حدد زعيم التيار الوطني الشيعي في
العراق مقتدى
الصدر مهلة لا تتجاوز أسبوعا لإكمال إجراءات فصل "سرايا السلام" عن
التيار الصدري ومأسستها ضمن أجهزة الدولة، في تطور يُنظر إليه بوصفه واحدا من أبرز
التحولات المرتبطة بملف
السلاح والفصائل المسلحة في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وجاء إعلان الصدر، الخميس، عبر بيان صادر عن
مكتبه الخاص في النجف، أكد فيه تكليف عدد من قيادات التيار بمتابعة استكمال
إجراءات الفصل الإداري والتنظيمي لـ"سرايا السلام" وإنجازها قبل حلول
"عيد الغدير"، الذي يصادف هذا العام الرابع من حزيران/ يونيو المقبل.
وأوضح البيان أن عملية "التسليم
التام" ستتم بالتزامن مع دمج الجانب المدني ضمن تشكيل "البنيان
المرصوص"، وهو إطار تنظيمي وخدمي تابع للتيار الصدري، وذلك بالتنسيق مع
الجهات الرسمية العراقية.
ويأتي القرار بعد يوم واحد فقط من إعلان
الصدر انفكاك "سرايا السلام" المسلحة عن التيار والتحاقها بالدولة، وهي
خطوة رحب بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، الذي اعتبرها دعما لمساعي تعزيز
سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
وتعد "سرايا السلام" من أبرز
الفصائل المسلحة الشيعية في العراق، إذ تشكلت عام 2014 بعد اجتياح تنظيم الدولة
لمدن عراقية واسعة، بوصفها امتدادا لـ"جيش المهدي" الذي أسسه الصدر عقب
الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، قبل أن يتم تجميده لاحقا وإعادة تشكيله بصيغة
جديدة.
وخلال السنوات الماضية، لعبت "سرايا
السلام" أدوارا أمنية وعسكرية متعددة، خاصة في مدينة سامراء والمناطق المحيطة
بها، كما شاركت ضمن المعارك ضد تنظيم الدولة إلى جانب تشكيلات "الحشد
الشعبي"، لكنها احتفظت في الوقت نفسه بهيكل تنظيمي وعسكري مستقل مرتبط
بالتيار الصدري.
ويفتح قرار الصدر الباب أمام تساؤلات واسعة
بشأن مستقبل الفصائل المسلحة في العراق، وإمكانية أن يشكل هذا التحرك مقدمة لإعادة
ترتيب العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة غير النظامية، في ظل الضغوط السياسية
والشعبية المتزايدة المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء تعدد مراكز القوة
الأمنية.
ويُعد ملف السلاح خارج إطار الدولة من أعقد
الملفات التي تواجه الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2003، نظرا لتداخل البعد
الأمني مع الحسابات السياسية والطائفية والإقليمية، فضلا عن النفوذ الذي تمتلكه
بعض الفصائل المسلحة داخل مؤسسات الدولة والمشهد السياسي.
وعلى الرغم من أن عددا من الفصائل انضوى
رسميا ضمن هيئة "الحشد الشعبي" التي أُقرت قانونيا عام 2016، فإن
انتقادات واسعة لا تزال تُوجَّه لوجود تشكيلات مسلحة تحتفظ بقراراتها المستقلة أو
ترتبط بأجندات سياسية وعسكرية خاصة، الأمر الذي تعتبره قوى سياسية ومدنية عقبة
أمام استكمال بناء الدولة العراقية.
وتحمل خطوة الصدر أبعادا سياسية تتجاوز
البعد التنظيمي، خاصة في ظل سعيه المتكرر لتقديم نفسه بوصفه داعما لمشروع
"الدولة القوية" ورافضا لهيمنة السلاح المنفلت، وهي الرسائل التي سبق أن
طرحها خلال أزمات سياسية متعددة شهدها العراق خلال الأعوام الماضية.
كما تأتي الخطوة في توقيت حساس يشهد فيه
العراق محاولات لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني بعد سنوات من الاضطرابات، وسط
مخاوف مستمرة من عودة التوترات الداخلية أو تصاعد المواجهات بين الفصائل المسلحة
المتنافسة.
ويرتبط إعلان الصدر أيضا بسياق إقليمي أوسع،
إذ تتزايد الضغوط الدولية والإقليمية على بغداد لتعزيز سيطرة الدولة على الملف
الأمني ومنع تحول العراق إلى ساحة صراع مفتوحة بين القوى الإقليمية، خاصة في ظل
التوترات المتكررة المرتبطة بالنفوذ الإيراني والأمريكي داخل البلاد.
وفي المقابل، يثير القرار تساؤلات حول
الكيفية العملية لتنفيذ عملية الدمج، وما إذا كانت "سرايا السلام"
ستتحول بالكامل إلى إطار رسمي خاضع للمؤسسات الأمنية العراقية، أم أن الأمر سيقتصر
على إعادة هيكلة شكلية دون تغيير جذري في طبيعة العلاقة التنظيمية والسياسية.
وليس معروفا ما إذا كانت الخطوة ستدفع فصائل
أخرى إلى اتخاذ مسارات مماثلة، أو أنها ستظل مرتبطة بحسابات التيار الصدري وحده،
خصوصا أن ملف الفصائل المسلحة يبقى من أكثر القضايا حساسية وتعقيدا في العراق.
ويتطلب نجاح أي مشروع لحصر السلاح بيد
الدولة توافقا سياسيا شاملا وإصلاحات مؤسساتية عميقة، إضافة إلى بناء ثقة بين
القوى السياسية المختلفة، في بلد لا تزال فيه التوازنات الطائفية والحزبية تلعب
دورا حاسما في رسم المشهد الأمني والسياسي.
ومع اقتراب موعد "عيد الغدير"،
تتجه الأنظار إلى طبيعة الإجراءات التي ستتخذ خلال الأيام المقبلة، وما إذا كانت
خطوة الصدر ستشكل بالفعل بداية تحول فعلي في ملف السلاح العراقي، أم أنها ستبقى
ضمن حدود الرسائل السياسية وإعادة التموضع داخل المشهد الداخلي المعقد.
ويحمل اختيار مقتدى الصدر "عيد
الغدير" موعدا لإتمام عملية تسليم "سرايا السلام" للدولة دلالات
رمزية وسياسية تتجاوز الجانب التنظيمي، نظرا للمكانة الدينية الخاصة التي يحظى بها
هذا اليوم لدى الشيعة. فـ"عيد الغدير" يرتبط، في الوعي الشيعي، بمفهوم
الولاية والشرعية والقيادة، ما يمنح الخطوة بعدا رمزيا يوحي بإعادة تعريف العلاقة
بين "السلطة الدينية" و"سلطة الدولة".
كما قد يسعى الصدر من خلال ربط القرار بهذه
المناسبة إلى إضفاء طابع ديني وأخلاقي على عملية التخلي عن السلاح الحزبي،
وتقديمها باعتبارها خطوة تصب في مصلحة "الدولة العادلة" ووحدة المجتمع،
في وقت تتصاعد فيه الدعوات العراقية إلى إنهاء ظاهرة تعدد القوى المسلحة وحصر
السلاح بيد المؤسسات الرسمية.