينما الاتهامات وجهت للإمارات.

وأحدث خبر وجود مفرزة مصرية بالإمارات دويا هائلا في أوساط السياسيين والعسكريين المصريين، ورغم نقل قناة الإخبارية المصرية له، إلا أنه حتى كتابة هذه السطور لم يصدر عن السلطات المصرية توضيحا حول "توقيت وجود تلك القوات بالإمارات؟، وطبيعة مهامها، قتالية أم للتدريب؟، وهل خرجت وفق الإجراءات التي يحددها الدستور أم بمخالفته وبأمر مباشر من السيسي؟"

وتساءل مصريون: "ماذا يعني إرسال مصر مفرزة جوية للإمارات بهذا التوقيت؟، وهل تورطت في حرب إيران ومع جبهة إسرائيل؟، وهل تعتبر طهران هذا التدخل موقفا عدائيا لها؟، وماذا لو أقدمت على ضرب مصالح مصرية؟، وكيف تدعم القاهرة أبوظبي عسكريا بينما رفضت التورط بحرب السودان رغم خطورتها على أمن مصر القومي؟، وهل إرضاء الكفيل الاماراتي يورط مصر في أزمة إغضاب السعودية رغم ما أثير عن تقارب القاهرة والرياض؟"

وينص الدستور في مادته (152) أن رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، لا يعلن الحرب، ولا يرسل قواتا بمهمة قتالية خارج الحدود، إلا بموافقة مجلسي "الدفاع الوطني"، و"النواب"، وحال غياب الأخير، تُشترط موافقة 3 مجالس، هي: "الأعلى للقوات المسلحة"، و"الوزراء"، و"الدفاع الوطني".



إلى الخيار الأسوأ

وفي رؤيته للمشهد، قال رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري الدكتور عمرو عادل: "منذ (طوفان الأقصى) 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصبح دخول المنطقة بصراعات مسلحة وبناء محاور مضادة أمرا حتميا؛ فحاله السيولة السياسية والضعف الشديد بغالب دول المنطقة وحالة الهياج الإسرائيلي تجبر الجميع على دخول تحالفات مع العدو الصهيوني أو مع محور المقاومة".

السياسي المصري، أضاف لـ"عربي21": "النظام الرسمي اختار دائما منذ جريمة (كامب ديفيد 1979) ألا يكون مع المقاومة، وحتى قبل انقلاب 3 تموز/يوليو 2013، كان يحاول ألا يكون حليفا كاملا للاحتلال؛ أما بعد الانقلاب، وحتى يسيطر على البلاد كان لابد من الاقتراب أكثر من المحور الصهيوني بالمنطقة، وهذا ما حدث، وجاءت (7 أكتوبر 2023) ليجد نفسه غير قادر إلا على أن يكون جزءا من هذا المحور، والإمارات أحد أهم أضلاعه".

تابع عادل: "ربما أستطيع القول إن وجود قوات مصرية بالإمارات (وهي ليست حديثة العهد) فقط للمساندة المعنوية فهي ليست قادرة على إدارة معارك أو تغيير ميزان القوى بشكل ملموس؛ وهي فقط لتأكيد انتماء النظام المصري للمحور الصهيوني وتأكيد انفصاله التام عن محور المقاومة وللأبد".

ويرى أن "المشكلة في الأضرار التي قد تحدث نتيجة لذلك، والتي تطرح عدة أسئلة منها: هل تخلى النظام عن الخليج وراهن على الإمارات فقط؟، وهل تستطيع الأخيرة إنقاذ الاقتصاد المتردي؟، وهل سيطرة أبوظبي على قطاعات حيوية استراتيجية كالموانئ سيزيد أم يقل؟، وهل سيستمر دعمها تفكيك السودان أحد أهم محاور الأمن القومي المصري أم ستتراجع؟".

وواصل: "ما الثمن الذي سيدفع من المصريين مقابل العرض الطائر المسرحي من النظام؟، هل سيطرة اقتصادية أكثر أم تقسيم للسودان تحت وصاية الإمارات مقابل دعم استمرار النظام؟، أم أن النظام المصري سيحقق بعض المكاسب للدولة وسيحمي قلبها وجنوبها من العربدة الإماراتية؟".

وخلص للقول: "الروح الصهيونية المتوغلة في النظام الإماراتي وضعف المؤسسات بالنظام المصري يذهبان بنا إلى الخيار الأسوأ".

رسالة إماراتية

وفي قراءته، قال السياسي المصري إسلام لطفي: "إرسال قوات مصرية بمهام للخارج يحتاج إجراءات معقدة من مجلس النواب والحكومة وقبل 3 شهور من الإرسال للخارج، وبالتالي لا أتخيل في ظل العمل الاستخباراتي الواسع الدائر بالمنطقة والتغطية الإعلامية كيف أوصلت مصر مفرزة طائرات للإمارات دون علم أحد".

لطفي، رجح لـ"عربي21"، أن تكون "الطائرات المصرية موجودة بالإمارات سابقا لمهام أخرى أو للتدريب"، مضيفا: "العقل يقول إنها لم تفكك وتنقل سرا، وبالتالي فإنها موجودة قبل اندلاع حرب إيران"، فيما يرى أن "زيارة ابن زايد والسيسي للمفرزة كان به قدر من توريط وإحراج مصر".

وبشكل عام يعتقد أنه "ليس من مصلحة مصر الانخراط بأي صراع مع إيران، وليس من مصلحة مصر الدولة أن يتم هزيمة إيران وتفتيتها، وبالطبع ليس من مصلحتها عدم اتساع دائرة الحرب لتشمل كل دول الخليج أو تهديد كيانات كبرى به مثل السعودية".

وعبَّر السياسي المصري عن أمنيته "ألا يتعدى الأمر محاولة إماراتية لإغاظة إيران أو السعودية أو إرسال رسالة أن لنا حلفاء، وألا تتبعه خطوات أخرى يكون دافعها الضغط المالي على مصر واستمرار حالة الامتلاك التي تسيطر على عقول قادة الإمارات بموجب مساعداتهم منذ 2013، وكونهم المخطط واللاعب الرئيسي لانقلاب 2013 الذي أتي بالنظام الحالي".



ماذا عن التوقيت؟

من جانبه، قال الباحث مصطفى خضري: "بداية لم يصدر إعلان رسمي واضح يحدد أن هذه القوات بحالة حرب أو أنها باشرت أعمالاً قتالية هجومية؛ إذن هي أشبه بوجود رمزي هدفها إثبات موقف سياسي واستراتيجي مع إمكانية وضعها كقوة حماية شخصية لمحمد بن زايد والأسرة الحاكمة إذا تم استهدافهم".

وفي حديثه لـ"عربي21"، أضاف: "ولكن في جوهرها تمثل شراكة سامة فاعلة، وهذه الجملة هي المفتاح لفهم التحول النوعي في العلاقة بين القاهرة وأبوظبي"، موضحا أنه "في السابق، كان نظام السيسي يقول للإمارات: أنتم تهددون أمننا القومي بالسودان والقرن الأفريقي، لكننا لن نصعّد علناً، بشرط أن يستمر ضخ استثماراتكم وودائعكم".

وتابع: "الآن تغير الوضع بتغيير المعادلات الجيوستراتيجية السابقة خاصة التي وضع فيها نظام السيسي مصر ومقدراتها كطرف أضعف أمام الإمارات، اليوم، بإرسال القوات المصرية لهذه المفرزة، انتقلت مصر لمستوى آخر من الخطورة والفاعلية؛ وأصبحت تقول: لقد تجاوزنا مرحلة المساومة السلبية، أنا الآن داخل بيتك (قاعدتك الجوية)، أحمي سماءك، وأشارك بإدارة حربك، وبالتالي لن أكتفي بالثمن المالي فقط، بل سأشارك برسم القرار وفرض شروطي الاستراتيجية والجيوسياسية عليك".

ووصف الخبير في التحليل المعلومات وقياس الرأي العام، هذه العلاقة بـ"السامة؛ لأن الشريكين يعرفان أن أهدافهما الاستراتيجية متناقضة، فمصر تشارك بالدفاع عن الإمارات بينما تواصل الأخيرة طعن الأمن القومي المصري بالسودان وإثيوبيا والصومال، لذلك فهي شراكة قائمة على انعدام الثقة المتبادل، ولكنها مفروضة عليهما بقوة الضرورة".

ويرى أن "معادلة الجيش المصري الآن لن تقبل بمواقف سلبية، هو الآن يتحرك، ينتشر، يفرض وجوده العسكري الذي يمنح مصر: حق الاعتراض (فيتو) على التهور الإماراتي، ومعلومات استخباراتية مباشرة، والقدرة على تعطيل أي مخطط صهيو-إماراتي ينطلق من تلك القواعد".

وذهب للقول: "القائمون على الأمن القومي المصري يعملون على اغتنام لحظة الضعف الخليجي: الحرب الإيرانية-الصهيونية تزامنت مع ضغوط اقتصادية على الإمارات (تراجع النمو لـ 2.4 بالمئة، خسائر أسواق المال بـ120 مليار دولار)، ومصر تدخل من الباب الضيق كمنقذ، لتعيد تعريف الأمن الخليجي وفق مصالحها هي، لا مصالح واشنطن وأبوظبي والكيان الصهيوني".

هل تورطت مصر في حرب إيران وجبهة إسرائيل؟

يجب خضري بـ"لا"، مؤكدا أنها "إعادة رسم لحدود الاشتباك لتجنب التورط بالجملة"، مبينا أنه "من ناحية الجبهة الإيرانية: المفرزة المصرية هي رسالة لطهران بأن ثمة حارس بوابة عربي يمنع انفلات الأمور؛ وإيران تتفاهم مع مصر عبر قنوات الحرس الثوري، والمقاتلات المصرية موجودة كرمزية وربما ستعترض مسيّرات وصواريخ إذا كان المستهدف محمد بن زايد ومقر الحكم، لكنها لن تشارك في هجوم على العمق الإيراني، فهذا خط أحمر مصري واضح".

ومن ناحية الجبهة الصهيونية، يرى أنها بيت القصيد، موضحا أن "نقطة الخطر الحقيقية لمصر ليست إيران، بل الكيان الصهيوني؛ فالسيناريو الأسوأ الذي تسعى القاهرة لتجنبه بأي ثمن هو: طائرات صهيونية تنطلق من أجواء إماراتية لضرب إيران، فتقوم إيران بضرب القواعد التي انطلقت منها الطائرات، وفيها المقاتلات المصرية، فتجد مصر نفسها في مواجهة غير مقصودة مع إيران، أو الأسوأ، في مواجهة مع الكيان الصهيوني إذا حاولت الدفاع عن قواتها".

ويرى أن "المفرزة المصرية حاجز مادي لمنع هذا السيناريو، ووجود الطيار المصري في القاعدة يعني أن أي طائرة صهيونية تحاول استخدامها ستضطر للتعامل مع هذا الوجود، وهذا يمنح مصر حق الاعتراض الفوري ومنع ذلك".



إرضاء الإمارات وإغضاب السعودية

يرى خضري، أنه "تورط جزئي لكنه محسوب ولا يؤثر على العلاقة بين مصر والسعودية، فالقاهرة تمشي على حبل مشدود بين الرياض وأبوظبي، وتلعب على التناقض بينهما لتعظيم فوائدها المالية والسياسية".

وأكد أن "السعودية غاضبة فعلاً من التحركات الإماراتية (دعم قوات الدعم السريع بالسودان، مغامرات القرن الأفريقي، العلاقة مع الكيان الصهيوني، بخلاف اليمن.. الخ)  وترى فيها تهديداً مباشراً لأمنها الإقليمي".

واستدرك: "لكن السعودية تدرك اللعبة المزدوجة لمصر وأن استراتيجيتها أعمق من مجرد إرضاء الكفيل، فالقاهرة تكبح التهور الإماراتي وتمنع تفرد الكيان الصهيوني بالخليج (وهذا يخدم السعودية)".

وأضاف: "مصر لم تتخلَّ عن تحالفها الاستراتيجي مع الرياض بملفات (مثل تحالف مصر - السعودية - تركيا لمواجهة النفوذ الإماراتي بالسودان والصومال)، مع مصالح اقتصادية كخط أنابيب النفط السعودي إلى ميناء سفاجا على البحر الأحمر، كشريان استراتيجي للبلدين".

تغيير العقيدة العسكرية

وبحسب وصف خبير الشؤون العسكرية محمود جمال، فإن مفرزة المقاتلات بين 4 و8 و12 طائرة مع أطقمها الفنية والعسكرية، موضحا عبر موقع "إكس"، أن "هذا يعني أن السيسي أرسل قواتا للإمارات"، معلقا: "وكان لا بد أن تبتعد مصر عن التدخل العسكري بتلك الحرب"، مرجحا تصاعد الحرب مجددا، ومتسائلا: كيف سيكون التعامل الإيراني مع مصر حال شن هجوم إماراتي على طهران؟.

وبينما ألمح جمال إلى تقرير "فاينانشال تايمز"، عن تزويد تل أبيب لأبوظبي بنظام المراقبة "سبكترو"، لرصد الطائرات المسيّرة، ونسخة من نظام الدفاع الليزري "Iron Beam"، ونظام الدفاع الجوي القبة الحديدية، مع عسكريين إسرائيليين؛ لفت الإعلامي أسامة جاويش، إلى تزامن وجود العسكريين المصريين مع الإسرائيليين بالإمارات.

وتحدث الباحث المصري حسام عبدالكريم، عن سقوط "قواعد العقيدة العسكرية للجيش المصري ومحددات وضوابط تحركاته بالخارج"، موضحا أن النظام "تصرف بالمخالفة لعدة قواعد أنه "لا ينخرط خارج أرضه في حروب بالوكالة، ولا ينخرط في تحالفات مع خصوم ليسوا خصومه، ولا يعادي بالوكالة من ليسوا أعداءه... ".

ورجح من الصور وجود 13 طيارا مصريا بهيئة دعائية شديدة المبالغة، مؤكدا أن المفرزة من مقاتلات رافال التي تمتلك مصر منها 36 مقاتلة، ما يعني أنها تمثل من 20 إلى 30 بالمئة مما تمتلكه مصر من الرافال.