أعاد تعطل الملاحة في مضيق
هرمز، بفعل الحرب الأمريكية الإيرانية، فتح ملف الاعتماد
العراقي شبه الكامل على المنافذ الجنوبية لتصدير
النفط، بعدما تسببت الأزمة بخسائر مهولة، ما دفع بغداد إلى البحث عن بدائل برية وبحرية عبر تركيا والأردن وسوريا، وجعل الحكومة أمام تحديات أمنية وسياسية ولوجستية تجعل هذه الخيارات عاجزة حتى الآن عن تعويض الدور الحيوي الذي يؤديه المضيق للاقتصاد العراقي.
ويشكل النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد العراقي، إذ يوفر ما بين 90 و95 بالمئة من إيرادات الموازنة العامة، بما يشمل رواتب جميع الموظفين الحكوميين والعسكريين.
وقبل أزمة مضيق هرمز الأخيرة، كان العراق ينتج ما بين 4.3 و4.5 مليون برميل يوميا خلال عام 2025، بينما كانت الصادرات تتراوح بين 3.2 و3.6 مليون برميل يوميا، يمر معظمها عبر الموانئ الجنوبية في محافظة
البصرة ومن ثم عبر مضيق هرمز.
وأدت الحرب الأمريكية الإيرانية، التي اندلعت في 28 شباط/ فبراير الماضي، إلى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي تسبب في انهيار الإنتاج والصادرات العراقية بنسبة تراوحت بين 70 و80 بالمئة خلال بعض الفترات.
وبحسب وسائل إعلام محلية، تراجع الإنتاج في الحقول الجنوبية إلى نحو 1.3 مليون برميل يوميا، فيما انخفضت الصادرات بشكل حاد، ما دفع بغداد إلى البحث عن منافذ بديلة لتصدير النفط، رغم محدودية كفاءتها وسعتها.
المنفذ الشمالي عبر تركيا
ويعد خط كركوك-جيهان في تركيا أبرز المنافذ البديلة المتاحة حاليا، إذ تبلغ سعته التصميمية 1.6 مليون برميل يوميا.
وأعيد تشغيل الخط جزئيا في آذار/ مارس 2026 بعد توقف طويل نتيجة النزاعات الإدارية والمالية مع إقليم كردستان إلى جانب الهجمات السابقة بطائرات مسيرة مجهولة الهوية، حيث بدأ التصدير عبره بنحو 170 ألف برميل يوميا، قبل أن يرتفع إلى ما بين 250 و340 ألف برميل يوميا، وفقا لآخر الإحصائيات المسجلة خلال نيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2026.
وتكمن أهمية هذا الخط في إتاحة تصدير نفط الشمال، وخاصة نفط محافظة كركوك، مباشرة إلى البحر المتوسط عبر ميناء جيهان التركي، بعيدا عن الخليج ومضيق هرمز.
ويواجه خط كركوك-جيهان تحديات تتعلق بعدم ارتباطه بشكل فعال بحقول الجنوب في البصرة، التي تنتج غالبية النفط العراقي، إلى جانب المشاكل الأمنية والسياسية وتكاليف الصيانة، فيما يجري الحديث عن مشروع لتمديده جنوبا ليصل إلى البصرة.
مقترحات إلى الغرب مع الأردن
في موازاة ذلك، يبرز مشروع خط البصرة-العقبة كأحد البدائل الاستراتيجية المطروحة، إذ تبلغ سعته المخططة نحو مليون برميل يوميا.
ويمتد الخط وهو اقتراح قديم أعيد الجدل به أمام حكومة الجديدة بقيادة علي الزيدي لمسافة تتراوح بين 1665 و1680 كيلومترا، انطلاقا من البصرة مرورا بالأراضي الأردنية وصولا إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر.
ورغم أن المشروع طُرح لأول مرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وجرى التوصل إلى اتفاق مبدئي بشأنه في عام 2022، فإنه لا يزال متعثرا بسبب الكلفة المرتفعة التي تتراوح بين 9 و18 مليار دولار، فضلا عن التحديات الأمنية والسياسية.
ومن شأن هذا الخط أن يوفر منفذا مباشرا إلى البحر الأحمر بعيدا أيضا عن مضيق هرمز، مع إمكانية ربطه لاحقا بالأسواق الأوروبية، إلا أنه ما زال حتى الآن في مرحلة الدراسات والتخطيط.
الطرق عبر سوريا
أما الخيار الثالث فيتعلق بالطرق السورية، سواء عبر خط كركوك-بانياس التاريخي أو عبر النقل البري بالشاحنات.
وكان خط كركوك-بانياس، الذي بُني عام 1952، يمتلك قدرة سابقة تقدر بنحو 300 ألف برميل يوميا، لكنه متوقف منذ عام 2003 نتيجة الحروب والأزمات المتلاحقة التي حلت بالبلاد، فيما تدور مناقشات بشأن إعادة إحيائه أو إنشاء خط جديد.
وفي المقابل، بدأ العراق منذ نيسان/ أبريل 2026 استخدام الشاحنات لنقل النفط عبر سوريا، عقب إعادة فتح معبري اليعربية/ربيعة والتنف.
وتنقل حاليا عشرات آلاف البراميل يوميا، تتراوح بين 10 و60 ألف برميل تقريبا، برا إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط لإعادة شحنها بحرا، وسط اتفاقيات تتعلق بتصدير مئات آلاف الأطنان شهريا.
ويعتمد هذا المسار بشكل أساسي على الصهاريج الحوضية، نظرا إلى توقف خط كركوك-بانياس القديم وتعرضه لتدمير جزئي منذ عام 2003.
ويعد معبر الوليد/التنف بين الأنبار العراقية والأراضي السورية المنفذ الرئيسي لهذا النقل، إلى جانب معبر ربيعة في محافظة نينوى، الذي بدأ استخدامه أيضا لتصدير النفط الخام.
وتتجه الشاحنات عبر الأراضي السورية نحو مصفاة بانياس في محافظة طرطوس، ثم إلى ميناء بانياس لإعادة تصدير النفط إلى أوروبا أو أسواق أخرى عبر البحر المتوسط.
غير أن هذا الخيار يواجه تحديات تتعلق بمحدودية السعة والمخاطر الأمنية، بما في ذلك مخاوف من هجمات تنظيم الدولة، فضلا عن التأخيرات اللوجستية وارتفاع التكاليف، ما يجعله غير مناسب للكميات الكبيرة.
مشاريع مقترحة
وفي سياق البحث عن بدائل أخرى، برز مشروع البصرة-الدقم في سلطنة عمان، بعد توقيع اتفاق أولي عام 2025 لإنشاء خزانات تخزين بسعة 10 ملايين برميل في ميناء الدقم المطل على بحر عمان، على أن يتبع ذلك إنشاء خط أنابيب بري أو بحري، إلا أن المشروع لا يزال في مراحله الأولى.
كما عاد الحديث عن خط "IPSA" الذي يمر عبر السعودية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وهو خط أُنشئ خلال الثمانينيات بسعة بلغت 1.65 مليون برميل يوميا، قبل أن يغلق عام 1990 وتتم مصادرته، فيما تبدو إعادة تشغيله معقدة من الناحيتين القانونية والسياسية.
وفي الإطار نفسه، يبرز "ممر التنمية العراقي" كمشروع بري أوسع تقدر كلفته بنحو 17 مليار دولار، ويهدف إلى ربط الخليج بأوروبا بعيدا عن مضيق هرمز والطرق البحرية الحساسة.
ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذه البدائل، فإنها لا تستطيع مجتمعة (باستثناء مشروع التنمية العراقي) تعويض الدور الذي يؤديه مضيق هرمز بالنسبة للعراق، إذ ينقل المضيق عادة أكثر من 3.2 مليون برميل يوميا من النفط العراقي، بينما لا تتجاوز قدرة جميع البدائل الحالية، بما فيها خط جيهان والنقل بالشاحنات إلى بانياس والمشاريع المقترحة، ما بين 500 و700 ألف برميل يوميا في أفضل التقديرات.
ويعود ذلك إلى ضعف السعات الفعلية، وعدم وجود ربط كاف بحقول الجنوب التي تنتج الغالبية من النفط العراقي، فضلا عن ارتفاع الكلف اللوجستية والمخاطر الأمنية والطابع المؤقت لبعض هذه الحلول، ما يجعل الاقتصاد العراقي عرضة لأي اضطراب جديد في مضيق هرمز.