ما سر "المواد النشطة" التي يسعى علماء الفيزياء لجعلها تزحف وتمشي ذاتياً؟

تستهلك المادة النشطة الطاقة باستمرار، وتحولها إلى حركة أو تغيرات ميكانيكية- CC0
نشر موقع "سايتك ديلي" مقالاً لجامعة أمستردام، جاء فيه، إن علماء الفيزياء الذين يدرسون المادة النشطة - وهي مواد تستخدم طاقتها الداخلية للاستجابة للقوى - كشفوا عن سلوكيات مذهلة تتحدى المفاهيم التقليدية في علم الميكانيكا.

وقد تبدو المواد التي تنحني أو تنكسر أو تزحف أو حتى تحفر من تلقاء نفسها ضرباً من الخيال العلمي، لكن علماء الفيزياء يعملون الآن على بناء أنظمة قادرة على فعل ذلك تماماً.

ويستكشف باحثون من جامعات أمستردام ونيو ساوث ويلز وكامبريدج فئة غريبة من المواد تُعرف بالمادة النشطة. على عكس المواد العادية، تستطيع المادة النشطة الاستفادة من طاقتها الداخلية للاستجابة ديناميكياً للقوى الخارجية.

وتكشف أحدث تجاربهم عن سلوكيات تتحدى بعضاً من أكثر القواعد رسوخاً في علم الميكانيكا، وقد تُسهم في نهاية المطاف في تشكيل الجيل القادم من الروبوتات المرنة والآلات المتكيفة.

وأوضح المقال أن معظم المواد التي تُستخدم يومياً خاملة؛ فالعوارض الفولاذية والأربطة المطاطية والزجاج والخرسانة لا تتحرك أو تتشوه إلا عندما تتعرض للدفع أو المد أو الضغط بشيء خارجي.

أما المادة النشطة فتعمل بشكل مختلف، حيث تستهلك هذه الأنظمة الطاقة باستمرار وتحولها إلى حركة أو تغيرات ميكانيكية، وتمتلئ الطبيعة بالكثير من الأمثلة؛ فأسراب الأسماك تتحرك في موجات منسقة، وأسراب الطيور تغير اتجاهها بشكل فوري، والخلايا الحية تعيد تنظيم نفسها.

بناء المواد النشطة في المختبر

لا تقتصر المادة النشطة على علم الأحياء، بل يمكن للعلماء أيضاً ابتكارها في المختبرات باستخدام مكونات بسيطة نسبياً.

وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، طور باحثون من أمستردام وكامبريدج ونيو ساوث ويلز مواد نشطة مصنوعة من قضبان وأربطة مطاطية ومحركات دقيقة، تُظهر هذه الأنظمة سلوكيات غير عادية وذات فائدة محتملة،

وقد قُبلت دراستان حديثتان للفريق للنشر. يبدأ أحد الأمثلة بمقارنة بسيطة: إذا ضغطت على بطاقة ورقية بين أصابعك، فإنها تنثني في اتجاه واحد. أما إذا دُفع الجزء المنحني للداخل، فسينثني فجأة إلى الجانب المقابل، ولأن البطاقة مادة غير نشطة، فإن هذا الانثناء لا يحدث إلا مرة واحدة تحت ضغط خارجي.

عندما تبدأ المواد بالتحرك من تلقاء نفسها

وجد الباحثون أن المواد النشطة تتصرف بشكل مختلف تماماً خلال العملية نفسها، ولإنشاء نسخة فعّالة من النظام، قام الفريق بربط قضبان معاً في سلسلة ووضع محركات صغيرة عند مفاصلها.

أحدثت هذه المحركات تفاعلات غير تبادلية، ما يعني أن كل قضيب قد يستجيب بشكل مختلف للحركة تبعاً للقضيب المجاور الذي تسبب بها. بدلاً من الانثناء والانكسار مرة واحدة فقط، كررت السلاسل الفعّالة الحركة باستمرار وأنتجت تذبذبات.

ويقول الباحثون إن "النقطة الحرجة" المعتادة التي يحدث عندها الانكسار أصبحت ما يُعرف بـ"النقطة الاستثنائية الحرجة".

عملياً، سمح هذا للسلاسل بالتحرك بطرق تُشبه الزحف أو المشي أو الحفر. نُشرت النتائج في وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم من قِبل المؤلفين الأولين المشاركين، سامي العزي من جامعة نيو ساوث ويلز، وياو دو من جامعة أمستردام.

ووفقاً للباحثين، قد يُسهم هذا العمل في تطوير مواد ذاتية التشغيل متعددة الوظائف، لا سيما للروبوتات اللينة المرنة التي يمكنها العمل دون أنظمة تحكم مركزية. 

تحدي مبدأ ميكانيكي أساسي

يعتمد المهندسون غالباً على مبدأ "لو شاتيليه"، الذي ينص بشكل عام على أن السلوك وفق المقاييس الصغيرة يجب أن ينتقل إلى الهياكل الأكبر.

على سبيل المثال، زيادة صلابة أجزاء الهيكل الفردية عادةً ما تزيد من صلابة الهيكل بأكمله. وباستخدام شبكة ثنائية الأبعاد مصنوعة من محركات وقضبان، اكتشف الباحثون أن زيادة نشاط الوحدات البنائية الفردية قد يؤدي في الواقع إلى تقليل نشاط الهيكل ككل.

وقاموا بقياس كيفية تغير مرونة الهيكل الأكبر تبعاً لخصائص مكوناته المجهرية. أهمية الترشيح حدد الباحثون أن السلوك على نطاق واسع يعتمد على كيفية انتشار المكونات المجهرية الفعالة في جميع أنحاء المادة، وهي عملية تُعرف بالترشيح.

وقارنوا هذا التأثير بحركة الماء عبر بقايا القهوة. فإذا كانت البقايا متراصة بإحكام شديد، لا يستطيع الماء المرور بكفاءة. وبالمثل، يمكن أن يؤدي التركيز العالي للمكونات الأقل نشاطاً إلى منع الاستجابات المرنة من الانتشار عبر المادة، حتى عندما تظل مناطق أخرى نشطة للغاية.

ويعتقد الباحثون أن انهيار مبدأ "لو شاتيليه" في المادة الفعالة قد يكون له آثار بالغة الأهمية على العلماء الذين يدرسون أنظمة مثل الهلاميات الفيزيائية الحيوية، والطبقات الظهارية الأحادية، والشبكات العصبية.

وقد تؤثر هذه النتائج أيضاً على الأبحاث المستقبلية في الفيزياء، وعلم المواد اللينة، والهندسة الميكانيكية، وعلوم الحياة، والروبوتات.