أثار تبني رئيس مجلس النواب
العراقي هيبت الحلبوسي مقترح قانون التجنيد الإلزامي أو ما يعرف بـ"
خدمة العلم" جدلا واسعا، مع تصاعد تساؤلات حول كلفته المالية الكبيرة والجهات المستفيدة من عقود التجهيز والإيواء والتدريب التي سيفتحها، بالتزامن مع موعد قراءته الأولى التي أقرت الأحد الماضي.
وأعلن الحلبوسي الأربعاء الماضي، تبنيه طرح القانون عقب مباحثات معمقة مع قادة الجيش، معتبرا إياه ضرورة أمنية واجتماعية، في خطوة أعادت الملف إلى واجهة النقاش السياسي والأمني.
وروج الحلبوسي للمقترح بوصفه وسيلة لتقليل البطالة وتوجيه طاقات الشباب نحو العمل المنظم وتعزيز الانتماء الوطني، مشددا على تفضيله تسمية "خدمة العلم" بدلا من "التجنيد الإلزامي" لتفادي عسكرة المجتمع.
وفي السياق ذاته، أشار بيان مكتبه إلى أنه أجرى زيارة إلى وزارة الدفاع التقى خلالها رئيس أركان الجيش الفريق أول قوات خاصة الركن عبد الأمير رشيد يار الله وعددا من القادة، حيث اطلع على التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية ومتطلبات تطويرها، بما في ذلك ملف أعمار المتطوعين وتعزيز قدراتهم.
وأضاف البيان أن اللقاءات تضمنت "حوارات معمقة" حول إعادة النظر في التجنيد الإلزامي كخيار استراتيجي لتعزيز قدرات الجيش وبناء قاعدة بشرية منضبطة، فضلا عن تقليل البطالة والحد من الظواهر السلبية، مؤكدا أن القانون طُرح بعد التشاور مع رؤساء الكتل النيابية لضمان مسار تشريعي يخدم الأمن الوطني.
كلفة مالية ضخمة وشبهات فساد
كشف النائب ماجد شنكالي أن رواتب المجندين الإلزاميين وحدها ستكلف الدولة 1.44 تريليون دينار سنويا، "عدا بناء المعسكرات والأمور اللوجستية الأخرى"، بحسب تصريحه الذي نقلته جريدة Jareda وعدة حسابات إعلامية نيابية في نيسان 2026.
وبحسب تقديرات متداولة عن المقترح، قد ترفع الكلفة الإجمالية لتطبيق القانون، بما يشمل الرواتب والإطعام والتجهيز والبنية التحتية والتدريب والنقل والخدمات الطبية، تخصيصات المؤسسة العسكرية إلى نحو 30 تريليون دينار سنويا.
ويبلغ راتب كل مجند مايقارب 500 ألف دينار (300 دولار)، إلى جانب النفقات اللوجستية، في وقت تبلغ فيه مخصصات وزارتي الدفاع والداخلية وهيئة الحشد الشعبي حاليا بين 21 و22 تريليون دينار سنويا، ما يجعل الإضافة عبئا ماليا كبيرا في ظل توقع عجز يصل إلى 64 تريليون دينار.
ورغم أن راتب الجندي المهني المتطوع أعلى ويتراوح بين 700 و900 ألف دينار شهريا (الراتب الأسمي فقط بدون المخصصات المضافة)، فإن العدد المتوقع للمجندين الإلزاميين، الذي قد يصل إلى مئات الآلاف سنويا، يجعل الكلفة الإجمالية أكبر بكثير على الموازنة العامة.
وأشار الدكتور زيد عبدالوهاب الأعظمي، الأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية عبر حسابه على منصة "إكس"، إلى أن التجنيد الإلزامي في ظل تفشي الفساد المالي والإداري قد يتحول إلى باب جديد لتمويل كبار الفاسدين، لافتا إلى أن العبء الأكبر سيقع على الشباب غير القادرين على دفع الرشاوى أو البدل النقدي، مبينا أن تدوينته في هذا السياق حصدت أكثر من 127 إعجابا و18 تعليقا.
اعتراضات داخل قبة البرلمان
في المقابل، انتقد النائب المستقل رائد المالكي الربط بين التجنيد الإلزامي ومعالجة البطالة، معربا عن استغرابه من هذا الطرح، ومتسائلا عن طبيعة الإنتاج المتوقع منه، مؤكدا أنه في حال توفر الإمكانيات لدى الدولة فإن الأولى هو إطلاق مشاريع أو دعم تنفيذها لتشغيل الشباب.
وأوضح عبر صفحته على "الفيسبوك" أن قضية "خدمة العلم" دستورية، إلا أن الوضع الحالي لا يسمح بالدخول في مثل هذا الالتزام، مشيرا إلى أن الأمر يتطلب هيكلة التشكيلات العسكرية وتبني مشروع واضح ومتكامل، وإنشاء بنى تحتية إدارية وعسكرية، لافتا إلى أن بعض التشكيلات لا تزال تفتقر إلى أطر قانونية واضحة مثل هيئة الحشد الشعبي.
وأضاف أن الوضع ليس طبيعيا كما يُتصور، وأن إصدار القوانين دون آليات تنفيذ واقعية لا يمكن أن ينجح، مشيرا إلى أن اختيار رئيس الوزراء قد يستغرق ستة أشهر، وأن البلاد مضت سنتين دون جداول موازنة، متسائلا عن مدى إدراك القيادات لطبيعة التحديات التي يواجهها البلد.
وتابع المالكي متسائلا عن مصير قوانين أخرى، مشيرا إلى قانون الضمان الصحي الذي يتضمن ثلاث مراحل ومدة تنفيذ تمتد إلى 15 سنة، وقد تم تشريعه عام 2020، دون معرفة ما تم تطبيقه حتى الآن، إضافة إلى قوانين العمل والضمان وتقاعد العمال وغيرها، مؤكدا أن المشكلة لا تكمن في التشريع بقدر ما تكمن في غياب التنفيذ.
وفي السياق ذاته، دعا النائب رعد الدهلكي (عن كتلة العزم) إلى سحب مشروع قانون "خدمة العلم" من جلسات البرلمان، مؤكدا خلال مؤتمر صحفي عقده اليوم الأحد (19 نيسان 2026) أن الجيش العراقي لا يحتاج إلى أعداد إضافية، مشيرا إلى أن إعادة تأهيل المصانع والزراعة أكثر أهمية من تجنيد المجتمع، معتبرا أن القانون يمثل كلفة عالية دون حاجة أمنية ملحة، بحسب ما نقلته وكالة بغداد اليوم الإخبارية.
من جانبه، شدد النائب زهير الفتلاوي على ضرورة إلغاء الاستثناءات والبدل النقدي في القانون، مؤكدا أنه في حال رغبة النواب الذين وقعوا لسحب القانون ولم يفلحوا في ذلك، فإن عليهم إلغاء تكملة قراءة وتشريع قانون التجنيد الإلزامي عبر إلغاء المادة سابعا أولا جيم والمادة 48 المتعلقة بالبدل النقدي، إلى جانب إلغاء جميع الاستثناءات، بما يضمن شمول الجميع بأداء الخدمة دون تمييز.
وأضاف أن الأولى بمجلس النواب هو إقرار قوانين مهمة مثل الخدمة المدنية أو النفط والغاز أو الحشد الشعبي وغيرها من القوانين الجاهزة من الدورة الخامسة، إلى جانب إعادة تأهيل المصانع ودعم الزراعة لتشغيل الشباب والخريجين، والاهتمام بالمدارس الحكومية من أجل بناء جيل واعٍ مرتبط بوطنه.